قناة الجزيرة وذكرى نكبة فلسطين

خليل محمود الصمادي               Monday 26-05 -2008

لم تتعرض وسيلة إعلامية عربية للتشكيك والطعن والتخوين كما تعرضت له قناة الجزيرة، فمنذ السنوات الأولى انهالت عليها الاتهامات من ذوي القربى تارة، ومن ذوي القوى الاستعمارية الاستكبارية تارة أخرى.

وأما اتهامات ذوي القربى فهي أن قناة الجزيرة محطة بريطانية ، أو إسرئيلية ، أو شركة استثمارية ما بين إسرائيل وإدارة المحطة وأن إسرائيل لها 51% والباقي للجزيرة وما إلى ذلك من اتهامات.
ولما تبين للناس أن الجزيرة تقف إلى جانب انتفاضة الشعب الفلسطيني وحقوقه قالوا: أنها قناة تزرع الفتنة والشقاق بين الشعوب العربية.

وأما اتهامات الأعداء فأهمها أنها صوت للقاعدة والأصوليين المتطرفين ، وبالفعل تم الانتقام من القناة بقصف مكتبها في كابل واغتيال طارق أيوب وحبس تيسير علوني وسامي الحاج ، وأما السعي إلى قصف مقرها في الدوحة بالتعاون بين بلير وبوش فلم يخف على أحد.

وإذا رجعا لاتهامها أنها قناة إسرائيلية قالوا : إنها تكتب على خارطة فلسطين اسم إسرائيل ، وتستضيف سياسيين إسرائيليين في البرامج السياسية وفي نشرات الأخبار .

لا شك أن الاتهامين السابقين قد لا يروقا لكثير من الناس ـ وأنا منهم ـ ولكن ربما من وجهة نظر الجزيرة وتطبيقا لمبدأ الرأي والرأي الآخر له ما يبرره ولا سيما في زمن لم تعد الاتصالات بالإسرائيليين من الكبائر ناهيك عن الصغائر.
لم تبخل الجزيرة بفلسطين وأهلها ولم تتقاعس في تسخير ماكينتها الإعلامية الضخمة من أجل فلسطين والانتفاضة وبرعت في تصوير الحالة الفلسطينية الصعبة ، فقد أدت خدمة جليلة للفلسطينيين في الداخل والخارج فقد غطت أخبار الانتفاضة الثانية ونشرتها للعالم وأوصلت الصوت الفلسطيني المقاوم والمسالم للعالم أجمع ، وإن كان بعض الفرقاء ساءهم الصوت المناوئ لهم من قناة الجزيرة إلا أن ذلك زاد في قوتها ورسالتها فكم من مسؤول فلسطيني صرح أن قناة الجزيرة متحيزة وتبث السموم والفرقة بين الشعب الفلسطيني ، يريدون أن تكون الجزيرة بوقا لهم على عهد الخطابات الوطنية والقومية في القرن المنصرم .

إن ما قامت به الجزيرة منذ تأسيسها إلى اليوم إعلاميا لفلسطين يستحق الدراسة والبحث ، وما من شك أن ما قدمته إلى الآن فاق ما قدمته الدول العربية مجتمعة بما فيهم الفلسطينيون بل أكثر بأضعاف مضاعفة بقنواتهم ومجلاتهم وصحفهم وبياناتهم ومؤتمراته الإعلامية وغيرها .

لقد جندت الجزيرة طواقمها الإعلامية والفنية في ذكرى النكبة الستن وفاجأتنا ببرامج في غاية الروعة والإتقان صبت في مصلحة فلسطين والفلسطينيين ، فمن برنامج حق يأبى النسيان إلى برنامج النكية إلى قرى مدمرة إلى سجل المجازر الإسرائيلية إلى البرامج الحوارية التي تزامنت مع ذكرى النكبة إلى استضافة كثير من المسؤولين الفلسطينين في الجزيرة مباشر الجزيرة الأم ، إلى اللقطات المميزة التي تبث طيلة اليوم بين الفينة والأخرى تصور أبناء النكبة وأحلامهم.

لقد أعطت هذه البرامج المتنوعة بعدا ثقافيا جديدا لفلسطين ، لأنها برامج وثائقية بحق ، لقد بحثوا عن معلوماتهم في أرشيف الخارجية البريطانية وغيرها من الدول التي لها شأن في فلسطين ومن المكتبات الخاصة والعامة ، وأرسلوا الطواقم الإعلامية إلى غزة والضفة وأراضي 48 وإلى مخيمات سورية والأردن ولبنان وأجروا اللقاءات مع من تبقى ممن شهد النكبة الفلسطينية فأعطوا صورة حقيقية عن النكبة وظهرت عشرات المفاتيح تنتظر العودة ومئات أوراق الطابو مع أناس بسطاء يحلمون بالرجوع إلى حيفا ويافا وطبريا وغيرها من المدن والقرى المهدمة أو المنسية.

ومن بركات هذه البرامج أن كثيرا من المحطات العربية ـ حتى لا تلام ـ حركت السواكن وقامت بإثارة القضية الفلسطينية على شاشاتها في لقاءات خجولة مع بعض المسؤولين الفلسطينيين، بعد أن كان الاهتمام بأخبار هوليود وزلازل الصين وتسونامي وأسواق المال ومحاربة الإرهاب والإرهابين هي السمات الواضحة لرسالتها الإعلامية.

من لا يشكر الناس لا يشكر الله ،شكرا لك ياقناة الجزيرة على هذا الانجاز الضخم وشكرا لأصحاب الفكرة وشكرا لإدارة الجزيرة وشكرا لكل من ساهم في إنتاج وصناعة هذه البرامج الوثائقية التي ستظل بلا شك مواد وثائقية على موقع الجزيرة نت يحتاجها الباحث في أي زمان ومكان دون سفرأو عناء ، وشكرا لدولة قطر الصغيرة بمساحتها والكبيرة بجزيرتها ومواقفها القومية وحتى يكتمل المعروف يتمنى الفلسطينيون وساطة قطرية بين الإخوة الأعداء كما حصل للأشقاء اللبنانيين المتحاربين.


خليل محمود الصمادي
الرياض / عضو اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=12531