لا شك أن يوم الأحد الماضي الموافق الثالث من الشهر الجاري قد تحوَل إلى محطة سياسية هامة في تاريخ أميركا اللاتينية، باعتبار أن ما شهدته هذه المنطقة الحيوية من العالم خلاله شكل إيذاناً صريحاً ببدء انتهاء عصر هيمنة واشنطن عليها وسقوط مقولة "الأخ الأكبر" فيها إلى ما لا رجعة. ففي ذلك اليوم العظيم شهدت فنزويلا انتخابات رئاسية ديمقراطية قال الشعب الفنزويلي بنتيجتها كلمته الفصل التي بموجبها ضمن للرئيس هوغو شافيز العدو الأكبر لواشنطن في أميركا اللاتينية البقاء في سدة الحكم فترة رئاسية ثالثة تمتد حتى نهاية عام 2012. ففي الانتخابات الرئاسية الأولى في فنزويلا خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الجاري والثانية عشرة في أميركا اللاتينية خلال عامين، حاز شافيز على 62 في المائة من 78 في المائة من أصوات الفنزويليين الذين يحق لهم التصويت والبالغين 16 مليوناً، مقابل 38 في المائة حصل عليها خصمه السياسي ومنافسه المدعوم من الإدارة الأميركية مانويل روزاليس زعيم حزب "الزمن الجديد" وحاكم ولاية سوليا الغنية بالنفط والواقعة غرب فنزويلا. وقد اتسمت الانتخابات بالنزاهة والشفافية المطلوبتين، وذلك بشهادة صناديق الاقتراع والفرز الأمين والصادق والأجهزة الإلكترونية لأخذ البصمات التي تعتبر الأكثر تطوراً في العالم، وبشهادة 1200 شخصية دولية أشرفت عليها وفي مقدمها الرئيس الأميركي الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر وممثلون عن مؤسسات ومنظمات حقوقية ومدنية دولية بما فيها منظمة الأمم المتحدة، عملوا في أجواء من السلم الأمني الذي ضمنه 120 ألف جندي فنزويلي انتشروا على مساحة من البلاد احتوت 32 ألف مركز انتخابي. وبذلك يكون شافيز قد اكتسب شرعيةً رئاسية جديدة تضاف إلى شرعيتين رئاسيتين سابقتين وشرعية استفتائية تلتهما أيضاً، عرفتهم هذه الدولة الأميركية اللاتينية بين كانون الأول 1998 والثالث من كانون الأول 2006 الجاري. فقد انتخب شافيز رئيساً لفنزويلا لأول مرة في كانون الأول 1998، وأعيد انتخابه عام 2000 لضرورات قسرية افترضها تعديل دستوري جرى في البلاد، وتم تثبيت ذلك الانتخاب في استفتاء شعبي جرى في 15 آب 2004 قبل أن يُعاد انتخابه مجدداً يوم الأحد الماضي الموافق الثالث من كانون الأول الجاري". وهذا يعني بالبديهة أن شافيز يتمتع الآن من خلال الشرعيات الأربع المتتالية التي منحه إياها شعبه بشرعية تفوق أضعافاً مضاعفةً شرعيتي الرئيس الأميركي جورج بوش اللتين حصل عليهما في انتخابات الرئاسة الأميركية الأولى عام 2000 والثانية عام 2004. فالشرعية التي حصل عليها بوش في الانتخابات الأولى ظلت مثار شك وريبة لوقت طويل قبل أن يتم التسليم بها، وما كان له أن يصل إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض في وقتها لو لم يلجأ مضطراً للمحكمة الأميركية العليا ولو لم يتصف خصمه الديمقراطي آل غور بكثير من الحنكة والحكمة اللتين دلل عليهما حرصه البالغ على أمن وسلامة الولايات المتحدة الأميركية. وأما الشرعية التي حصل عليها في الانتخابات الثانية فما كان لها أن تكون لولا اعتماده على أصوات المندوبين الحزبيين واليهود الأميركيين في حسم معركته مع خصمه الديمقراطي جون كيري. ولعل أبسط ما يمكن أن يقال عن انتصارات هوغو شافيز المتتالية هو أنها شكلت تأكيداً لصدقية روح الثورة البوليفارية التي كان شافيز ولا زال يعتبر نفسه امتداداً لها والتي يصر على اعتبارها محطة تاريخية هامة لا تنفصل عن تاريخ أميركا اللاتينية، كما وشكلت انتصاراً للديمقراطية في فنزويلا باعتبار أنه كان لشافيز شرف تعديل دستور بلاده بشكلٍ يستحيل معه أن يقبض أي رئيس ديكتاتوري على مقاليد السلطة فيها إذا لم يكن الشعب راضياً عن سياساته ومؤيداً لسلطة حكمه. ففي عام 1999 ولم يكن قد مضى بعد أكثر من عام على توليه رئاسته الأولى، أجرى شافيز ذلك التعديل على الدستور بإضافة المادتين 333 و350 اللتين توجبان إجراء استفتاء على شخص الرئيس بعد عامين من استلامه السلطة إذا ما طعن الشعب بممارساته الديمقراطية. لكن جاءت المفارقة الغريبة فيما بعد من تحالف المعارضة الذي تشكل من النخبة والطبقة الوسطى والأوليغارشية السياسية والاقتصادية التي جثمت على صدور الفنزويليين عقوداً طويلة اتصفت بالفاشية والانحراف واستغلال الثروة النفطية والتنكر لحاجات ومصالح الفقراء والمعدمين من أبناء الطبقة الفقيرة، حين استغل ذلك التحالف التعديل الدستوري وقام بعملية انقلابية على شافيز بدعم ومساندة من واشنطن. وكانت وكالة المخابرات المركزية الأميركية "سي آي إيه" قد وضعت كل ثقلها وراء ذلك التحالف للإطاحة بشافيز من خلال حثه على القيام بتلك العملية الانقلابية الحقيقية المماثلة لسابقتين لها، جرت الأولى في غواتيمالا عام 1954 والثانية في تشيلي عام 1973، أملاً في تنصيب سلطة عميلة لواشنطن في كاراكاس تسهل لها الهيمنة والسطو على النفط الفنزويلي. فكما هو معروف فإن فنزويلا عضو هام في منظمة "أوبيك" وواحدة من أكبر خمس دول منتجة ومصدرة للنفط في العالم. ومن أجل ذلك أوعزت واشنطن في عام 2002 إلى تحالف المعارضة الذي يقوده الأوليغارشيون من بطانة الحكم السابق للقيام بما أسمته "انقلاباً دستورياً". وقد نجح تحالف المعارضة آنذاك في الإطاحة بهوغو شافيز ، إلا أن الموالين والمخلصين له في الجيش وطبقة الفقراء والمعدمين استطاعوا إعادته للسلطة والرئاسة بعد يومين قضاهما في معتقل للتحالف. مع وصول شافيز إلى السلطة في عام 1998، أثارت سياساته حفيظة واشنطن التي اعتبرته عدواً لها يجب الإطاحة به وإقصائه عن السلطة. فإلى جانب اعتزازه ببوليفاريته وحذوه حذو سيمون بوليفار بطل الاستقلال الوطني والمحرر الحقيقي لأميركا اللاتينية من وجهة نظره، أقام شافيز أفضل العلاقات مع الزعيم الكوبي فيديل كاسترو وتدخل في شؤون كولومبيا الداخلية. وكما هو معروف فإن كاسترو هو من ألد أعداء واشنطن وأن كولومبيا هي من "حوشها" الرئيسيين في أميركا اللاتينية، وفق النظرة الأميركية العنصرية المعروفة!! وفوق ذلك وعلى خلاف ما نهج عليه الرؤساء السابقون لفنزويلا، أبدى شافيز تشدداً وحزماً ظاهرين في مسألة النفط من خلال التزامه بحصة بلاده في منظمة "أوبيك"، وقدم مصالح أبناء شعبه على مصالح الأميركيين. والأسوأ من ذلك والأشد مرارةً بالنسبة لواشنطن، أن شافيز كان الزعيم العالمي الوحيد الذي تحدى الحصار على العراق فزارها والتقى رئيسها صدام حسين وأركان نظامه. ويومها خاطب شافيز العراقيين ورئيسهم من منطلق وطني وإنساني مؤكداً على "موقعهم في معركة الإنسانية الكبرى لدحر مخططات الإمبريالية الأميركية". وواشنطن تتخوف كثيراً من تدخل شافيز المباشر في شؤون شركة نفط فنزويلا وتأثيره المحتمل على أسعار النفط الذي تستورده من كاراكاس، والذي يتراوح بين 12 و15 في المائة من استيرادها النفطي العالمي. وكما هو معروف فإن فنزويلا هي أكبر خامس دولة نفطية في العالم، أكان ذلك لجهة الإنتاج أو الاحتياط، وهي تصدر حوالي 90 في المائة من هذا النفط للولايات المتحدة الأميركية. وعندما تتدخل واشنطن في شؤون فنزويلا وتعمل على قلب نظام الحكم فيها، فإنما تفعل ذلك وفق منظورها الاستعماري القديم ـ الجديد أكان ذلك في الإطار السياسي أو الاقتصادي، لأنها لم تكن يوماً حريصةً على الديمقراطية فيها أو في أي مكان آخر من العالم ولأن جل ما يهمها أولاً وأخيرا وقبل أي شيء آخر هو مصالحها فقط. هوغو شافيز انتصر يوم الأحد الماضي "3 كانون الأول 2006" على خصمه مانويل روزاليس الذي دعمته واشنطن، تماماً كما انتصر في استفتاء 15 آب 2004 على خصمه الرئيس الفنزويلي الأسبق كارلوس أندرياس بيريز الذي كانت تدعمه واشنطن أيضاً. وكما نجح شافيز وفشل بيريز وواشنطن في تحقيق أمنياتهما وتطلعاتهما في فنزويلا، ها هو ينجح من جديد ويفشل روزاليس وواشنطن في تحقيق أمنياتهما وتطلعاتهما فيها أيضاً. سقطت الغطرسة "الكاليغولية" المقيتة المتمثلة بالأوليغارشية في المرتين ونجحت البوليفارية في كليهما. وفي المرتين انتصر الشعب الفنزويلي لرئيسه الذي وجد الديمقراطية الحقيقية عنده. وبهذه الانتخابات حافظ شافيز من خلال حبه لشعبه وحب شعبه له على البقاء في السلطة ستة أعوام قادمة، كما حافظ في استفتاء 2004 ومن خلال حبه لشعبه وحب شعبه له على البقاء في السلطة عامين قبل ذلك. وبذلك يكون هوغو شافيز قد حقق في ثلاثة أعوام فقط انتصارين كبيرين على خصومه المحليين والخارجيين. وهكذا يمكن القول أن الفنزويليين صوتوا ضد "الشيطان" ففاز هوغو شافيز الذي كان شعاره الانتخابي "انتخب ضد الشيطان" !!