مرادفات مفقودة في تاريخ الوطن ( عظم الله أجركم )

تحسين يحيى حسن أبو عاصي               Thursday 22-05 -2008

كن جميلا ترى الوجود جميلا ، فالجمال صفة كونية متأصلة في الوجود ، ولكن العيون أصابها ما أصابها من ألوان الرمد والعمى ، حتى أصبح كثير من الناس اليوم في زمن الحداثة والعولمة ، لا يجدون الجمال إلا في اللون الأحمر القاني المنبثق شلاله على أيدي بني البشر، كما وجدته متلذذة في ساديتها عند ممارسة المتعة الجنسية ، وفي طعم مزيج قطرات الماء المنبثقة من المقل ، والتي رسمت على الخدين محراث الزمن الأسود ، كما فحرت خطين على ذلك الوجه الملائكي ؛ ليسير عليهما قطار الذل والقهر، بالقدر الذي يسير على وجوه الأطفال واليتامى والأرامل والشيوخ ، والثكلى والجرحى والمعوقين والفقراء والمعذبين ، فالانتصار حتما للساخرين ولحمرة الشفاه .

في يوم من الأيام وفي الساعة السابعة صباحا ، دخلت حديقة جميلة واسعة بدون أن أخلع نعالي ، وعندما وقع بصري على مناظرها الخلابة ، بدأت تتفتق في ذهني كثير من المعاني والأفكار المفقودة على أرض الوطن الذبيح ، كنت أقرأ بخرافة ذهني على صفحات كل نبتة ، كثيرا من معاني الجمال والحب ، والصفاء والحيوية والعطاء الذي لا نظير له ، وكنت أشعر كأن قلبي يداعب قلب كل ووردة ، وكأن روحي تعانق روح كل زهرة وشجرة ، وبخطاب حال لا بخطاب مقال ، دار حوار كبير وعميق بيني وبين الحديقة اليانعة ،ولحسن حظي لم يكن عندي من الديدان والحشرات شيئاً فقد مللت من مجدهم الكاذب .

ذكّرني جمال الحديقة بجمال الوطن ، بل بجمال أوطان بني البشر على كوكب الأرض ، وتذوقت طعم الود من ذلك الحوار، فالود صفة تعلو صفة الحب ، وهي نتاج عنها ، وبدأت أسأل نفسي : متى ينعم بني البشر بطعم الود والحب في أوطانهم ، ويتخلصون من السرسرية (( مفردة تركية ، و تعني المتشردين )) وهم الذين يبحثون عن الشر .

كانت أرض الحديقة مكسوة ببساط اخضر جذاب جميل تنبعث منه رائحة متميزة خاصة بعد ريه بالماء صباحا (( وجعلنا من الماء كل شيء حي )) .


انسجام لا نظير له ، وتكامل فريد من نوعه يجمع العلاقة بين الضدين ، بين طلع النبتة في أبواغ لقاحها ، وبين مبسم متاعها (( ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين )) .
جذبني جمال الحوار مع الحديقة لأن أُبحر عميقا في بحار التفكير، فتذكرت مذابح عام 1915م بحق الأرمن والآشوريين ، ومذابح الأكراد ومذابح فلسطين واتفاقيات سايكس بيكو ووعد بلفور، ومذابح البوسنا والهرسك ، وحملات الإبادة في العراق وأفغانستان والصومال ، بل أعمق من ذلك حيث مذابح روما قبل التاريخ فلم يغير مدرج روما القديم الذي كان مسرحاً لمعارك دامية بين الأسود والمصارعين قبل ألفي عام صورته ، كما جاء في مقدمة الخبر الذي بثته رويترز ونشرته الرأي يوم (13/5/2002 ، ص 48)، بل شهد هذا المدرج يوماً دامياً آخراً تمثل في إقامة حفل لتشجيع السلام العالمي والمساواة مع التركيز بصفة خاصة على صراع الشرق الأوسط .

حيث غنى الشاب خالد مع المطربة الإسرائيلية في ذلك المهرجان الحاشد على جثث الشهداء أثناء ارتكاب الصهاينة لمجزرتهم البشعة في مخيم جنين .

جلست تحت ظل شجرة امتدت جذورها عميقا في تراب الوطن ، معانقة هواءه وسماءه بشموخ كل عزيز ، رغم أنف جرافات الاحتلال الإسرائيلي وجميع القادة العرب ، وتلوت قول الحق سبحانه وهو يصف تلك الأشجار : (( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين )) ثم طارت ذاكرتي إلى تاريخنا الجميل إلى أولئك النفر الجرحى في غزوة بدر، الذين ماتوا عطشا ودماؤهم نازفة ، وكل منهم يؤآثر أخاه بالماء عن نفسه .
جلست وقد كادت طنجرتي أن تنفجر، فحمدت الله على نعمة الوحدة والانفراد خشية وقوع إصابات ، وكنت حاملا جسدي الذي أرهقته السنون ، وبيدي قلمي الرديء برداءة فكري والهش بهشاشة عظامي .

كنت أشعر وأنا أحاور الحديقة بالمتعة ، ولكنها ليست كالمتعة التي يشعر بها كل مواطن في وطنه ، فقد رسموا لنا خارطة طريق لكي نسير في الطريق وفقها ، وتذكرت خارطة الطريق التي رسمها صاحب مزرعة دجاج لرجل ؛ من أجل أن ينقل الدجاج على ألأقدام ، من المزرعة القديمة إلى المزرعة الجديدة بدون أن يلتقطوا من الأرض حبة شعير واحدة ، وإلا يعاقبه صاحب المزرعة ويمنع عنه الأجر كما هو حال أجر الرباعية الدولية اليوم .
كان الدجاج يعيش في حظيرته برغد وسعة ، يربطهم من الحب أكثر ما كان بربط بين رومي وجولييت ، وعروة وعفراء ، وجميل وبثينة .
سأل الرجل صاحب المزرعة : كيف يمكن أن أنقل الدجاج مشيا على ألأقدام بدون أن يلتقط حبة شعير واحدة ؟ .
أجب صاحب المزرعة : ضع رأس كل دجاجة قي مؤخرة الدجاجة الأخرى حتى آخر دجاجة .
قال الرجل : والدجاجة الأولى أين أضع رأسها ؟ .
قال صاحب المزرعة : في مؤخرتك .
هكذا هم النعاج في حالة الانبعاج
شكر الله سعيكم وغفر لموتاكم
زياراتكم وتعليقاتكم شرف كبير لي



تحسين يحيى حسن أبو عاصي
غزة فلسطين
[email protected]
www.tahsseen.jeeran.com واحة الكتاب والأدباء المغمورين

tahsseen.maktoobblog.com قلب يحترق في واحة خضراء


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=12457