سيُهزَم الجمع يا بغداد فاصطبري

د. عوض السليمان               Wednesday 26-12 -2007


لا يتوقف حقد صناع الموت في الإدارة الأمريكية عند الشهيد صدام حسين، ولا عند المجاهدين ضد الظلم والطغيان في فلسطين أو العراق أو الصومال. بل يتعداه إلى كل عربي، وإلى كل مسلم على وجه البسيطة. ولهذا أرادت هذه الإدارة الإرهابية أن تقضي على الفرح والبسمة في وجوه المسلمين في أي زمان ومكان. وهي بالتالي ولهذا الغرض، قررت إعدام الشهيد صدام حسين في يوم عيد الأضحى المبارك. لتضمن أن يبكي العرب والمسلمون وتدمى قلوبهم ومآقيهم على شهيد الحج الأكبر تقبله الله في عليين.

حماقة الإدارة الأمريكية، لا تدرك ولن تدرك أبداً، أن البكاء على صدام حسين والحزن عليه، سيصنع نهايتها في العراق العظيم، وسيخرجها من بلاد الرافدين صاغرة ذليلة، تجر وراءها أذيال الهزيمة وتترك في مدن بغداد وقراها آلافاً من القتلى. بينما سيعود المغول إلى بلادهم فرّاراً لا كراراً، وبينهم آلاف من المرضى النفسيين والمعاقين الذهنيين ومصائب أخرى لا يحصيها إلا الله جل وعلا.

لا ننكر بحال أننا حزنا حزناً لا مثيل له عند إعدام الشهيد الذي قتله أعداءه على مرأى العرب والمسلمين وسمعهم ما حركوا لذلك ساكناً، حزنّا على الشهيد الحي، وحزنّا على حال الأمة، وحزنا على قادة عرب جبناء وضعوا رؤوسهم في الرمال، وما استطاعوا أن ينبسوا ببنت شفة، وحزنّا على جامعة عربية نكدة ذليلة، كنا نتوقع أن يستقيل أمينها العام على خلفية هذه الجريمة، أو على الأقل أن يصرح تصريحاً بحجم أغنية صاحبه"شعبان عبد الرحيم" الذي يحبه كثيراً.

ولكننا أيضاً رفعنا رؤوسنا بعد أن أنهكتها الطأطأة، فصدام رحمه الله، وقف أمام الموت، جبلاً شامخاً وهامة عالية. وقد عرضت عليه الدنيا فرفضها. ويعلم القاصي والداني أن صداماً كان يستطيع العيش في روسيا أو في السعودية مكرماً غنياً هو وأولاده، بل ونسله إلى ما شاء الله مقابل تصريح واحد يطلب فيه من المقاومة العراقية الباسلة التمهل في تجريع الموتَ الأمريكيين ولكنه رفض وفضل الموت على أن يحني رأسه لصناع الموت في إدارة بوش الصغير.

قبل إعدام الشهيد بيوم واحد، كان الحزن يلف عائلتي وأصدقائي وكل من كلمت، حتى أولئك الذين اختلفوا مع سياسات صدام، كانوا لا يقبلون هذا الذل الذي يغشى الأمة العربية والإسلامية كلها. ولا شك أننا دعونا أن يخلصه الله منهم، ونمنا ونحن ندعو له أيضاً وفي الليل رأيناه، فما غاب عنا في حلم ولا يقظة، في الصباح بدأت وكالات الأنباء العالمية تتناقل خبر إعدامه، ولم يكن لنا أن نصدق، وبدأ الأذلاء في المنطقة الخضراء بالكذب على الشهيد الذي كان يرعبهم وهم في جحورهم في أوروبا وأمريكا وإيران. فسمعنا أنه كان خائفاً ولطم وصرخ خوفاً من حبل المشنقة. و لكن سرعان ما تكشفت صورة الأسد، وصور الفئران أيضاً. فقد تقدم صدام من الموت رجلاً، عزة العراق ومجد الرافدين في جبينه، واجتمع الأقزام من حوله، من أحفاد ابن العلقمي والطوسي، لكنه ما اهتز، ورمق مقتدى الصدر بنظرة احتقار تليق بمقامه الوضيع. رفض أن يضع على عينه العصبة السوداء، فهذا الرجل لا يعرف الخوف، ورفع صوته بالشهادة أكثر من مرة، قبل أن يرحل إلى جوار ربه. أصابني الذهول لثواني معدودة، وكنت محتاراً بين الفرح باستشهاد بطل من أبطال هذه الأمة، والاندهاش بقوته وجلده وتقزيمه لأعدائه وهو يموت، وبين الحزن العميق الذي أحسست به عند رحيله، استذكرت قول أبي اليسر
ناديت والسبي مهتوك يجرهم***إلى السفاح من الأعداء دعّار
لم يبق للدين والدنيا وقد ذهبوا***سوق لمجد وقد بانوا وقد باروا
آل النبي وأهل العلم قد سبيوا***فمن ترى بعدهم تحويه أمصار
ما كنت آمل أن أبقى وقد ذهبوا***لكن أبى دون ما أختار أقدار

ولم يقطع ذلك الذهول وتلك الحيرة، إلا أصوات النساء من حولي، عندما فجرن زغاريدهن مستبشرات باستشهاده. وعندما سمعت الرجال من حولي وهم يأمرون الشباب بعدم التلفظ بكلمات التعزية فهذا شهيد، بل وأمرونا بذبح الذبائح، وإطلاق الأهازيج فما سمعنا عن قتل فارس بحجم صدام على يد أعدائه منذ زمن طويل، اللهم إلا الشهيد ياسر عرفات رحمه الله.

استشهد صدام حسين ومر اليوم على رحيله عام، ولعله اليوم بجوار ربه، ولكن ما أخبار كولن بول وسانشيز وبول بريمر، وما أخبار المارينز الدجاجي( نسبة لذعر الدجاجة حال خوفها). كم عدد المرضى من جنود العدو وكم عدد قتلاه، ولماذا يسعل جورج بوش وهو يتكلم عن العراق، وترتعد أوصاله، وهل ينام الليل جيداً أم أن المقاومة العراقية تقض مضجعه وتؤرق عليه ليله.

العراق، البلد الذي تجاوز هولاكو سيتجاوز أمريكا، وستذهب أمريكا كما ذهب المغول وكما ذهب البريطانيون، وستبقى بغداد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولا مستقبل في العراق إلا للمقاومة، وستذهب المنطقة الخضراء بالمالكي والربيعي والطالباني، وسيبقى التاريخ يلعن تلك المنطقة التي تآمر أصحابها على بلادهم وخانوا أهلهم وعشيرتهم وسهلوا لعدوهم قتل أبناء العراق إذ لا كرامة لهم ولا دين ولا خلق. فكما ستذهب أمريكا بالخزي سيذهب كل من عاد إلى العرق تحت حماية الإرهابيين وصناع الموت بالعار الأبدي. ولا شك أن هؤلاء يعرفون مصيرهم، ولربما طلبوا اللجوء إلى أمريكا وبريطانيا اليوم أو غداً أو بعد غد، وقد سبقهم إلى ذلك خونة كثر ومصير الخونة واحد.

وكما أن التاريخ لن ينسى هؤلاء فهو لن ينسى خيانة الجامعة العربية لشعب العراق وقائد العراق، ولمقاومة العراق، ولن ينسى أن كثيراً من حكامنا لا هم رجال ولا أنصاف رجال ولا من أشباه الرجال، ولا حتى من أشباه النساء، فقد باعوا كرامتنا قبل أن يبيعوا نفطنا، وأهدروا عزتنا قبل أن يهدروا ثرواتنا. وكيف ينسى التاريخ أن قاعدة العديد القطرية ساهمت بقتل مئات الأطفال العراقيين، وأن قناة السويس المصرية نقلت أعداء الحضارة من وراء البحار ليعيثوا في العراق فساداً، وبقية القصة وأسماء الخونة تعرفونهم كما نعرفهم.

بعد صدام، اسأل عن القادة العرب في أنابوليس، ذهبوا ليتآمروا على المقاومة وليبيعوا فلسطين، وبعد صدام احذر، فإن البحرين في خطر، فربما هاجمتها قوى الغدر الإيرانية. وبعد صدام سلامنا على الجزر العربية، وبعد صدام، أصبح هناك صورة تتكلم بهيئة رجل اسمها المالكي، وأصبح إيرانيون حكاماً للعراق، بل نشأ شيء جديد في العراق سمين وثقيل اسمه طالباني، يتسلل إلى بيته ليلاً لينام بالمهدئات، وأصبح هناك منطقة خضراء يحميها مرتزقة أمريكيون وإيرانيون.

لكن لا تحزن يا عراق الأسود، فسيهزم الجمع ويولون الدبر.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=10327