هل تنجح خارطة الطريق..؟!!

أ.د. محمد اسحق الريفي               Saturday 08-12 -2007

تأمل الحكومة الصهيونية والإدارة الأمريكية أن يكون اجتماع أنابوليس قد وفر غطاء سياسياً لاجتياز المحطة الفلسطينية من خريطة الطريق الأمريكية بمساعدة سلطة أوسلو، إلا أن واقع المشهد السياسي الفلسطيني يؤكد استحالة ذلك، خاصة في ظل السياسة الصهيونية والأمريكية المتعنتة تجاه القضية الفلسطينية، مما يؤكد فشل خريطة الطريق في الوصول إلى المحطات الأخرى.

ولا شك أن قناعة تشكلت لدى الإدارة الأمريكية بأن القضية الفلسطينية هي أهم المحطات التي تمر بها خريطة الطريق للوصول إلى غايتها، وهي إعادة صياغة الشرق الأوسط ثقافياً وسياسياً وجغرافياً، فقد أدركت الإدارة الأمريكية استحالة إحراز أي تقدم على المسارات الأخرى لخريطة الطريق دون تسوية القضية الفلسطينية لحساب أجندتها في المنقطة.

فالولايات المتحدة لا تزال عاجزة عن تحقيق النصر في العراق وأفغانستان. وفي ضوء تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية حول البرنامج النووي الإيراني، يبدو أن الإدارة الأمريكية قد تخلت – في الوقت الراهن على الأقل – عن فكرة مواجهة إيران عسكرياً، الأمر الذي يؤكد فشل الولايات المتحدة في تحقيق أي نجاح على مسار ضمان التفوق العسكري الصهيوني في المنطقة، إضافة إلى هزيمة الجيش الصهيوني في جنوب لبنان وقطاع غزة.

ويعني ذلك فشل الولايات المتحدة في الوصول إلى إحدى المحطات الهامة لخريطة الطريق، وهي توظيف غزوه للعراق في إخضاع النظام الرسمي العربي والإسلامي لبرامج الإصلاح التي ترعاها الولايات المتحدة، والتي تهدف أساساً إلى محاربة الإسلام السياسي، وترويض الشعوب العربية والإسلامية، ودمج الكيان الصهيوني في المنطقة، وتطبيع علاقاته مع العالم العربي والإسلامي.

ومنذ صدور تقرير بيكر – هاملتون قبل نحو سنة، تحاول الإدارة الأمريكية تقديم وعود سرابية للطرف الفلسطيني المشارك في عملية التسوية، لإجباره على تنفيذ المهام الأمنية للمرحلة الأولى من خريطة الطريق، والتي تهدف إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية. وفي مراحل متقدمة تطلب الولايات المتحدة من الدول العربية الموالية لها التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني.

ولكن يبدو واضحاً أن ذلك أمر مستحيل، فعناصر اللعبة السياسية التي يتحكم بها الاحتلال الصهيوني، والتي يعول عليها في تنفيذ خريطة الطريق وتقويض حركة حماس والقضاء على المقاومة الفلسطينية، هي عناصر ضعيفة ومتناقضة.

ويتمثل العنصر الأول في توظيف سلطة أوسلو في تعميق الانقسام الفلسطيني، وقد وصل منحنى هذا الانقسام إلى ذروته وبدأ في الهبوط مسرعاً. وستزداد سرعة هبوط هذا المنحنى إلى أسفل كلما ازداد تساوق عبَّاس وفريقه مع المخطط الصهيوني في محاربة المقاومة وقمع الشعب وتجويعه، خاصة بعد أن تبين في أنابوليس الدور الحقيقي الذي يضطلع به عبَّاس وفريقه في تصفية القضية الفلسطينية.

أما العنصر الثاني، فهو يتمثل في الزج بالشعب الفلسطيني في أتون حرب أهلية، وقد تلاشت آمال الصهاينة والأمريكيين بالنجاح في ذلك منذ نجاح حركة حماس في بسط الأمن في قطاع غزة والقضاء على الفلتان إلى حد كبير.

كما أثبتت الأجهزة الأمنية التابعة لعبَّاس فشلها الذريع في القدرة على محاربة المقاومة في الضفة الغربية المحتلة، رغم ما تقوم به هذه الأجهزة من اعتقال لمؤيدي حركة حماس وملاحقة مجاهديها وقمع متواصل للمواطنين.

والاحتلال الصهيوني يعلم تماماً أن تلك الأجهزة الأمنية لن تستطيع بسط سيطرتها على غزة مهما كان حجم الدعم العسكري والسياسي الأمريكي والصهيوني الذي تناله، كما يدرك الاحتلال مدى صعوبة قيام تلك الأجهزة بإخضاع حركة حماس في الضفة المحتلة لسيطرتها أو نزع سلاح الأجنحة العسكرية للفصائل المقاومة.

ويتمثل العنصر الثالث في اجتياح صهيوني واسع لغزة، لتقويض حماس وإنهاك مقاومتها، ولتمكين سلطة أوسلو من السيطرة على قطاع غزة. ولا شك أن أي اجتياح واسع لقطاع غزة لن يفلح في القضاء على المقاومة، علاوة على ما سيؤدي إليه ذلك من استنزاف هائل لجيش الاحتلال الذي لن يستطيع إعادة احتلال قطاع غزة، ولن تستطيع أي قوة دولية أن تسيطر عليه.

كما أن أي هجوم صهيوني واسع على قطاع غزة سيؤدي حتماً إلى إنهاء الانقسام الداخلي – خاصة في غزة – وتقويض سلطة عبّاس، وقد بدا ذلك واضحاً عندما صرح بعض قادة حركة فتح عن عزم مقاتليهم على الوقوف إلى جانب المقاومة في التصدي للاحتلال. كما سيؤدي الاجتياح إلى إحجام الأنظمة الرسمية العربية والإسلامية عن التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، إذ أن معظم هذه الأنظمة هشة وفاقدة للشرعية الحقيقية وتعاني من معارضة شعبية عارمة.

أما العنصر الرابع، وهو حصار قطاع غزة والعمل باستمرار على زيادة معاناة الشعب الفلسطيني وتصعيد العدوان العسكري عليه، فلن يزيد الشعب الفلسطيني إلا صلابة وتمسكاً بحركة حماس وبالمقاومة ورفضاً للاستسلام. كما أن استمرار العدوان الصهيوني على شعبنا سيؤدي حتماً إلى زيادة تعرية الولايات المتحدة وفشل أجندتها وإحباط المخطط الصهيوأمريكي.

ولهذا فإن كل الطرق تؤدي إلى فشل خريطة الطريق الأمريكية وسيدرك الأمريكيون والصهاينة أنه ليس أمامهم من خيار سوى الرضوخ لخيار الشعب الفلسطيني والانصياع لمطالبه العادلة، وحينها سيذهب مخطط الشرق الأوسط الكبير إلى الجحيم.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=10103