::الرئيسية        ::سيرتي الذاتية       : ::  مقالاتي       :: اتصل بي   


 
 





  الأكثر قراءة

  البنك الإسلامي والبنك التقليدي ( مقارنة من حيث المنطق النظري والواقع التطبيقي
  المرأة بين الرومانسية والمادية في قصائد الشاعر إبراهيم ناجي والشاعر نزار قباني- رؤية أخري لواقعنا وأداء حقيقة النقد
  موسوعة الميداليات الذهبية ( 1
  الفارق الإنساني بين حضارة الإسلام وثقافة الغرب ( الإطار الفكري والتاريخي )
  رحلة الشعر مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم
  لحظة الإضاءة ( كيف يبدع الأديب أدبه ؟

 مواضع مميزة

  قراءات في قاموس الصداقة - صداقة الإنترنت
  الأدب ونهضة الأمة
  السياحة الثقافية وذاكرة الأمة
  العراق ليست هوليوودا
  موسوعة الميداليات الذهبية ( 1
  الأفكار المنتحرة
  نقطة التفتيش
  جسر الكلمات ( قراءة العمل الأدبي بين المبدع والقارئ
  المرأة بين الرومانسية والمادية في قصائد الشاعر إبراهيم ناجي والشاعر نزار قباني- رؤية أخري لواقعنا وأداء حقيقة النقد


 
  روابط تستحق الزيارة

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

  مستقبل السودان

  هل خرج البشير حقاً؟

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

  الجثمان

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

  وباء الطاعون ذكرني بمشهد إعدام صدام ، لينغص علينا فرحة العيد

  مالك بن نبي.. ترجمتي لدفاتر بن نبي

  التصور الشعبى للقرارات الصعبة التى وعدنا بها الرئيس

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه


لحظة الإضاءة ( كيف يبدع الأديب أدبه ؟
    Monday 16-01 -2006   

مقدمة :
   للأدب دوره الهام في تنقية الأحاسيس وبناء الأفكار وتغيير المجتمعات ومواساة الإنسان في همومه ، لذلك كانت دراسة العملية الإبداعية وما يرتبط بها من مؤثرات وظواهر دراسة في غاية الأهمية ، فإضافة إلي كونها دراسة ممتعة فإنها أيضا إضاءة للأديب في طريقة نسجه للعمل الأدبي وكيف يدرك طريقة أي العناصر والمناخات أشد تأثيرا وأعظم دلالة لما يثور داخل نفسه من انفعالات وأفكار ، ، ودراسة لحظة الإبداع دراسة شيقة لما تضمه من أفاق فكرية وروحية ممتعة حتي كلمات الأدباء في وصف تلك اللحظات الذهبية واستبطان مؤثراتها وتنمية بواعثها هي كلمات أدبية راقية تعبر عن هموم الإنسان وأشواقه ، وعن أفراحه وأتراحه ، وعن قضايا أمته ومجتمعه وسبل الخلاص ، بما يوجب أن ينصرف الأديب أحيانا داخل نفسه كي يكتشف أفاق هذه اللحظة الذهبية . وذاك واجب يجب التصدي إليه ، يقول " المنفلوطي " ( رحمه الله ) : " الأدب ليس سلعة من السلع التجارية لا هم لصاحبها سوي أن يحتال لنفاقها في سوقها إنما الأدب فن شريف يجب أن يخلص له المتأدبون بأداء حقه والقيام علي خدمته إخلاص غيرهم من المشتغلين ببقية الفنون لفنونهم " ، وأرجو أن أكون بذلك من القائمين علي خدمة الأدب .
   قدر الأديب : التوتر العاصف والقلق المضني :
   حكي لي أحد الأدباء أنه يضع العناصر لأفكاره بداية ثم يبدأ في ترتيبها وتنميق حروفه حتى يكتمل أمامه عملا أدبيا ، أو يكتب أحيانا بيتا واحدا أو بيتين من الشعر ثم بقدرته أو بمعني أدق بحرفته في الصياغة ينشأ سائر القصيدة بأن يضع في نهايات الأسطر الكلمات المناسبة حسب روي وبحر القصيدة ، حتى جاء اليوم الذي ذاق فيه لأول مرة روعة لحظة الميلاد عندما انسكبت داخل نفسه مرة واحدة تلك اللحظة الرائعة ( لحظة الإضاءة ) ، وتعبير ( لحظة الميلاد ) هو التعبير الشائع حول تكوين العمل الأدبي بتشبيهه بالجنين ، فالفكرة تأخذ حظها من الاختمار داخل وجدان الأديب ، فإذا سبقت فكرته فسارع إلي كتابتها دون أن يمر بتلك الحالة من القلق والتوتر ، أي دون أن يتمهل في انتظار حالته الموافقة للكتابة ، أو بمعني أدق إذا سبق قلمه لحظته الإبداعية لكان العمل الأدبي جنينا غير مكتمل شائها ممزقا لم تكتمل له بعد العناصر الوافية لنجاحه ، والفترة الزمنية التي تستغرقها حالة التوتر العاصف إلي أن تكتمل الفكرة وتوافق اللحظة الإبداعية تتباين بين أديب وأديب ، بل يمكن أن تتباين بين عمل وآخر لأديب واحد ، فقد تنشأ الفكرة وتطرح نفسها بقوة وتمر بفترة اختمار قصيرة تتشكل فيها لتصبح كائنا سويا خلال ساعات قليلة أو حتى ساعة واحدة ، وقد يستغرق الأمر سنوات طويلة ، ولا شك أن الفكرة التي تأخذ حظها من حالة القلق هذا ، ونصيبها من عناية الأديب ، فتوافق لحظتها الذهبية بحالة الموافقة للكتابة ( وليس الزمن هنا هو المقياس ) ، هي التي تنشأ عملا أدبيا قويا وممتازا ذلك لأنه يعبر عن تلك اللحظة الإنسانية الساحرة وتقدم لنا سر من أسرار الإبداع العقلي والإنساني ، إن الأديب الذكي المهتم بفنه والذي يود دائما أن يرقي به لابد أن يكون يقظا لمثل هذا المعني فيتصيد أفكاره ومشاعره برصاص بصيرته ، وتظل لحظات توتره متصاعدة وأحيانا عاصفة وحارقة للأعصاب ثم لا يؤجل أمر إفراغ شحنته تلك حين تناسب لحظتها القدرية ليولد لنا العمل الأدبي متميزا راقيا مناسبا لموضوعه وفكرته ، إنها لحظة نادرة إذا أفلتها الأديب فلن تعود إليه مرة ثانية ، وقد قصت علينا الأديبة القاصة الأستاذة / نعمات البحيري عن هذا المعني موضحة ( أن الأديب يجب أن يكون ذا ذهنية حاضرة جاهزة حيث أن عين المبدع متباينة عن غيرها من العيون فيسميها الكاتب الكبير الراحل " يوسف إدريس " ( رحمه الله ) : حساسية إلتقاط اللحظة الإبداعية ، ولا شك أن الفكرة المبدعة والتي يؤسس عليها الأديب عمله الفني تتفاوت من شخص إلي آخر ، وصاحب الموهبة العالية لدية حساسية عالية فكأن الأرض تنبت له أفكارا كلما تحرك والأديب عليه أن يقبض عليها ويحتضنها وتختزنها وتختمر عنده ويعيد إنتاجها في عمل فني ، وهذا جميعه يكتنفه مبدأ هام وهو تخصيص العام وتعميم الخاص بمعني كيف يستطيع المبدع أن يحول التجربة الخاصة إلي تجربة عامة يحياها معه غيره من خلال العمل الأدبي ، أما تخصيص العام فهو ملكية الأديب للحدث العام ويمر الكاتب بفترة الاختزان والاختمار إلي أن يخرج العمل الأدبي في شكله الأخير وتلك الفترة تتسم بالقلق والتوتر والارتباك لدرجة حكت فيها الأديبة أنها قد تختلق الأعذار كي تؤجل الكتابة حتي تعمل علي مرحلية بإنزال فكرتها علي هيئة دفقة ساخنة وملتهبة كما هي بكافة عناصرها بدون أي تعديل ( قبل السنفرة ) وتسميها الأديبة " مادة خام " حيث تمثل المادة الأولية للعمل الإبداعي وبها لحظة الإضاءة ، وتلك أهم العناصر لدي المبدع ،فإذا فقدت المادة الأولية فقد أهم ما لدي الأديب ، وتصف الأديبة أن تلك المادة الخام هي التي تؤسس جرس العمل وتخلق نوع من الجمالية لابتعاث البهجة لدي القارئ ، حينها يبقي من العمل صياغة الحوار بشكل جمالي أي الحرفة الأدبية والتي تعني إسقاط السيئ وإعلاء الجيد ، والحرفة الأدبية مثلها مثل أي عمل أو احتراف أي أمر ، وتصف الأديبة أنها ترتاح بعد تأسيس المادة الأولية وتنفصل عنها لدرجة قد تصل إلي النسيان لحين إثارته مرة أخري من خلال التحدي بإعادة تشكيل هذه المادة الأولية ، كما تحدثت عن أهمية المراجعة المتصلة لدرجة أنها تجود عملها الإبداعي لعشر مخطوطات وبصورة مناسبة لمناسبة وميقات النشر ، وجملة هذه العناصر من ذكاء الأديب الخاص )
   ( 1 ) ، وحول أهمية لحظة الإضاءة أذكر مقالة قرأتها للراحل الأستاذ / عبد الوهاب مطاوع ( رحمه الله ) مفادها انه أتخذ كل الأسباب التي تهيأ له المناخ المناسب لكتابته فقد أغلق علي نفسه باب مكتبه وجهز طائفة ضخمة من الأوراق والأقلام وأحتسي عدة فناجين من القهوة ، ولكن بدون فائدة فالأفكار تستعصي عليه والمطبعة كائنا شرها فاتحا فمه ولا تشبعه سوي الكلمات ، حينها أحس بتلك الحالة من القلق والتوتر المضني ، أحس بالآم هائلة تعتصره ، وظل هكذا طوال الليل حتى قرب الفجر فكتب موضوعه حول حبيبته " إلهام " فهي وحشية الجمال يحبها من قلبه وتحبها أقلامه ، ولكنها ذات دلال قاس فكثيرا ما تتمنع عليه و لا تقبل إلا بعد عناء وإسترضاء مذل ، ثم لا تمكث إلا قليلا وتنصرف مسرعة ، وهو يتعجب من تلك الجميلة ذات الدلال فهي هكذا معه ، لكنها مع غيره قد ترتمي علي أعتابه تقبل الأيادي وتبذل من نفسها كي ترضي حبيبها ، إنها حالة الأديب المخلص لأدبه والذي يؤمن بقيمة الكلمة المبدعة ودورها المشهود ، ، وكثير من الأدباء تهاجمه فكرته وتسبقه لحظته الإبداعية في أوقات قد تكون غير مناسبة فيسرع حينها للكتابة علي أغلفة المنتجات أو قصاصات الأوراق أو بقايا الصحف ، وقد يكتب سائرا في الطريق أو مستندا إلي راحة يده لدرجه قد يعجب له فيها من يحيطونه ، ولعل تفسير ذلك أيضا ما يعانيه الأديب من الشرود الدائم فهو يحيا مع أفكاره متأملا ، مرتقبا لحظة ميلاد فكرته لترتدي ثوب الكلمات ، وقد تشتد به تلك الحالة مع قرب لحظته الذهبية ، فالأديب يمر بمرحلة الإعداد والتهيئة وبها تكون حالة عدم التوازن ثم مرحلة الإحتضان والإختمار لمدة من الزمان ثم رحلة الإشراق بالعثور علي الحل وخروج الفكرة إلي حيز الضوء ، يعبر عن ذلك الشاعر " محمد إقبال " ليصف حالته من التوتر المضني : " تألمت فكتبت فاسترحت " إن الأديب يتعامل مع أقلامه من واقع القسوة والغلظة المتناهية فيمسكه مهددا أياه محاولا أن يكسر عنقه ويرغم أنفه علي صفحات الورق يستخرج منه عصير المعاني بأي ثمن ، وهنا تظهر نقاط هامة منها مراجعات الأديب الدائمة لأعماله الأدبية ، وحرفيتة في الكتابة واتفانه لقواعد الفن إذ أنها الجناح الثاني والهام لإنتاج عملا أدبيا قيما ، أيضا أهمية التدريب المتصل والتجريب الدائب بكتابة الكثير من الأفكار [كتساب تلك الحرفية من ناحية وأيضا للحذق في التعامل مع لحظات الإبداع وأستناسها وترويض المعني بها ، وهذا لا شك يحتاج إلي تمرين متصل وجهد شديد ، ويسبق ذلك تكنيك الكتابة لدي الأديب وهذا نتناوله بالفقرة التالية .
   تكنيك الكتابة بين التخطيط المسبق ولحظات الإبداع :
   التساؤل بخصوص قضية ( لحظة الإبداع ) أو بمعنى أدق ( تكنيك الكتابة ) من القضايا الأدبية والنقدية التي تشغل الأدباء ، ومثل هذا الطرح يثرى أجواء التناول الأدبي وينميه ، بداية اذكر تجربة الكاتب الكبير " على احمد باكثير " ( رحمه الله ) حين تحدث عن تجربته فى الكتابة وذكر أن العمل الأدبي لديه ينقسم إلى جزئين رئيسين هما القالب والموضوع أو المضمون والشكل ، وذكر تنويعات مختلفة نحو هذا التقسيم فأحيانا تختمر في ذهنه فكرة معيبة أو قضية ما تشغله كثيرا ومقاصد الموضوع تكون لديه واضحة والعناصر جلية ثم لا يجد القالب المناسب لاستيعاب هذا المضمون ، أو العكس يكون لديه الشكل أو القالب سواء كان من الأسطورة أو التاريخ أو حدث في الواقع أى لديه الثوب لكنه يريد جسد العمل الأدبي ( الفكرة ) الذي يرتدي هذا الثوب ، ويذكر الشاعر الأمريكى ( روبرت لويل ) عن تكنيك الكتابة عندما سئل : كيف تكتب الشعر؟ فقال : " أحيانا ألتقط صورة من الطريق أو عند قراءة كتاب أو ما أشبه ، وقد تخطر بذهني عدة أبيات بأكملها ، ثم تنطلق الكلمات ويأخذ بعضها برقاب بعض إلي أن تتم القصيدة في النهاية فأختار لها العنوان المناسب " وذكر أنه يؤمن بالإلهام إلي حد ما ، لكن الأساس الإنفعال بشيء ويكون الأديب في حالة الاستعداد للتلقي والانفعال ، ثم يتفاعل هذا وذاك في محصلة التجارب والخبرات والثقافة ، فتخرج القصيدة أو الفكرة (( 2 ) ، وفي أحد اللقاءات الأدبية التقينا بالكاتب الكبير / محفوظ عبد الرحمن وفي سؤال حول أن أى مبدع لديه أدواته الخاصة والتي ينفذ بها عمله الأدبي ، فهل يضع خطوطا رئيسة ثم تتفرع منها خيوطا فرعية ليكتمل الحدث ؟ وهل الكاتب يضع كل الخطوط أم هي التي تفرض نفسها ؟ ، فأجاب بأن تكنيك الكتابة يختلف من أديب إلي آخر وقال ما معناه : " ... اعرف أدباء يكتبون طبقا للحظة الإلهام ولا يكون لديهم أي تصور مسبق لعملهم الأدبي أو الفني وهذا أسلوبا لا ننكره ولكنني أتبع طريقة آخري وهي أنني لا اكتب إلا إذا كان العمل مكتملا في خاطري واعرف جيدا لدرجة أنني اعرف تماما آخر سطر يقال في نهاية العمل ، وأمر بمرحلة طويلة من التجهيز والإعداد ، وقد أتعمد ضياع الأوراق لأكتب غيرها واكتب مخططات لا يعرفها غيري ، وأمر بجميع مراحل كتابة العمل وأسهل المراحل عندي هي مرحلة الكتابة نفسها ولا تكاد تستغرق وقتا يذكر مقارنة بما تم قبلها من مراحل التجهيز ( 3 ) ، ونخلص مما سبق ان الأدباء بين قسمين : قسما يكتب طبقا لوحي اللحظة ويترك العنان لقلمه وأفكاره لتتدفق على الورق ، وقسما آخر يترك للعمل فرصة الاختمار في ذهنه ويعد له خطة مسبقة ، ولكن الأمر عندي أيضا لا يكون علي سبيل هذا التحديد الدقيق فيمكن للأديب أن يجهز قسما من عمله ويأتيه قسما آخر حسب لحظات الإلهام ، وقد ذكرنا تجربة الكاتب الكبير " باكثير " فى هذا الشأن باختيار القالب والبحث عن موضوع أو العكس ( 4 ) ، وطبعا كل أديب له طريقته وطقوسه الخاصة في الكتابة فمثلا يمكن تحديد التخطيط بالشكل الأدبي أو القالب ، وتحديد الهدف بكتابة قصة مشوقة مثلا ، ثم الإعداد باختيار الحدث الرئيس ، وقد تكمل لحظة الإلهام الكتابة كخاتمة القصة وتطور الحدث ، وهكذا الأديب له ذخيرته المطوية داخل وجدانه والتي تنطلق طبقا للحظات ثمينة ( لحظات الإبداع ) ، وإستجلاء اللحظات الثمينة لا يمكن معها الإكتفاء باستعراض تجربة واحدة أو مجموعة تجارب بإعتبارها قاعدة عامة ، وإنما أشار الكتاب إلي طائفة من النماذج كما أشرنا فأيا كانت طقوس الكتابة وتكنيك التأليف تيقي للحظة الإضاءة أهميتها البالغة ( سواء علي مستوي الإنشاء أو الإتمام ) إذ انها هي تمنح الروح الأدبية لجسد الكلمات ، تبقي أن نذكر أننا لسنا بصدد تفضيل تكنيكا معينا في الكتابة علي آخر فالعبرة في النهاية بجودة العمل الأدبي وقدرته علي التأثير .
   طقوس الكتابة :
   
   هل يرتبط الأديب بطقوس معينة عند إبداعه لأدبه ؟ ، قد يدخل تلك الطقوس من باب ألف العادات ولكنها أيضا ترتبط بتهيئة معينة لاستجلاب اللحظة الإبداعية ، ولا شك أن مطالعة طرفا من تلك الطقوس يعبر لنا عن كيفية معانقة الأديب للحظته الإبداعية ، فيحكي أن الأديب متعدد المواهب " علي أحمد باكثير " ( رحمه الله ) كان يقطع حجرته عشرات المرات ذهابا وأيابا لكتابة سطرا واحدا أو تعديل سطر آخر ، وأنه ( رحمه الله ) كان يكتب بأقلام رديئة الصنع حتى لا يمنعه إنسيال الكلمات من التدقيق فيها ، أما الشاعر المكسيكي ( أوكتافيوباث ) فقد سئل : لماذا تكتب ؟ وهل تحتاج إلي شيء معين او طقس خاص كي تمارس الكتابة ؟ وهل تتداعي الأفكار والخواطر يتم بطريقة آلية عند الكتابة ؟ ، فأجاب علي السائل : " هذا ما أسأل نفسي بصدده : لماذا أكتب ؟ ، خاصة أنه كان من السهل عمل أشياء أخري ؟ ، الأدب ليس حرفة مرضية ، ‘نه عمل ممل ، يتطلب من الكاتب الجلوس لصيق المقعد فترات طويلة ، إنه يتطلب الكثير من التضحيات والمعاناة ، بيد أن مجد الشاعر أو الفنان بصفة عامة لا يكمن في مكافأة الآخرين له بل في السعادة التي تسفر عنها لحظة الخلق والإبداع ، فالإبداع يمكن أن يولد من الحب " ( 5 )
   
   الحديث عن الإبداع :
   
   تناول التعريف اللغوي علي أساس أنه إيجاد أو اختراع لشيء علي غير مثال مسبوق ، أما الإبداع فنيا وأدبيا فقد تلونت حوله والمذاهب ، ولكن يظل ظلال الإتفاق حول معني انه الطاقة او المقدرة الفنية علي صياغة عمل جديد ومبتكر وإخراجه إلي حيز الوجود ، وبقت مساحة الإختلاف شاسعة حول طريقة إشتعال هذه الطاقة ، وإكتساب هذه الملكة ، وحول لحظة الإشراق في الفن تحدث الكثيرين حول جملة من القضايا منها دور التجربة والإلهام في هذه اللحظة ، يقول د . عبد العزيز المقالح : " اللقاء بين الأديب وعمله سيظل موضع بحث لا ينتهي ، وستبقي سر تلك اللحظة يستعصي علي الكثيرين فهي لحظة عجيبة نطرح حولها التساؤلات " ( 6 ) ،( ويتحدث في تلك التساؤلات حول دور الإلهام من حيث هل الأديب إنسان ملهم يأتيه فيض تلقائي من الخيال ، وتنثال عليه الصور والمعاني من عالم مجهول صبب ؟ هذا من ناحية ومن ناحية آخري : من اين يتلقي الأديب إبداعه ، من الفراغ ، ام أن الأدب جوهر مكثف لمجموعة من الخبرات القديمة أستوعبها العقل وتخير منها ما يشاء في لحظة من اللحظات ، وأضاف إليها من نشاطه الإبداعي مما جعلها عملا فنيا مكتملا ؟ ، وإذا كان قد تحدث عن العلاقة بين الإلهام والتجربة ، تحدث أيضا عن جدلية الواقع والحلم ، فما هو دور الحلم والتخيل في صورة الواقع ، هل يسبانه واقعيته أم يقويان من هذه الواقعية ، ويزيدنها وضوحا وجمالا ؟ ) ( 7 ) ، وعند تأمل طائفة الأسئلة يجب حينها إيثار نظرية المزيج أو الكتلة المتحدة بين الإلهام وحصيلة التجارب وقد تحدثنا عنها عندما أشرنا إلي دور الحرفية وإكتساب الملكة الأدبية ورغم ذلك أقررنا الأهمية القصوي للحظة الإضاءة ، ويبقي لكل عمل أدبي خصوصيته من حيث نسب تمثيل هذه العناصر في مكونات العمل الأدبي ، أما جدلية العلاقة بين الواقع والحلم فيجب الإشارة إلي أن العمل الأدبي لا يعبر عن الواقع المحسوس فقط إنما يعبر أيضا عن الواقع الآخر النفسي والروحي أو الواقع الثاني المنشود ، وبذلك نجد أن العمل الأدبي كما يكون تعبيرا فنيا عن الواقع فإنه يكون كذلك تعبيرا عن الحلم .
   
   [email protected]
   
   
   ----------------------------
   
   هوامش :
   
   ( 1 ) من حديث الأديبة الكبيرة / نعمات البحيري / الجمعة 8-7-2005م .
   ( 2 ) ص 56 / عندما يتحدث الأدباء / علي شلش / سلسلة اقرا / دار المعارف .
   ( 3 ) معني الكلام حسبما سمعته من الأديب الكبير شهر نوفمبر 2004 م .
   ( 4 ) المسرحية من خلال تجاربي الشخصية / علي أحمد باكثير .
   ( 5 ) مجدي أحمد توفيق دراسة عن المجموعة القصصية " حواديت عرافة " .
   ( 6 ) ، ( 7 ) مقال " الشعر بين التجربة والإلهام " / مجلة العربي / ص 121 : 125 / مايو 1987م / العدد 342 / " بتصرف " .
   
   



 

      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار






لا توجد تعليقات سابقة

 
مع تحياتي خالد جوده أحمد
هذا الموقع هو اهداء بسيط من الركن الأخضر الى كاتبنا المتميز