::الرئيسية        ::سيرتي الذاتية       : ::  مقالاتي       :: اتصل بي   


 
 





  الأكثر قراءة

  واقع وآفاق العمل النقابي في المغرب
  من "غرنيكا" إلى "غزة"
  إرادة الحرية في القصة المغربية الجديدة .. قراءة عاشقة لنصوص "أنطولوجيا الحرية"
  عن المطالبة بإلغاء نتائج "الانتقاء" القبلي الأساتذة المترشحين لتدريس أبناء الجالية المغربية بأوروبا الغربية لموسم 2008
  حوار صحفي مع القاص والباحث والمترجم المغربي محمد سعيد الريحاني
  "بَطْرِيقْ أَبَادْ"، عاصمة "بَطْنِسْتَانْ"

 مواضع مميزة

  "ثَوْرَةُ البُوفْرَيْحِيّين"
  حوار مع القاص والروائي المغربي محمد عز الدين التازي
  عن المطالبة بإلغاء نتائج "الانتقاء" القبلي الأساتذة المترشحين لتدريس أبناء الجالية المغربية بأوروبا الغربية لموسم 2008
  كتابة السيرة في زمن الصورة
  في حوار مع الباحث والقاص والمترجم المغربي محمد سعيد الريحاني: "لَوْ لَمْ أَكُنْ كَاتِباً.. لَكُنْتُ فَناناً تَشْكِيلِياً"
  ملف التعليم وملفات هيأة الإنصاف والمصالحة
  الأديب المغربي عبد الحميد الغرباوي بمناسبة تكريمه
  إصدار أدبي جديد
  قوة الحب في القصة المغربية الجديدة


 
  روابط تستحق الزيارة

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

  مفهوم الاغتصاب الزوجي

  واشنطن تفاوض طالبان وأدوار لعارض الأزياء يوسي كوهين

  قصة قصيرة: حزام ناسف و ثلاثة أقراص فياغرا

  آلية التطوير في "الجودة الشاملة"

  القيادة الفاعلة وإدارة المعرفة!

  «صندق النقد الدولى».. جيش يغزونا بسلاح المال

  الفوائد الاقتصادية للطاقة المتجددة في مصر


إرادة الحرية في القصة المغربية الجديدة .. قراءة عاشقة لنصوص "أنطولوجيا الحرية"
    Wednesday 11-02 -2009   

-I تمهيد:
    أنطولوجيا الحرية" هي الجزء الثالث والأخير من "الحاءات الثلاث: أنطولوجيا القصة المغربية الجديدة" المشروع الإبداعي والتنظيري الخاص بالتعريف بالقصة المغربية القصيرة والهادف لتأسيس "المدرسة الحائية"، مدرسة مغربية قادمة للقصة القصيرة، من خلال المشترك المضاميني والجمالي المُجَمَّعِ بين النصوص الخمسين للكاتبات والكتاب الخمسين المشاركين في المشروع الأنطولوجي والموزعين على ثلاثة أجزاء على مدى ثلاث سنوات:"أنطولوجيا الحلم المغربي" وهي القافلة التي انطلقت سنة 2006 و"أنطولوجيا الحب" التي انطلقت سنة 2007 و"أنطولوجيا الحرية " التي انطلقت سنة 2008.
   
    القراءة العاشقة وجه ثان من وَجْهَيْ قراءة النص الأدبي: وجه "الانتماء" للنص وَوَجْهُ "الانفصال" عنه. إنها، "القراءة العاشقة"، أحد مجدافي قارب القراءة الذي يشتغل بمجداف "القراءة العاشقة" المنتمية للنص ومجذاف "القراءة النقدية" الحريصة على لزوم المسافة مع النص. وتأسيسا على التسليم بهذا التعايش بين القراءتين، فإن إعداد "قراءة عاشقة" بقلم "مبدع" لا يعني بأي حال من الأحوال تحولا نقديا جاري التأسيس له أُفُقُهُ تعويض "القراءة النقدية" التي ينجزها "النقاد" لنصوص وأعمال مبدعين "آخرين" ب"القراءة العاشقة" التي ينجزها "المبدعون"، شعراء ومسرحيين وكُتاب، عن نصوص وأعمال "بعضهم البعض".
   
    التكامل هو مبرر وجود "القراءة العاشقة" و"القراءة النقدية" أما خصوصية الاثنين فتكمن في انتصار الأول ل"الفُرَادَة" في النص بينما بينما ينتصر الثاني ل"انصياعية" النص للمنهج النقدي المشَغَّل. لذلك، كانت "القراءة العاشقة" تعتمد أدوات غير جاهزة ومنهجية غير نمطية تتقصد "تَفْرِيدِ" النص والبحث في مبررات "تفرده وتميزه" بينما واظبت "القراءة النقدية" على تبني أدوات نقدية جاهزة ومنهجية نمطية تتقصد "تَصْنِيفِ" العمل قيد التحليل والدراسة.
   
    في هذا الجزء الثالث والأخير من "الحاءات الثلاث: أنطولوجيا القصة المغربية الجديدة"، "أنطولوجيا الحرية"، يتواصل التقليد الذي بدأ مع أول جزء من الأجزاء الثلاثة من الأنطولوجيا، القراءة "العاشقة" المنتمية للنص المقروء على خلاف القراءة "النقدية" التي تلزم مسافة واضحة اتجاه النص المقروء. فإذا كانت القراءة "النقدية" تنجزها نخبة القراء وهم "النقاد"، فإن القراءة "العاشقة" ينجزها "كاتب ثان" يَحُلُّ في جلْد الكاتب الأصلي للنص لاختبار محاولة المصالحة بين الكاتب والقارئ بين الإلقاء والتلقي بين الكتابة والقراءة...
   
   
    II – الحرية في أنطولوجيا الأحرار المغاربة:
   
    تتدرج نصوص "أنطولوجيا الحرية"، الجزء الثالث والأخير من "الحاءات الثلاث: أنطولوجيا القصة المغربية الجديدة"، "تنازليا"، من نصوص التبشير بالحرية كأعلى درجات الأهداف من الحياة كما في نص "ليتسع قرص الشمس!" لزهرة زيراوي ونص "وطن العصافير المحبطة" لمحمد سعيد الريحاني إلى نصوص الحرية كوهم كما في نص "مطر الحديقة" لعز الدين الماعزي ونص "قررت أن تبقى حرا" لخالد أقلعي ونص "ذكرى" لصخر المهيف ونص "الكيميائي" لعبد اللطيف الزكري ونص "الفََم" لمحمد أنقار إلى الهجوم على شعارات الحرية الزائفة كما في نص "عزف على وتر الحاء" لنور الدين عيساوي ونص "أخطبوط العصر" لمالكة عسال ونص "الطائر والقفص" لمليكة صراري إلى الشعور بالإحباط من المكان كعائق أمام تحقيق الحرية وتحققها ونشدان الخلاص بالهجرة والرحيل كما في نص "حلم النوارس" لمحمد بروحو ونص "المرأة التي قررت أن تهاجر" لمصطفى يعلى ونص "اعويشة" لمحمد الشايب ونص "روزانا" لعبد السلام الجباري ونص "اليتيم" لمحمد البوزيدي إلى وقفة التأمل التي تقتضيها كل رحلة حقيقية راكمت إحباطا بعد آخر والتساؤل حول حقيقة العائق أمام الإقلاع الحقيقي نحو فضاءات الحرية الرحبة كما في نص "إمبراطورية العليق" لإدريس اليزامي.
   
   
    -IIIقراءة لنصوص "أنطولوجيا الحرية":
   
    1. زهرة زيراوي،"ليتسع قرص الشمس!":
   
    يبدأ نص "ليتسع قرص الشمس" لزهرة زيراوي بإهداء إلى الطفل الشهيد محمد الدرة ولكنه لا يتوقف عند حدود الإهداء بل يتعداه إلى شرايين النص. فمحمد الدرة، باسمه الفردي أولا، يتردد صداه هنا وهناك:
   
    "على رسلك يا "محمد" إخوتك يصعدون . هاهم يصعدون".
   
    ثم باسمه العائلي:
   
    "رأى المدينة تحت الشمس "درة" تتلألأ"
   
    نص "ليتسع قرص الشمس" هو نص لتخليد شهداء الحرية وللسمو بالشهداء عن هدا العالم. وقد تطلب دلك تشغيل أدوات تتجاوز الحياة القصيرة المدى فتم تشغيل أداتين روحيتين هامتين: أولها استعارة أرقام مقدسة، الرقم خمسة تحديدا؛ وثانيها توسيع مجال الرؤية والتواصل ليشمل اللامحسوس واللامرئي واللامسموع...
   
    وفي سبيل دلك، يتقدم النص من خلال دوران عجلات خمس متواليات رتبت ورقمَتْ بعناية:
   
   الرؤيا التي حلم فيها الأب باستشهاد ابنه.
   تحقق الرؤيا وسقوط الشهيد.
   الاحتفاء بالشهداء.
   تحول الشهيد إلى مثل أعلى، إلى شمس تنير الكون...
   تحول الرؤيا إلى قناعة ومبدأ يتغنى به الأطفال ويحفظونه مند نعومة أظفارهم.
    نص "ليتسع قرص الشمس" نص يحتفي بالحرية وبشهداء الحرية الذين لا يموتون:
   
    "إنه حي ، تراه و يراك ، إنه لم يمت . الأبطال لا يموتون، الأبطال لا يموتون."
   
   
    2. محمد سعيد الريحاني،"وطن العصافير المحبطة":
   
    نص "وطن العصافير المحبطة" لمحمد سعيد الريحاني "شكل" قصصي يحاول مسايرة مركزية التوق للحرية التي تبقى "المضمون" الثابت للنص من خلال ثلاث قفزات سردية على درب النجاح في إرادة الطيران والتحليق في الأعالي: قفزة الاستسلام للأمر الواقع التي يبقى الأب نموذجها، وقفزة التهور التي يبقى الطفل الأخ بطلها، وقفزة إرادة الطيران والحرية التي أجلت لختام النص ككلمة أخيرة ب"خطاب مباشر" Direct Speech يتوحد فيه، ليس فقط خيوط السرد أو شكل النص بمضمونه، بل أيضا المتكلم داخل النص بالقارئ خارجه:
   
    "سأطير، يا أبي، وسأنجح في ذلك".
   
   
    3. عز الدين الماعزي،"مطر الحديقة":
   
    القاص عز الدين الماعزي وصل به الوعي ب"ضرورة المصالحة بين الشكل والمضمون" إلى حد اختيار الكتابة القصصية القصيرة جدا (شذرات قصصية) كأشكال سردية واعتماد شخوص صغيرة جدا (أطفال) لنصوصه السردية كأبطال وتناول مضامين صغيرة جدا كقضايا إنسانية.... فالصغر، عند عز الدين الماعزي، وسيلة وغاية، متعة وفائدة:
   
    "قلم الحبر الجاف الأزرق وقلم الرصاص فوق المنضدة والمسطرة والكرز... الدفتر دو الغلاف الأصفر المخطط بالأوراق البيضاء والطفلة النبيلة الصغيرة تشحذ فكرها وأعصابها في الاستماع لصوت المعلمة فوق الكرسي الجلدي... حصة التربية الفنية السنة الثالثة أساسي سنتعلم كيف نرسم السحب، تساقط الأمطار، تكون البرك ومستنقعات الماء مع الترميد بقلم الرصاص والملونات..."
   
   
   
    4. خالد أقلعي،"قررت أن تبقى حرا":
   
    نص "قررت أن تكون حرا" لخالد أقلعي يتمركز حول مفهوم الحرية. وفي قالب ساخر يعكس "السخرية" من المفاهيم المتطرفة للحرية، يقترح النص، كخطوات أولى نحو الحرية، "التحرر من المهنة" و"التحرر من العائلة" و"التحرر من العنوان" و"التحرر من الرفقة الكسولة" و"التحرر من الدين"... لكن هدا التطرف لن يؤدي، في نهاية المطاف ونهاية النص، إلا إلى العزلة التامة والفراغ القاتل ليتنفس النص حريته الحقيقية في اعتداله الحقيقي ويعلن عودته إلى نفسه وبساطته وبراءته وحريته:
   
    "العبودية الحقيقة هي ألاّ تكون ذاتك، في اللحظة التي يستحيل عليك أن تكون غيرك، أن تكفر باختيار كرّست له حياتك فتنسلخ عن جلدك وتكفر بأهلك وعشّك و يقينك. لقد كنت دائما حرّا،حتّى ولو لم يكن لك يد في اختيار حياتك، يكفي أنّك اخترت أن تواصل الحياة «أولم أكن حرّا عندما اخترت مواصلة حياتي على هذا النّحو ؟» ويركبك الحنين، مرّة أخرى، إلى مقرّ عملك بالقبو الحميم إيّاه،تذكر بوضوح كيف كنت تتمايل مع أمواج الإذاعة ،منهمكا في نسخ القضايا، ،مسحورا بصوت عبد الصّادق شقارة الشجيّ الذي يعبث زجله الرّقراق بجوانحك «آحّاح... وآحيّانا ،على قلبي و ما فيه...إلى نعيد لك شنّو فيه ، الحجر الصمّ نبكّيه..» و يسري إيقاع الأغنية في وجدانك فتحثّ الخطى إلى عشّك المضيء الرّحب ،على ضيقه، ببسمة دبّتك الحبيبة وأطفالك المرحين الأشقياء، وعالم حارتك المشرّع على كلّ مظاهر البساطة والبهجة والعفوية و القبول والانطلاق «سوف أبحث عن دكّان صغير ،هناك، أبيع فيه وأشتري» لا عليك في أنّك جرّبت أن تكون عبدا للفراغ، ما دمت قرّرت أن تعود إلى نفسك، إلى مواصلة حياتك التي لا تتقن غيرها.إلى نسف عبودية الهباء في أعماقك.ما دمت قرّرت،بمحض إرادتك،أن تواصل الحياة،مادمت قرّرت بمحض إرادتك أن تبقى حرّا !"
   
   
    5. صخر المهيف،"ذكرى":
   
    ذهب الاجتهاد في "مصالحة الشكل والمضمون"بصخر المهيف في نصه "ذكرى" إلى التركيز على الإيقاع وعلى الجو العام للنص وعلى التلوينات الرمزية للأسماء سعيا للوحدة الفنية العليا، وحدة الشكل والمضمون.
   
    فعلى مستوى الإيقاع، كان الحرص كبيرا على نقل "نبضات القلب الخائف" من العودة للسجن بدلالتيه، السجن السياسي والسجن العاطفي، من خلال "الإيقاع عبر التناقض"، عبر عرض الشيء متبوعا بنقيضه، أو البدء بالشيء للانتقال إلى عكسه: من الحاضر إلى الماضي، من الحوار إلى الفلاش باك...
   
    وعلى مستوى الجو العام للنص، فقد كان الشخصية الرئيسية في النص. فقد كان الجو العام هو المؤثر في شخوص النص كما كان الموجه للحكاية كذلك...
   
    أما جديد النص فكان حسن استثمار دلالة التسمية. لقد كان اسم الأنثى الزائرة هو الاسم الوحيد الوارد في النص ولكنه كان اسما عضويا يلتحف النص ويتحرك به. فقد كان "أنوار" اسما للحبيبة وساعة كونية تضبط الليل والنهار وعلامة من علامات التحول النصي. ففي البداية، كان المساء مشمسا ومنيرا:
   
    "تأمل شعاع الشمس القادم من الأفق الغربي وهو يتسلل من زجاج النافذة، سرى دفء وحرك أوصاله الجامدة ... شخصت أمامه، همست برقة:
   
    - ألا تسمح لي بالدخول؟"
   
   
    ثم كان تقديم الاسم، "أنوار":
   
    "طلعت "أنوار" في مساء مشمس، خلعت معطفها الأسود ثم استلقت على أريكة جلدية في لون المعطف الأنيق، حسبت نفسها تتأمل أفقا مسدودا..."
   
   
    لكن الآن لم يعد من اسمها، "أنوار"، غير الاسم:
   
    "الأنوار" في آخر المطاف أرسلت خيوطا من الأمل قد تعكس إرادة واهية على إتمام لعبة مكشوفة منذ البداية، أما هي فأطبقت برأسها ترنو إلى الأرض، سال دمع ساخن على خدها المتورد...
   
   
    وعند نهاية النص، لم تعد لا هي "أنوار" ولا بقيت في الدنيا "أنوار":
   
    "دلفت نحو الباب الموصد... كان يمشي خلفها متعجلا...وضعت أول رجل في الخارج ثم توقفت برهة كأنها تستعد لأن تتلقى منه جوابا شافيا عن سؤال لم تطرحه عليه أصلا، عيناها استدارتا وهما تفتشان عن مفقود عزيز أو كبرياء مجروح في ظل سكينة زائفة، تناغم وقع أقدامها فوق أدراج العمارة، أدار المفتاح، ارتعشت يداه، ثم انطفأت الأنوار ... كل الأنوار."
   
   
    6. عبد اللطيف الزكري،"الكيميائي":
   
    نص "الكيميائي" لعبد اللطيف الزكري هو بحث عن معنى للحياة، عن الحرية التي تبقى المعنى الأسمى للحياة. إنه بحث بدأ رحلة الألف ميل نحو الحرية عن طريق الكتابة والتخييل:
   
    "الكتابة هي مبرر وجودي. إني أحيا مع الفرح بحريتي. حريتي الناتجة عن كتابتي. وكتابتي كيمياء الخيال."
   
   
    لينتقل بعد دلك لطلب تلمسها على ارض الواقع محسوسة وملموسة:
   
    "أنا تائه في دروب متشابكة أبحث عن حريتي.
   
    حريتي.
   
    حريتي بحثي عني. أنا أبحث عني !
   
    ينبغي أن أسافر في روحي ! بين أشجار مظلمة في متاهات الحياة.
   
    ينبغي أن أسافر في اليقظة والنوم، في الماء والتراب، نحو ذاتي النائية.
   
    ينبغي أن أسافر، أن أتوه تحت أقواس الذكريات والتجارب الجديدة في سماوات مقوسة، في شجن دفين، في ظلي القريب من وادي الطيور، ومن منطق الطيور!
   
    ذاهب أتفيأ المعنى بين الحياة ومخالب الموت، أصطاد الوحوش المفترسة ! أصل ذاتي بالبحار البعيدة، ألبس المعنى في ينابيعي الثرة، منسابا كالضوء أشتعل بشرارة الدهشة، كأني كيميائي أكتشف أسرارا غميسة"...
   
   
    ولأن الحرية لا زالت هدفا مرسوما في البال ولا زالت تنتظر التحقق على الأرض، فقد بقي النص تطورا ذهنيا لأفكار مجردة تعبر عن نفسها في نص قصصي تجريبي.
   
   
    7. محمد أنقار،"الفم":
   
    يتمركز نص "الفم" لمحمد أنقار حول رجل اختاره النَّبْذُ بسبب عاهته الجسدية وأبعده إلى الأماكن الهامشية بعيدا عن المركز والأضواء والأقارب إما في الظلام أو في الأماكن غير المأهولة... وهو مسرود بضمير المخاطب الذي قد يدل على كونه حوارا مع الذات في لحظة خلوة لكن عدم تسامح الصوت السارد وسلطوية خطابه تجعل منه، على الأرجح، صوت المجتمع القوي الذي يخترق كل الذوات ويتكلم بألسنها ويفكر بفكرها ويفرض بكل عنف سلطته وإرادته.
   
   
    نص "الفم" نص "حائي" بامتياز يعرض الحلقات الثلاث ل"الحاءات الثلاث" مرتبة منظمة قبل أن يهدمها أرضا ويدكها لعدم صلابة الحاء الأساس، "حاء الحرية". فمن "الفم" كمخرج لحرف "حاء الحرية":
   
    "تريد أن تشتري جريدة، وجدت موضعها في المكتبة فارغا: ربما تكون قد نفذت، تحاول أن تسأل، و لكنك تتذكر فمك فتلوي."
   
   
    إلى "الفم" كمخرج لحرف "حاء الحلم":
   
    "وأفقت و يدك تضغط على شفتك المقروحة. سخرت من حلمك، و تذكرت بمرارة أن خجلك المكين سيضمن لك ذلك الزهد الأبدي. فكن مطمئنا بأنك لن تقبّل أية شفة"...
   
   
    إلى "الفم" كمخرج لحرف "حاء الحب":
   
    "تذكرت كيف كان أفلوطين يقدس الشفاه، لأن الروح الطاهرة تخرج من بينهما. هكذا كان يقول. ثم تذكرت أملك البرجوازي، بل حلمك الغريب في أن تسرق يوما أجمل فتاة تمر في الشارع الرئيس، تفر بها بعيدا، تضعها بحنان في عـش من القش الأبيض، ثم تـحاول، مع أنفاس المساء، أن تقبلها بصمت.. بـرفق.. بتوقد شعوري عظيم."
   
   
    يختتم النص باستسلام الشخصية المحورية وقبولها بوضعها كمنبوذ محروم من اقتحام الحلقات الثلاث جميعها مادام يستصعب الحلقة الأولى: فلا حب ولا حلم دون حرية أولى حلقات "الحاءات الثلاث" وأهمها.
   
   
    8. نور الدين عيساوي،"عزف على وتر الحاء":
   
    "تعافيت. لكن ضعفا لازال يستبد بي من مرض ألمَّ بي في رأسي"، بهده العبارة يفتتح نور الدين عيساوي نصه "عزف على وتر الحاء". إنه صداع تسلطي لم يعرف أصوله إلا مع سفرية في حلم عابر وقف على بساطه أمام "تمثال الحرية" الذي كشف أخيرا القناع عن وجهه الحقيقي وأعلن الحرية ملكية حصرية للغرب دون غيرهم من شعوب الأرض:
   
    - أنتم العالمثالثيون، شتان بينكم وبين الغرب!
   
    ثم:
   
    - تكفيكم ( يقصد: تْلاهَوْا) الحرب، و الحرث( حرث النساء طبعا)، والتحكم في رقاب الرعايا، والحْكَامْ ، والحريم و الحوريات، والحياء ( أي، قِلَّتُهُ)... يكفيكم هذا. لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم...
   
    وعند يقظته، سارع لتجريب صدقية حلمه:
   
    "أخذت جهاز التحكم عن بعد وركبت أرقاما: وجدت في القناة الأولى أخبار الحرب، وفي الثانية مسلسل حب هجين لا ينتهي، و في الثالثة قلة حياء وفي القناة الألف حوارا حول الحكم والحكمية والتحكيم... و في رأسي شيء من الصدااااع."
   
   
    نص "عزف على وتر الحاء" هو نص عن "صداع" وتوق لحرية ليست متاحة للعامة من شعوب الأرض؛ وهو أيضا نص عن "حُمى" وتوق للمساواة في الحقوق بين الشعوب. ولأنه كذلك، فقد تحقق فنيا من خلال تشغيل الحلم والصور المتقطعة التي توافق هستيرية السارد الحالم بالحرية الناقصة.
   
   
    9. مالكة عسال،"أخطبوط العصر":
   
    نص "أخطبوط العصر" لمالكة عسال نص حالم يبدأ كابوسا وينتهي حلما سعيدا باندحار مصدر الرعب والهلع عند نهاية الحلم. وهو مجزأ إلى ثلاث حلقات متفاوتة.
   
    الحلقة الأولى هي متوالية اختيار مؤخرة العربة للظفر بلحظة نوم. و"مؤخرة العربة"، في لاشعور الركاب، هي دائما الملاذ الغامض للغاضبين من دردشات القطار والساعين للنوم والراغبين في التدخين...
   
    الحلقة الثانية هي كبرى الحلقات الثلاث وتتمركز حول الكابوس في ظهوره وهياجه وتهديده ووعيده.
   
    الحلقة الثالثة هي متوالية اليقظة والوصول إلى المحطة- الوعي:
   
    "أخيرا يهوي في حفرة عميقة... يهتز الكل فرحا ..يتعالى الصياح تتوالى التصفيقات... تتنامى الهتافات... على صفير القطار في المحطة استيقظت والابتسامة تعلو محياي."...
   
    "الوعي بالمصالحة بين الشكل والمضمون" في هدا النص بلغ درجة من الفنية تتطابق فيها "الحلقات الثلاث" للنص ب"حلقات السلاسل الحديدية" وانتصارا لروح الحرية، فقد كان ضروريا انكسار حلقات السلاسل جميعها، السردية والحديدية، لتبدو وقد تفككت عند نهاية النص بجمل قصيرة ونقط الحذف مما يرسم في دهن القارئ انكسار السلسلة وانتصار الحرية.
   
   
    10. مليكة صراري،"الطائر والقفص":
   
    يسير نص "القفص" لمليكة صراري في ثلاثة خيوط متوازية: خط الطفل الذي يطلب من أمه شراء قفص بمناسبة نجاحه؛ وخط الأم التي تريد سكنا لها ولعائلتها وخيط السجن الذي خبره الأب. وتتقدم الخيوط الثلاثة، خيط القفص وخيط السكن وخيط السجن، سرديا في خطوط متوازية لكنها أحيانا تلتقي وأحيانا كثيرة تندمج مولدة جمالية فريدة. فتارة القفص قفص خالص:
   
    "وقفت أمام بائع الأقفاص استجابة لهواية طفلي المرتبطة باعتقال الطيور وقد كنت وعدته، بعد حصوله على معدل جيد، بإهدائه عصفورا في قفص دون أن أدري لماذا ارتأيت أن أبدأ أولا بشراء القفص."
   
    وتارة القفص سكن اقتصادي:
   
    "قبل أن أستلم القفص، وللتأكد من سلامة قضبانه، اقترحت علي إحدى الواقفات خلفي أن نقتسمه بفاصل أفقي حتى يصبح أقرب إلى عمارة من قفصين تسكن كل منا طابقا معينا بعد إجراء القرعة ونلتزم معا ألا ترفع إحدانا رأسها لضيق المجال."
   
    وتارة القفص سجن لبني البشر:
   
    "اتفقت أنا وشريكتي على الالتزام ببناء الفاصل لكن زوجي الرافض أصلا لفكرة القفص اعترض على قفص مشترك وطلب مني أن احتفظ بالملكية الخاصة للقفص ولم يكن يرغب في أن يمتلك القفص معي لأنه مصاب بحساسية الأقفاص. فقد قضى في السجن عامين وخبر الأقفاص اللعينة التي ترفض الشمس أن تطأها. لذلك، تنازل لي عن نصيبه في القفص وقد كنت متحمسة لإسناد ملكيته لطفلي غير أنني خشيت أن يستقل عني ويسكنه بمعية ابنة الجيران التي كانت مقيمة في القفص المقابل لشقتي. لذلك قررت أخيرا أن أعتذر لشريكتي استجابة لرغبة زوجي في أن يكون القفص في ملكيتي دون شراكة أحد."
   
    والانطباع المُوَلَّدُ من هدا "الميكساج" الثلاثي هو استهداف الحرية عند كل الكائنات الحية بشرا وطيورا، ولدى كل الفئات العمرية صغارا وكبارا، من الجنسين ذكورا وإناثا، وفي كل مرافق الحياة... وهو استهداف ساعد على تبني قيم المكر والخديعة للتحرر والسعي للخلاص من الأقفاص:
   
    "مدّ البائع عصا حديدية طويلة ملتوية العنق داخل القفص، محاولا أن يقتنص الطائر غير أنه وجد صعوبة في ذلك ،حيث كان الطائر خبيرا بأساليب المراوغة التي هزمت البائع، فتوقف ليأخذ نفَسَه ويعيد الكَرّة دون جدوى مما اضطره إلى إخضاع الطيور لعملية تمشيط دقيقة، وفيما كان أحد معتقلي الرأي من الطيور سابقا يحيّي البائع هجمت الطيور الأسيرة على الباب وحلقت بعيدا."
   
   
    11. محمد بروحو،"حلم النوارس":
   
    نص "حلم النوارس" لمحمد بروحو نص ينتصر للحرية من خلال توظيف صراع الأجيال واستثمار صورة الزمن الراكد في بلد مسقط الرأس لإشعال روح التوق للحرية في وجدان الشاب المتحمس للرحيل في النص وكسب قلب القارئ ووده. وفي سبيل دلك، وقع الاختيار على شخصيتين متعارضتين وغير تقليديتين لتوليد الصراع داخل النص.
   
    فعكس المتداول في صراع الأجيال حيث يقف الأب في مواجهة الابن للفصل في مواقف حادة يصعب على الأقارب التحيز فيها لأحدهما ضد الآخر، تم في نص "حلم النوارس" اختيار صراع سهل بين جد وحفيد لضمان تغليب إرادة الثاني على حجج الأول ولدعم تسهيل مرور قرار الرحيل دون مشقة وفوق كل دلك "الانتصار للحرية":
   
    "سأعيش هناك حرا طليقا كنورسة حرة. أطير من شاطئ لآخر ، أعبر المروج كظل الياسمين" .
   
   
    12. مصطفى يعلى،"المرأة التي قررت أن تهاجر":
   
    يبدأ نص "المرأة التي قررت أن تهاجر" بالصراع الداخلي الذي يسبق عادة كل القرارات الحرة عند كل الناس بما في دلك المرأة المرشحة للهجرة السرية في النص: دواع الهجرة وجدواها واختمالات نجاحها وفشلها... لقد ولد لديها قرار الهجرة انقساما داخليا وهو ما ترجم على المستوى الشكلي بالسرد من خلال ضميرين متوازيين أحيانا ومتقاطعين أحيانا أخرى: ضمير المتكلم وضمير المخاطب.
   
   
    فبينما كان ضمير المخاطب يشكك في قرار خيار الهجرة:
   
    "والآن، هلا أعجبك أن تكوني ههنا، امرأة وحيدة، بين رهط من غرباء بلدك وبلاد سوداء، لا تفقهين من لغاتهم شيئا، ولا تتوسمين فيهم شيئا؟ "
   
   
    كان ضمير المتكلم يدافع عن القرار:
   
    "كنت هناك امرأة بلا أقراط طويلة تتدلى على جيدها، ليس لها قفاطين شهرزاد حريرية تبرز مفاتنها، ولا أحلام دنيوية وأخروية تعزيها. كنت هناك امرأة ميؤوسا منها، حبة رمل في صحراء قاحلة،لا يهتم لحضورها وغيابها أحد، سيان إن عاشت أو ماتت."
   
    وفي ذروة الصراع، كان الصوتان يختلطان فلا يبقى بينهما برزخ:
   
    "عاهدت نفسك ألا ترجعي إلا ووراءك قوافل الشتاء والصيف، فتستقبلين استقبال كبار التجار المعتبرين. غير أن شيئا واحدا كان مستعصيا عليك انتزاعه، إنه عناد ذاكرتك، التي تنغل الآن في شرايينك كالنمل القارض.. بل وقف علي في المنام شيخ مهيب وقفة ميمونة، أعادت للقلب فرحته. إنني اذكر جيدا، لقد كان شيخا أبيض، ذا وجه سموح بشوش، ولحية طويلة بيضاء، وجلباب أبيض ناصع البياض. حملني في كفيه برعاية، وراودني باسمي"...
   
   
    ثم يذوب الصراع الداخلي مع بداية الاستعداد للإبحار وتسليم أمرها "لله" حيث يبدأ السرد ب"ضمير الغائب" الذي يرى كل شيء ويعرف كل شيء :
   
    وكانت حين جرت جسمها المكدود نحو القارب المطاطي، وهي تشد على الصرة الكبيرة فوق رأسها بحرص شديد، قد تفاجأت به يثب منقضا عليها من الخلف. أحست بكماشتين مفلطحتين سميكتين تشدانها من تحت إبطيها، تضغطان على كرتي اللحم المتهدلتين في صدرها، تحملان كالرافعة جسمها الصغير الممصوص، تضعانه على متن القارب المتمايل، مثل تابوت طفل واقف معد للترحيل.
   
   
    مع ضمير الغائب، يتحرك الحوار بين الشخوص ويتحرك الوصف ويتحرر:
   
    "ثم نبحت عليه:
   
    - الله يلعن والديك يا ذاك الزبل. فلولا هذه الصرة، لفقأت عينيك بأظافري، أيها الخنزير."
   
   
    لكن الصراع الداخلي كان يعود بين الفينة والأخرى. ثارة، بضمير المخاطب المشكك في الاختيارات؛ وثارة أخرى، بضمير المتكلم المدافع عن القرار؛ ثم بالعودة مرة أخرى ل"ضمير الغائب" كلما سلمت أمرها "لله" وأوقفت صراعها الداخلي. ويتكرر هذا الإيقاع حتى ختام النص: صراع داخلي بصوتين متمايزين أحدهما ضمير المتكلم وثانيهما ضمير المخاطب، وبعد كل مرة يفتر فيها الصراع الداخلي ويبدأ الاستسلام للأمر الواقع ينطلق السرد بضمير الغائب من جديد.
   
    وفي ختام النص، تحت وقع الاعتداء والعنف الذي تعرضت له الشخصية المحورية في النص على متن القارب، "توحدت الضمائر" وغاب الصراع الداخلي وصار صوت المظلومة قوة كونية عظيمة وصار دعاؤها مستجابا فصرخت صرختها بخراب الظالمين فكان لها ما دعت به:
   
    "أيها البحر العظيم، عجل بغضبك، فزلزل زلزالك، وأخرج أثقالك، وفاجئ الأوغاد بعاصفة غير متصورة ولا متوقعة، مبرقة مرعدة ممطرة صاعقة لاطمة محرقة، مهلكة مغرقة، ترتعد لها الفرائص بردا وفزعا، وتتسارع دقات القلوب هلعا، وتتعالى الأصوات المستنجدة رعبا.. لا تأخذك فيهم أي شفقة، اجعل أنيابك تتعالى في مهبك ولا ترحم أحدا، بل تتراقص كالأفاعي رقصة وحشية مصرة، ترج الزورق بما فيه رجا، ترفعه، تخفضه، تحركه حركات دائرية حلزونية، ثم انفلق وابتلعته. وابحراه، هيا استجب لهذه الحرمة المستجيرة برهبتك، المستمسكة بلججك، فأنت أنت القادر بقدرة من خلقك على القادرين، ومهلك العمالقة والمتجبرين، آمين.
   
   (...)
   
    لم يشعر أحد من ركاب الزورق، أن تموجات البحر قد شرعت تتضاعف، وأن تمايل الزورق قد تضاعف هو الآخر."
   
   
    13. محمد الشايب،"اعويشة":
   
    نص "اعويشة" لمحمد الشايب يتمحور حول الإرادات الصغيرة التي لا توقفها لا البحار ولا العوائق الطبقية ولا هجوم النمامين الدين لم ينتبهوا لعبقرية الفتاة التي وعت دونهم بقيمة الحرية في النضج والترقي:
   
    "ذهبت، ثم آبت، وشتان بين الذهاب والإياب. ذهبت مختفية داخل تجاويف ليل بهيم، وعادت في واضحة نهار، شمسه ساطعة. ذهبت في جلباب كخيمة متحركة، وعادت في لباس ضيق، يعرض بسخاء مفاتن الجسد. ذهبت بوجه لا يعرض إلا سمرته، وشفتين لا تلبسان غير لونهما، وعادت معرضا من الألوان، أو قل دمية بشعة مليئة بالمساحيق. ذهبت بعينين مفتوحتين في وجه الشمس والرياح، وعادت بهما خلف نظارتين سوداوين. ذهبت بشعر طويل أسود، وعادت به قصير أشقر. خرجت من الحي يومئذ ماشية على قدمين مرتعشتين، ورجعت اليوم تقود سيارة فاخرة."
   
   
    ثم بالحلم:
   
    "تلك الضفة – عندها – هي الحلم، هي الملاذ، وهي البستان الفائح بنسائم كل النعم والحريات ! فإما أن تصل، وتنعم بلذة الوصول، وإما أن تسقط بين أنياب العباب، فتقدم نفسها طعاما لذيذا للسمك الأبيض الذي تعود على هذا النوع من الطعام. هكذا كانت تحدث نفسها"
   
   
    وبعد دلك، بدا الخطاب يطرقون باب الحب على قلبها:
   
    "أخذت تظهر كل يوم بلباس جديد، بل إن طريقة كلامها أيضا تغيرت، وتغيرت حتى مشيتها، كل شيء تغير فيها، وظهرت النعمة واضحة عليها، وعلى أبويها، وأخذ الخطاب يتوافدون طالبين يدها"
   
   
    نص "اعويشة" يعتمد في عرضيه، المضموني والشكلي، على تقنية "القلب". فبينما تمحورت الحكاية حول "قلب" طموحات الأسماء الصغيرة إلى إرادات كبيرة، اشتغل الشكل على تجسيد "القلب" فنيا. فقد بدأ النص "مقلوبا" سرديا إذ بدأ من الحاضر، عودة "اعويشة" من أرض المهجر، ثم عاد إلى الماضي بالفلاش باك لاسترجاع شكل وصولها إلى الضفة الأخرى والطموحات الأخرى.
   
   
    14. عبد السلام الجباري ،"روزانا":
   
    نص "روزانا" لعبد السلام الجباري نص عن فتاة في عهد ما بعد جلاء الاستعمار عن الوطن: "إنها تبحث عن معيش بأسلوبها الخاص. إن جسدها هو الورقة الأخيرة التي يمكن أن تلعب بها عند الحاجة".
   
    كان بإمكان نص "روزانا" التحقق سرديا من خلال ثلاثة طرائق: ضمير المتكلم أو ضمير المخاطب أو ضمير الغائب. فبينما كان السرد بضمير المتكلم سيضيف لمسة حميمية على النص ويحوله إلى اعترافات أو اختيارات؛ والسرد بضمير المخاطب سيلاقي السارد بالشخصية المحورية في النص ويشعل نزالا وعظيا أو قانونيا؛ تم اختيار سرد النص بضمير الغائب الذي لا يخفى عليه شيء والذي يتعالى على إدراك الجميع وعلى رؤى الجميع وعلى قيم الجميع:
   
    "إن الجسد هو الذي يحكي الآن. لا داعي للتكفير والتفكير. إنه زمن يشبه كل الأزمنة التي تتعرض فيها النساء للاغتصاب... مرة باسم لقمة العيش، ومرة باسم الاستعلاء والكبرياء الذين يمزقان نفسية المرأة"...
   
    إن اختيار سرد النص بضمير الغائب، بالرغم من قدم هده التقنية السردية، قد أدى دورا وظيفيا هاما للنص: اندحار الفرد وضياع حريته حتى في الحق في المشاركة في الحكاية عن حياته الحميمية.
   
   
    15. محمد البوزيدي،"اليتيم":
   
    نص "اليتيم" لمحمد البوزيدي يدور في بيت يهرب منه الجميع. إنه نص حول كرونولوجيا الهروب العائلي من بيت العار الذي جرته عليها البنت. في البداية، فر الأب ثم تبعته الأم ليلتحق بالفارين في الختام الطفل الذي يُقَدَّمُ في النص ك"يتيم"، وهو "يُتْمٌ" اختياري يعادل "نشدان الحرية والحياة الكريمة" عند نهاية النص:
   
    "بعد ربع ساعة تدخل أخته...يتأمل جسدها ...عيونها منتفخة من السهر ...رائحة الخمر مازالت تنبعث من فمها...
   
    حيته بتثاقل واضعة أمامه قفة آمرة إياه بتناول شيء ...
   
    حين فتح السلة التي احتوت أوراقا مالية كذلك، وجد ألوانا من المأكولات : موز، تفاح، لحم، خبز، وبقايا حلوى لم يعرف اسمها.
   
    بدأ في التهام كل ما وجد أمامه ...لكنه توقف بعد حين، فرغم الشهية الممتعة التي قد يحلم بها أي شخص آخر يجد تلك المأكولات أمامه ، فقد كان المذاق في فمه مرا وهو يتذكر أن المقابل هو عرق أرداف أخته...
   
    في لحظة انتبهت للأمر ...حاولت السؤال عن السبب لكن قسمات وجهه تدل على كل شيء ...أدركت السبب فصمتت متذرعة برغبتها في النوم الذي لم تنعم به منذ زوال أمس .
   
    أرجع جزءا مما مضغه من فمه وأتبعه بقيء ...وصراخ على أبيه وأمه المفقودين...
   
    في لحظة حرج أمام أخته التقت العينان ، أخذ محفظته وخرج لقد حان وقت الذهاب للمدرسة. لكنه عازم على عدم الرجوع ثانية إلى ذلك البيت..."
   
   
    16. إدريس اليزامي،"إمبراطورية العليق":
   
    نص "إمبراطورية العليق" لإدريس اليزامي يدور حول كارثة انتشار "العليق" في البلد وإحالته جميع المنتجين إلى مجرد عاطلين، وجميع المزارعين إلى محض حكواتيين. ف"العليق" كآفة أربك الجميع بمن فيهم كاتب النص الذي لم يستطع تفسيرها وتعليلها فَ"جَرَّ" إلى متواليات النص فلاحا وَوَرّطه في الحكي:
   
    "اسمحوا لي بتقديم نفسي إليكم:
   
    أنا فلاح، لا علاقة لي بهذه الصنعة... لكن الكاتب أقحم شخصي لرواية هذه القصة. فاقبلوا عذري، وإن كنت في الحقيقة، وغيري من أهل القرية، لا نتقن إلا الحكي، في زمن البطالة، عن كل ما نراه أو سمعناه.. نلوك ونجتر. فما أمتعكم فخذوه وما أفسد عليكم صفوكم وضيع وقتكم فاطرحوه، وليتحمل الكاتب وزره."
   
    رمزية "العليق" تكمن في كونه نبتة غير مرغوب فيها تنمو في غير محلها ولغير الأهداف المرجوة. ولعل الوعي بهده الرمزية دفع الكاتب ل"جَرّ" فلاح لأداء دور هو غير دوره في عالم يُقحم فيه الفاعلون إقحاما وتُفرضُ فيه الأدوار فرضا وتغيب الحرية غيابا مطلقا:
   
    "أرجو أن تكون قد وعيت ما رويته لك وإلا فاسأل الكاتب."
   
   
    تركيب:
   
    تُواصل نصوص "أنطولوجيا الحرية" ، الجزء الثالث من "الحاءات الثلاث" (مختارات من القصة المغربية الجديدة)، ترسيخ إرادة "توحد المضمون القصصي بشكله الفني" التي انطلقت مع "أنطولوجيا الحلم" ، الجزء الأول 2006 و"أنطولوجيا الحرية" ، الجزء الثاني 2007، من "الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الجديدة". وهي، للتذكير، إرادة لتجاوز شكلين مُعيقَيْن للإقلاع القصصي الغدوي: الشكل الأول هو "الشكل النمطي" الثابت غير القابل للتحول والتأقلم مع المضامين المتجددة في الكتابة القصصية الذي يستمد فلسفته النمطية من الثقافة النمطية التي تنتج الخطابات الإيديولوجية النمطية حيثما وجد اللغط؛ أما الشكل الثاني من أشكال عوائق إقلاع القصة الغدوية فيبقى هو "الشكل الفُصَامِي" الذي لا تربطه علاقة بمضمونه بحيث يعبر النص بطرائق سردية ما بعد حداثية عن مضامين ضاربة في التخلف والعتاقة كمدح الحكام واحتقار المرأة والسخرية من البسطاء وتغييب الجرأة والمواقف الشجاعة عن مضامين النصوص ...
   
    ولأن أجنحة الحرية لا يمكنها التحليق بسرعتين مختلفتين كما هو الحال لدى الفصاميين، ولا يمكنها الاستمرار في الوجود بوتيرة نمطية كما هو الحال لدى المأجورين؛ فسيبقى "توحيد سرعة الشكل والمضمون" مطلبا أدبيا يستحق النضال من أجله على خلفية النضال من أجل "مطابقة القول للفعل" و"مطابقة التنظير للممارسة". لكن دلك سيقتضي تغيرا دائما للمضامين والأشكال القصصية الغدوية في سعيها ل"التوحد" و"المصالحة" و"التحرر"...
   
   
   



 

      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار






لا توجد تعليقات سابقة

 
مع تحياتي الباحث المغربي محمد سعيد الريحاني
هذا الموقع هو اهداء بسيط من الركن الأخضر الى كاتبنا المتميز