معرفة السبب في تحرك وتحفيز الإنسان سؤال مهم في التنمية البشرية

الدكتور أسامة صالح حريري               Tuesday 12-02 -2008

ما أقوى دافع "يحفز" الإنسان؟ لماذا تنشب الحروب؟ بل، لماذا تقوم الحضارات؟ لماذا يعشق الإنسان ويحب غيره؟ لماذا يسعى أحد أن يقصي ويزيح الآخر عن طريقه؟ لماذا يتصدق أحدنا بما يتعب في الحصول عليه؟ وما النتيجة من كافة تلك "السلوكيات" التي تنتج عنها "بيئة" تختلف من تساؤل إلى آخر. تساؤلات عديدة لتحركات سلبية وإيجابية في حياة الفرد والمجتمع لا نجد لها إجابة.
إن جميع تلك "السلوكيات" تطلقها "قدرات" تنطلق في الإنسان لتجعله يتصرف سلوكيا بطريقة معينة. إذا "السلوك" جاء من "قدرة" حركت الإنسان لينتج عنه سلوكاً محدداً. المهم هنا أن "القدرة" قد انبعثت أصلا من "قيمة" أو دافع، أو باعث محركٍ لها. هذه "القيمة" نستطيع أن نشبهها بأنها "جمرة" تجعل الطعام "ينضج". إذا القيم هي "دوافع" الفرد للتحرك، هذه الدوافع قد "تخفى" على صاحبها، ولكنها رغم ذلك تحركه وتدفعه للتحرك، كأنها نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء، دافعا خفيا. الأهم هنا أن هذه "القيمة" تنطلق أصلا من "هوية" في فطرة الإنسان.
إن معرفة "السبب" في تحرك وتحفيز الإنسان هو السؤال المهم في التنمية البشرية والتطوير والعلاج للإنسان والمؤسسة صغيرها وكبيرها. وتستطيع معرفة تلك القيم والدوافع عبر قصة آدم في الجنة، وكيف استطاع الشيطان أن "يحفز" آدم وحواء "ليتصرفا" كما يشاء الشيطان. لقد جاء في قوله تعالى: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) 20، الأعراف.
المهم في هذه الآية الكريمة "المدخل" الشيطاني لآدم وحواء الذي استطاع به أن "يغريهما" للأكل من شجرة معينة، رغم أنهما في الجنة التي فيها ما تشتهي الأنفس وما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولم يخطر على قلب إنسان. ورغم جميع ذلك، استطاع الشيطان أن يدخل عليهما من أقوى "قيمة" محركة وباعثة ومحفزة في النفس البشرية: (الخلود والملائكية)، لدرجة أن الإنسان، رغم ما فيه من خير كالجنة، "تطلع" إلى شيء "آخر". وهكذا استطاع الشيطان أن "يحفز" الإنسان بهذه القيمة الفعالة التي لا يستطيع الإنسان أن "يقاومها".
إن الخلود يعني أن "يستمر" الفرد فينا حيا "مذكورا" لأطول فترة يقدر عليها، بل والخلود الأبدي بلا نهاية، (ليستمر اسمه - خالدا - بعد جسمه الفاني). ومن هنا تأتي "القدرة" في التحرك "سلوكيا" لتصرفات الجنس والأكل والشرب والدفاع عن النفس وطاقة الغضب. وكل ذلك نتيجة لقيمة بقاء النوع - خلودا - فينطلق منها جميع ما يتعلق بالجانب الجسدي والعلمي. وكل ذلك لإشباع قيمة "الخلود" المغروسة في أصل الفطرة. إن هذه العناصر تنطلق من أصل خلقة الإنسان (قبضة من تراب). إذا "قيمة" الخلود جاءت من "هوية" الطين.
وتعني "الملائكية" العلاقة الروحية، والصفاء النفسي، وجميع ما يتعلق بالجانب النفسي والعاطفي والفني. ومن هنا تأتي القدرة في البحث عن العاطفة والصفاء وعمل الخير وحب الموسيقى والفن. وكل ذلك لإشباع قيمة "الملائكية" المغروسة في أصل الفطرة. وجميع ما يتعلق بالجانب النفسي والأدبي. إن هذه العناصر تنطلق من أصل خلقة الإنسان (نفخة من روح الله). إذا "قيمة" الملائكية جاءت من "هوية" الروح.
فإذا هوية الإنسان أنه (قبضة و نفخة). إذا قيمه التي تحركه هي (الخلود والملائكية). وهكذا نفهم "لماذا" يتحرك الإنسان في أي قدرة ينتج عنها سلوك محدد. وهكذا سوف تجد أن الدافع لأي تحرك أما الخلود أو الملائكية. وينتج عن جميع ذلك بيئة تختلف عن بيئة أخرى بحسب كيفية التعبير عن تلك القيم.
وهذا هو تفسير وجود "بيئة" الحضارة الغربية "خلودا" متجها "بقدراتها" نحو الأرض "قيمة" نتجت عن "هوية" الطين الأرضية. وهذا هو تفسير "بيئة" الحضارة الشرقية ملائكية متجها "بقدراتها" نحو السماء "قيمة" نتجت عن "هوية" الروح الربانية. وهذا هو تفسير وجود التخصص العلمي - طينا وخلودا - والأدبي - روحا وملائكية وقد يكونان معا، ومن أجل ذلك جاء الإسلام بيئة وسطا، توازنا وشمولية: قبضة و نفخة، خلودا وملائكية.
وإذا بحثت في أي تحرك و"تتابعت" مع المتحرك في أي سلوك يقوم به، فسوف تجد أن الدافع "البعيد" جدا، بل و"الخفي" عن صاحبه، كأنه نملة سوداء، على الصخرة السوداء، في الليلة الظلماء، هو الخلود أو الملائكية، أو هما معا. لذلك تقول إحدى فرضيات البرمجة اللغوية العصبية أن (وراء كل سلوك نية إيجابية). إن أي سلوك إنساني - مهما كان سلبيا - ينبع أما من قيمة "الملائكية" أو قيمة "الخلود"، فطرة ربانية، فقد خلقنا الله في أحسن تقويم، وثم اجتالتنا الشياطين. جرب هذا المنظور الإيجابي في البحث. (سوف تجد ما تبحث عنه).
بل تجد هذه القيمة - الموجودة في تركيبة الخلق الإنساني حكمة ربانية -هي "الباعث" المُحفز، والخفي، والبعيد لأي تحرك، حتى وإن كان سلبيا، كأن الفطرة "تحركت" ولم تجد "إشباعا" إيجابيا، كأن تجد أحدنا يجوع - لإثارة من فطرة ربانية، ثم يأكل ما حرم الله - تصرفا إنسانيا خاطئا إشباعاً لفطرة ربانية. ومن هنا يأتي "التطوير" بإيصال الإنسان إلى الباعث "الحقيقي". ومن هنا يأتي الإسلام إشباعا إيجابيا للفطرة الإنسانية - هوية وقيما - لتنطلق في الإنسان قدرات هائلة ينتج عنها سلوكيات إيجابية: توازنا شموليا، حضارة لأمة وسطا.
إذا "الهوية" هي منبع "القيم"، والتي هي المُحرك "للقدرة"، والتي هي أصل "السلوك"، ومن جميع ذلك تبنى "البيئة". ومن هنا يأتي السؤال المهم: ما الحكمة الربانية من جميع ذلك، وكيف نستثمره تعبئة وتحفيزا فرديا ومؤسساتيا؟

عضو هيئة التدريس بقسم الإعلام - جامعة أم القرى
http://www.alwatan.com.sa/news/ad2.asp?issueno=2691&id=1900



تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=11200