مولود الفوضى الخلاّقة في العراق هو ـــــ جيش خدمات مهمته القمع الداخلي والدفاع عن المستعمر الجديد ومؤسساته العملاقة

الكاتب والباحث سمير عبيد               Saturday 22-12 -2007

مقدمة بسيطة:
أن ما يحصل في العراق هو عبارة عن معركة ضارية اشترك ولا يزال يشترك بها بعض العرب والأميركان وقوى إقليمية وإسرائيلية ومحليّة عراقية من أجل سلخ الشعب العراقي الحر من تاريخه و أصالته العربية ونخوته الوطنية وإباءه المعروف لدى جميع شعوب المنطقة والعالم، وتحويله و بالإكراه والترهيب من موقع القائد نحو موقع التابع، ومن موقع الرأس ليكون في الذيل ، وتحويل الشعب العراقي وبالإكراه والترغيب والترهيب من مواصفاته التي وردت ليكون بمواصفات الشعوب التي تقدم الخدمات واللوجست الطارئ الذي يتحكم به الدولار والجنس والمافيا ،أي يكون شعب العراق شعب خدمات، ولهذا فالمعركة ضارية بين الخير والشر، وبين الرأس والذيل، وبين الأصالة والهيافة، وبين الثبات والاجتثاث، وبين الأخلاق والقيم من جهة والانحلال والتميّع من جهة أخرى.... فهي معركة بين من يريد الانحلال والانبطاح والتفتيت الأخلاقي والجغرافي والقبلي والمذهبي والوطني تحت شعارات الديمقراطية والحرية الزائفة والمستوردة من جهة، وبين من يريد الثبات ورفض الانبطاح والتفتيت بجميع أنواعه، والحفاظ على الوطن الواحد والشعب الواحد مع القبول بالديمقراطية والحرية واللتان تلائمان موروث وثقافة وتاريخ وحاضر الشعب العراقي والمنطقة.

صورة من أفعال وأهداف أميركا وأذنابها في العراق:

يتضايق معظم الأميركان، وخصوصا الذين هم من الوسط السياسي والدبلوماسي والثقافي والفكري والإعلامي عندما يسمعون الأطراف الأخرى وهي تُسمّي أميركا بالإمبراطورية الأميركية، والاستعمار الأميركي الجديد للتعبير عن الولايات المتحدة الأميركية، ويصرّون على أن الولايات المتحدة ليست هكذا، بل هي قوة خيّرة، وتحب مساعدة الشعوب والأمم الأخرى من أجل أن تتخلص من التخلف والديكتاتورية والقمع والكبت الفكري والديني، وغيرها من الأمور.

ولكن الشعب العراقي ليس ضريرا ، والشعوب العربية هي الأخرى ليست فاقدة للحواس ، والعالم ليس معزولا عن العراق وأفغانستان، وبالتالي فأن هناك من ينظر ويسمع ويقرأ ويتابع، خصوصا وأن العالم أصبح كالقرية الواحدة، لهذا لم ير الشعب العراقي والعربي والعالم الخير الذي تتحدث عنه الولايات المتحدة في العراق، بل على العكس فهناك شرا متطايرا وعنيفا ،ومنذ أن وطأت الولايات المتحدة أرض العراق، أي تحولت الولايات المتحدة إلى وحش كاسر وقاتل و يحصد في الأرواح، ودراكولا الذي يمص الدماء،وعصابات المافيا التي تنهب الثروات والخزائن، والقرصان الذي يقطع الطريق، ونعلم أنه وصف مؤلم ولكنه وصف دبلوماسي ( مجامل) لما يحدث في العراق، ولما فعلته و تفعله القوات والقنوات الأميركية العلنية والسرية في العراق، وما تفعله القوات والخلايا العلنية والسرية التي تحتمي تحت عباءة الولايات المتحدة في العراق، والتي هي محليّة وإقليمية وعربية ودولية ،وأن واشنطن وإدارتها تعرف كل شيء ولكنها تغض النظر علما أنها المسئولة عن كل صغيرة وكبيرة في العراق كونها الدولة المحتلة للعراق.

فلقد تبيّن ومن وجهة نظر الأغلبية المطلقة للشعب العراقي والشعوب العربية والعالم أن الحرب ( العدوان) على العراق ماهي إلا من أجل أهداف بعيدة جدا عن الديمقراطية والحرية والتداول السلمي للسلطة ، بل هي جاءت لأسباب كثيرة ومركبة ولا تخص سعادة وحرية الشعب العراقي.. ومن أهم الأسباب هي :

أولا:
لعداء شخصي بين آل بوش وآل صدام على خلفية محاولة صدام اغتيال بوش الأب في الكويت، وكذلك على خلفية وضع صورة الرئيس بوش الأب على الأرض عند مدخل باب فندق الرشيد في العاصمة بغداد، لتُداس من قبل النزلاء والزائرين والمراجعين وطيلة 13 عاما.

ثانيا:
جاءت من أجل تحقيق نبوءات دينية وتلمودية قديمة ،وتخص أرض بابل ( العراق) ثم قتل الحاكم البابلي وسبي شعبه ، ناهيك عن الثأر من بابل وشعب بابل على أثر سبي اليهود في بابل بزمن الخليفة البابلي نبوخذ نصر ،وهذا ما تحقق لأصحاب النبوءات التلمودية اليهودية والبروتستانتية المتحالفة معها.

ثالثا:
جاءت من أجل تدمير وإهانة وحل الجيش العراقي الوطني والوحدات التابعة له، وهي أمنية إسرائيلية وكويتية وإيرانية حققتها الولايات المتحدة إلى تل أبيب والكويت وطهران، ... ويقينا أنها ليست بالمجان !!!..... وكذلك هي ثأر من الجيش العراقي الذي صنّع الصواريخ الـ 39 التي سقطت على إسرائيل.

رابعا:
جاءت من أجل الهيمنة على ثروات العراق، وخصوصا النفط ،لأن العراق يمتلك خزينا نفطيا هائلا ،ويعتقد الخبراء والمختصين في مجال الطاقة والنفط أن آخر برميل للنفط في العالم سيكون في ومن العراق، ناهيك أنه النفط الأرخص في العالم من ناحية التكلفة كونه قريب من سطح الأرض.... وأن هذه الهيمنة لم تستفد منها الولايات المتحدة ومنذ سقوط النظام العراقي إلا قليلا، بل أن المستفيد الأكبر هي إيران ومن خلال التهريب ، والكويت من خلال الحفر الشاقولي في الأراضي العراقية، وإسرائيل من خلال التهريب والأنابيب السرية والسيارات الحوضية العملاقة ، والمافيا المحلية والعربية والإقليمية والدولية ومن خلال التهريب أيضا.

خامسا:
جاءت من أجل الاستيلاء على الموقع الإستراتيجي الذي يمثله العراق، والذي يكون من الشمال على حدود مع أوربا من خلال تركيا، ومن ناحية القلب أنه قلب الهلال الخصيب، ومن ناحية الأرض فهو الأرض المباركة لأنها مهبط الرسل والأنبياء، وأنها الأرض الصالحة للزراعة ناهيك عن الماء العذب، ومن ناحية الجنوب فالعراق كشوكة الطعام التي تلتقط حبات الزيتون والتي تمثل الدول الخليجية، ومن هناك فهو على حدود إستراتيجية مع باكستان وأفغانستان من خلال بحر العرب ثم الخليج العربي ثم العراق فسوريا فلبنان فالبحر المتوسط ثم قبرص واليونان ( وهو محور الصراع الخفي بين إيران ووراءها بكين وموسكو وبين واشنطن ولندن وأخيرا باريس) أما من ناحية الشرق فلديه حدود طويلة مع إيران، وكذلك لديه حدود مع سوريا والسعودية والأردن، وكلها حدود إستراتيجية تعطي لمن يسيطر على العراق قوة وهيبة ومنعة .

سادسا:
ونتيجة لما تقدم وخصوصا في النقطة ( خامسا) فجاءت الحرب من أجل البقاء الدائم في العراق، أي بقاء الولايات المتحدة الدائم في العراق، ومن خلال بناء القواعد العسكرية العملاقة، والتي ستبقى من أجلها قوات التدخل السريع في العراق وفي الدول العربية المجاورة، والهدف هو حماية الطاقة والخطوط الدولية ولجعل العراق حدود فاصلة من الناحية الإستراتيجية مع موسكو وطهران وبكين، ويكون المخلب المتقدم في الحرب الباردة الجديدة..

سابعا:
جاءت الحرب ليكون العراق مقرا واسعا ( ورشة عملاقة ورصيف عملاق) للشركات الأميركية والغربية التي سيكون مقرها العراق من أجل الاستيلاء على الثروات العراقية، وفي مقدمتها النفط ،ومن ثم الاستيلاء على نفط وثروات الدول المجاورة،وبالتالي سيُجبَر المواطن العراقي والعربي للعمل في هذه الشركات بصفة العامل الأجير غير المضمون، أي لا ضمان له من ناحية الإصابة والطوارئ والتقاعد، وأن هكذا مشروع تقف بوجهه الثقافة القبليّة والدينية، والحس الوطني والقومي ،فشرعوا بمشروع تفتيت الدين والمذاهب والوطنية وجعلوها متناحرة متقاتلة متكارهة فيما بينها، ومن ثم إزالة عذرية القبيلة العراقية من خلال تشتيتها وزرع الفرقة فيما بينها بمشاريع دخيلة وغريبة وتعتبر عار على القبيلة في الظروف الطبيعية، وأخرها مشروع (إنشاء الصحوات) ولو حللّنا كلمة ( الصحوة) فهي تطلق على الشخص الذي كان نائما فصحى، أو على الإنسان الذي كان مريضا فشفى وصحى، ولا ندري هل أن الشعب العراقي و القبائل العراقية كانت نائمة أم مريضة كي تصحوا؟

وهل بالضرورة أن تكون الصحوة من خلال رائحة البارود والرصاص، ونشر المخبرين وقتل الإخوة ( أبناء الوطن الواحد) وهذا يدل على أن الولايات المتحدة عدوة للمصالحة الوطنية في الوقت الحاضر، لأن المصالحة تنسف ما تقدم، ومن هذا المنطلق أوعزت إلى أذنابها المحليين، والذين هم في التركيبة السياسية والحكومية في العراق أن لا يؤمنوا بالتصالح والمصالح،ة وليستمروا بالعبث ونشر الجريمة والطائفية من أجل بسط مشروع البطالة والجوع والتهجير ،ونشر الفوضى والتفكك الجغرافي والمذهبي والقبلي والاجتماعي بصورة عامة ،والهدف كي يصل المواطن العراقي إلى القبول بالأمر الواقع، والذي سيكون فيه أجيرا في المؤسسات والشركات والدوائر التي ترعاها وتمولها وتشرف عليها وتملكها الولايات المتحدة، ومن تجيز لهم من الغربيين، وعندها ستكون قبيلة المواطن العراقي هي الشركة التي ينتمي إليها، ويكون أسمه مجرد رقم وعندما يُسأل سيجيب ( أنا الرقم كذا أعمل في الشركة الأميركية كذا أو في الشركة الغربية كذا وأسكن في المجمع رقم كذا والذي ستكون عائديته معروفة سلفا لأية شركة ولأي مذهب جغرافي وإداري).

فنتيجة ماتقدم من أهداف وسيناريوهات قرّروا حل الجيش العراقي والمؤسسات العسكرية والأمنية الوطنية ليتم تأسيس جيشا للخدمات، وليس جيشا للدفاع عن أسوار الوطن ، وليس من أجل الوطن والدفاع عن الشعب، بل من أجل الدفاع عن السيد الأميركي ، ولهذا شرعوا بتأسيس الجيش الخدماتي والذي بُني على ثقافة وذهنية جديدة، ومن أهدافها الإيمان برب العمل، والإيمان برب من يمتلك الجغرافية التي تتحرك بها الوحدة أو القطعة العسكرية، أي صيانة حدود من يدفع الراتب للجندي والشرطي، وصيانة حدود من يحمي الذي يدفع الراتب للجندي والشرطي، وحماية جغرافية ومؤسسات الأمير المحلي الذي له ارتباطات مع الدوائر الأميركية والغربية والذي هو القائد الأعلى المباشر لتك الرقعة الجغرافية التي تتجاور مع رقع جغرافية متناثرة يديرها الأمراء المخولين من المحتل،و الأمير إما أن يكون رجل دين أو شيخ قبيلة أو زعيم سياسي أو زعيم قبلي متأمرك أو أمير حرب أو تاجر مافيوي أو قاطع طريق أو قرصان وهكذا.

لهذا فأصبح واجب هذا الجيش الخدماتي، والمؤسسات الأمنية ( الخدماتية) هي قمع الشعب، وقمع جميع الذين لا يؤمنون بالثقافة الجديدة، والنظام الجديد، أي أن مهام الجيش والشرطة ستكون لغرض حماية السيد الأميركي والغربي، وحماية أمراء الحرب والمشيخات والدويلات المذهبية والجغرافية والإثنية ، ومن ثم حماية جميع الشركات والمنشآت العائدة للمستعمر الجديد، وكذلك حماية المقرات والبيوت العائدة للاستعمار الجديد، وتأمين الطرق والفنادق والمنتجعات وعلب الليل التي يرتادونها ويزورونها الأميركان وأذنابهم ، فهذه هي مهمة الجيش العراقي الجديد، وهذه هي مهمة الدوائر الأمنية والإستخبارية في العراق.

أما المهمة الثانية فهي قطع الطرق، والإغارة ليلا على البيوت والعائلات ، و تطويق المناطق والأحياء والدور التي يخرج منها صوتا وطنيا رافضا لهذه السيناريوهات والخطط التي تذيب هوية العراق ، ومستقبل العراقيين كوحدة اجتماعية واحدة، لهذا فلو لاحظتم فلقد تم تأسيس الوحدات العسكرية على النمط الأميركي ( نمط العصابات الأميركية) وأصبحت تنهج الثقافة الأميركية عند صولاتها ومهماتها، وتطلق على هذه الصولات والمهمات أسماء من المفردات الأميركية التي تعتمد على الأكشن والكابوي، وليست من المفردات العربية والعراقية، وبهذا حولوا العراق إلى جسد مريض لابد أن يعتمد على الممرض الأميركي، أي لا يتمكن العراق من القيام بأي شيء دون المساعدة الأميركية ودون الكرسي الأميركي المتحرك هذا من جانب، ومن الجانب الآخر فهو أصبح كالطريدة التي تحاط بالكواسر التي أصبحت من حوله، أي أنه محاط بدول قوية بجيوشها وسلاحها ومخابراتها واقتصادها وطيرانها مثل إيران وتركيا وسوريا والأردن والسعودية والكويت، والتي كلها أصبحت تنظر للعراق هو ذلك الفارس المثخن بالجراح والذي يحتضر وبجواره خزينة عملاقة، والكل متربص للانقضاض عليه ونهب الخزينة..

فهذا هو المولود المسخ والمعاق الذي وُلدَ من الفوضى الخلّاقة، ومن الديمقراطية التي جاءت بها أميركا نحو العراق والمنطقة!.


كاتب ومحلل سياسي
مركز الشرق للبحوث والدراسات



تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=10309