اليمن ، الفرصة لرد الصاع لآل سعود صاعين

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسنية               Tuesday 10-06 -2008

إذا كنا فتحنا سوية موضوع إستعادة مصر لمكانتها ، مع مقال سابق ، فإن ذلك يستلزم مراجعة شاملة للماضي ، و بخاصة منذ منتصف القرن العشرين ، حين خرجت مصر من إنكفائها على نفسها ، و حين أصبح من المتاح لعب دور إقليمي في المنطقة العربية و في أفريقيا ، بعد تقلص مساحة التواجد الأجنبي المباشر ، و ظهور عدة أقطاب على الساحة الدولية .
أخطائنا الإستراتيجة التي إرتكبناها خلال الخمسين عاما المنصرمة كبيرة و كثيرة ، و حديثي هنا عن خطأ منها ، يهمنا اليوم ، ليس فقط لأنه عبرة من الماضي نتعلم منها للمستقبل ، و لكن لأن هناك أحداث تفجرت منذ أعوام قلائل ، و تتجدد أحداثها بين وقت و أخر ، و أقربها هذا العام ، تتيح لنا تصحيح جزء من الخطأ الأول .
الخطأ الذي أعنيه هو ما قام به عبد الناصر حين أسهم في أزالة الإمامة الزيدية باليمن ، لصالح الجمهورية .
لست من أنصار الملكية بالتأكيد ، و على دراية بما كان عليه حال اليمن خلال فترة حكم الأئمة الأواخر من فقر و تخلف و إنغلاق ، و ليست لي دوافع شخصية كذلك ، فلست من أتباع المذهب الشيعي الزيدي ، و لا أي مذهب شيعي أخر ، و أسرتي كذلك ، و لدي الأدلة التاريخية الموثقة على ما أقول ، مع إحترامي الجم - في ذات الوقت – لمتبعي كافة الأديان و النحل و المذاهب و الفرق و المعتقدات . دافعي الوحيد هو مراجعة الموقف المصري في اليمن في ستينات القرن الماضي ، لصالح مصر الحاضر ، هذا فقط هو حافزي لهذا المقال ، و تلك المراجعة ليست إستعراض للتكاليف الباهظة و الفادحة في الأرواح و الأموال ، و التي تكبدتها مصر في اليمن – على الأهمية البالغة لتلك الخسائر - و إنما مراجعة لإستراتيجية عامة ، أو خطوط السياسة الخارجية العريضة .
بالإمكان الأن - و بعد هذه المقدمة السابقة الإيضاحة الضرورية – أن أسأل : هل كانت مساندة عبد الناصر لجهود إسقاط الإمامة الزيدية في اليمن فعل صائب ، صب ، و يصب للأن ، في مصلحة مصر ، من الناحية الإستراتيجية البحتة ؟؟؟
أعتقد إن مساندة عبد الناصر صبت في صالح آل سعود ، منافسينا السابقين و الحاليين ، فرغم ان المواقف التاريخية للطرفان المصري و السعودي أثناء حرب اليمن ، تبدو في ظاهرها على عكس ذلك ، حيث وقف عبد الناصر مع الجمهوريين ، بينما ساند فيصل آل سعود المواليين للإمام الزيدي ، و تبدو النتيجة النهائية للصراع في ظاهرها لصالحنا مع زوال الإمامة في اليمن و تأسيس الجمهورية ، إلا إن بالبحث الحصيف سنجد أن النتيجة صبت بمجملها في صالح آل سعود ، وفي كل مراحل النزاع ، و لليوم .
آل سعود من مذهب لا يطيق كلمة شيعة ، حتى لو كان أولئك الشيعة زيدية ، أي من أتباع مذهب يعده بعض علماء السنة المذهب الخامس لأهل السنة ، و البعض منهم يعده المذهب السني السادس ، بعد إضافة المذهب الظاهري ، و لكن هذا لا يشفع للزيدية عند آل سعود الوهابيين ، الذين يكرهون حتى أبوحنيفة و الشافعي .
إذا إزالة الإمامة الزيدية ، لم يكن إلا إزالة لنظام حكم كان آل سعود يكنون له كراهية دينية عمياء ، و يقبع على حدودهم الجنوبية ، نظام لم يكن أبدا ليكون على توافق مع آل سعود - لو سارت الأمور في طريقها الأصلي - وخاصة لو تذكرنا حجم الأراضي الشاسعة التي إقتضمها آل سعود ، في عهد الملك عبد العزيز ، من أراضي اليمن ، و الرفض اليمني العنيد للإعتراف بالحدود المستجدة التي صنعتها القوة السعودية ، ذلك الرفض الأبي الذي كان نهايته في عهد الرئيس اليمني الحالي علي عبد الله صالح .
لقد خلصنا آل سعود من عدو لدود لهم بدمائنا و أموالنا ، فحافظ آل سعود على مظهرهم المحافظ الهادئ الذي لا يتدخل في شئون الأخرين الداخلية ، و لكنهم لم يتركوا الأمور تسير بسهولة ، حتى لو كانت تسير لصالحهم ، فقد إعتصروا الفرصة لأخر قطرة ، فشرعوا في إنهاك الجيش المصري في حرب ، كلفت مصر إحتياطيها الذهبي ، و كلفت – و هذا هو الأهم – مصر الكثير من حياة زهرة شبابها و عماد جيشها ، فمن المعلوم أن كافة تكاليف القوات الموالية للإمامة الزيدية قامت بها الخزانة السعودية ، فهي من أنفقت على القبائل اليمنية لتظل موالية للإمامة ، و هي التي دفعت للمرتزقة الأجانب – البريطانيين و البلجيك و غيرهم - الذين حاربوا في صف الملكية ، و حين تحققت أغراض آل سعود ، رفعوا الدعم ، و سويت المسألة مع مصر ، بعد يونيو 1967 .
لقد ضرب آل سعود عصفوران بحجر واحد ، فقد تركونا نفتح لهم باب اليمن ، وفي ذات الوقت إستنزفوا الجيش المصري لأقصى حد ، فأمنوا من مخاطر المد الجمهوري الناصري ، الذي كان في أوجه ، و الملاحظ إن الإستنزاف السعودي لمصر ظل قائما حتى حدثت هزيمة 1967 .
إنني لا أعفي عبد الناصر من الخطأ ، فالخطأ في البداية و النهاية هو من صنعه ، فقد نظر فقط لحلم الجمهورية - و هو هدف نبيل - و لكن لم ينظر للأخطار المنتظرة و النتائج المترتبة ، و آل سعود لم يفعلوا سوى إنهم قاموا بإستغلال الفرصة التي سنحت لهم لأقصى حد ، و بذكاء كبير .
لقد كان الأفضل لمصر – في ذلك الوقت – أن تترك نظام الإمامة اليمنية قائما - حتى لو كان تختلف مع ذلك النظام أيديولوجيا و مذهبياً - فذلك النظام لم يكن ليكون أبدا حليف لآ سعود ، للأسباب السابق ذكرها ، بل أصل في القول لأقول : لقد كان على مصر أن توفر الحماية و الدعم لذلك النظام ، في مسألة الحدود الدولية ، و تدعمه من أجل ذلك عسكريا ، ليس بالجنود ، و إنما بالسلاح و التدريب ، من أجل إستعادة الأراضي اليمنية المسلوبة ، فتشغل آل سعود في عقر دارهم ، و تستنزفهم ، بدلا مما حدث بالفعل حين إستنزفونا ، و ربما كانت تلك الجهود نجحت في تقليص مساحة مملكة آل سعود الحالية ، أو أسهمت في حدوث تمردات داخل الجزيرة العربية ، في المناطق الأخرى التي أخضعها آل سعود بالقوة ، مثل مناطق آل الرشيد و قبائل شمر في إمارة حائل ، أو مناطق نفوذ الأشراف في الحجاز ، أو في المنطقة الشرقية .
نظرة للحاضر اليوم ، و مع إصطحاب تلك الخلفية التاريخية في الأذهان ، سنجد اليوم آل سعود أصبحوا هم أصحاب الكلمة في يمن اليوم ، و تلاشى أي ذكر لمصر و دعمها للجمهورية ، و وقع الرئيس اليمني الحالي على إتفاق الحدود كما رسمها آل سعود ، و هو توقيع لم يجرؤ على الإقدام عليه أي حاكم يمني سابق ، إمام أو رئيس .
إذا كان الماضي مضى إلى غير رجعة ، و تكاليف أخطائه تدفع لليوم ، و لكن هناك فرصة الأن تلوح منذ عدة أعوام لتصحيح بعض الخطأ الذي وقع ، فها هي الأدلة على أن حلم الإمامة الزيدية لم ينطفىء تماما ، مع الصحوة الحوثية في صعدة بشمال اليمن ، و التي تتجدد أحداثها من فترة لأخرى ، تلك الصحوة التي تزعج بالتأكيد آل سعود ، فرصة لو إستغلتها مصر ، لردت الكيل السابق ، و لورطت آل سعود في أرض اليمن ، التي سبق و أن غصنا فيها لركبنا ، و لشغلناهم بالتالي عن مسيرتهم لبسط السيطرة على مصر و المنطقة .
أما عن الأصوات المرتزقة المتوقع أن نسمعها في مصر ، بأن أي دعم مصري للزيدية سيكون زيادة لنفوذ إيران الشيعية ، فذلك مردود عليه بأن من يقول مثل هذا إما إنه يجهل ، أو يتجاهل عن عمد و لسوء نية ، الإختلاف الكبير بين الشيعة الزيدية في اليمن و الشيعة الإثنا عشرية في العراق و لبنان و ايران ، فالشيعة الزيدية لها مرجعيتها المنفصلة تماما عن المرجعية الإثنا عشرية ، و لم يحدث أبداً أن تقاربت مع المرجعيات الإثنا عشرية ، و لها بالتالي فقهها و مفاهيمها المختلفة تماما ، التي تصل إلى درجة التناقض التام مع الإثنا عشرية ، فالزيدية على سبيل المثال تؤمن بأن الإمام يجب أن يكون حي ظاهر للعيان ، من نسل أحد السبطين ، الحسن و الحسين ، و إن الإمامة فقط لمن خرج علناً و شهر سيفه في وجه سلطان الجور ، و لا إمامة لمن قعد في بيته و أرخى عليه ستره و توارى عن الأنظار و دعى لإمامته سراً ، مع جواز وجود أكثر من إمام ، في أكثر من إقليم ، في نفس الوقت ، أي ما يماثل وجود عدة رؤساء و حكام الأن ، كل حاكم يحكم دولة قائمة بذاتها ، و هو إختلاف كبير عن مفهوم الإمامة الوراثية المتسلسلة عند الإثنا عشرية التي تؤمن الأن بإمام حي غائب مختفي عن الأبصار ، هو الإمام الثاني عشر في ترتيب أئمتها ، و هو لديها المهدي المنتظر ، و لا تؤمن – و لم تؤمن أبداً - بجواز وجود أكثر من إمام في نفس الوقت ، مع الكثير من الإختلافات الأخرى ، مثل رفض الزيدية للتقية ، و قبول الزيدية لخلافة الراشدين الثلاثة السابقين على الإمام علي ، رضي الله عنهم جميعاً ، و قبولها بإمامة إمام من غير نسل السبطين ، لو كان يحوز على رضى الأمة رغم وجود نسل السبطين ، و الأحكام الفقهية الزيدية التي تكاد تكون هي فقه الإمام أبو حنيفة النعمان ، مؤسس أكبر مذاهب السنية عددا و أقدمها زمنا ، و الذي تتلمذ علي يد زيد بن علي زين العابدين بن الحسين ، رضي الله عنهم ، مؤسس الزيدية .
إن من سيخلط بين الزيدية اليمنية و الإثنا عشرية في إيران و العراق و لبنان ، هو كمن يخلط بين البروتستانتية و الكاثوليكية ، أو بشكل أدق بين الأرثوذكسية و الكاثوليكية ، في الديانة المسيحية ، و خلطه من المفهوم غرضه ، و بناء على ما سبق يمكن الجزم و التوكيد بأن اليمن لن تسقط في يد إيران ، كما ستروج الدعاية السعودية و المتسوعدة .
إن ما يجب أن يحرك مصر هي مصالحها ، و المصالح الإستراتيجية للأمم لا تنظر للإختلافات الفقهية الدقيقة ، فآل سعود ساندوا ، لغرض في أنفسهم ، الزيدية – التي يكرهونها - في فترة كان من مصلحتهم ذلك ، و تخلوا عنها عندما تحقق لهم كل ما صبوا إليه ، و إذا كان من الضروري إيراد مثال تاريخي قديم للتدليل على صحة الفكرة - كما كان يفعل المؤلفون الكلاسيكيون القدامى ، من العرب و الأوروبيين - فلعل أفضل مثال يُذكر في هذا المقام ، هو الكاردينال ريشيليو ، فريشيليو لا يعدله شخص أخر - في التاريخ الفرنسي – في الإيمان و العمل على توكيد سلطة الحاكم الفرنسي ، في داخل فرنسا ، و النفوذ الفرنسي ، خارجها .
الكاردينال ريشيليو ، و كما هو جلي من لقبه ، و أعني لقب كاردينال ، هو كاثوليكي ، بل هو أحد أمراء الكنيسة الكاثوليكية ، و هو الذي إضطهد البروتستانت الفرنسيين ، المعروفين بالهيجنوت ، حين أقدم على ألغاء مرسوم نانت للتسامح الديني ، الذي صكه هنري الرابع من أجل كفالة الحرية الدينية للبروتستانت الفرنسيين ، و لكنه - أي ريشيليو - و أثناء حرب الثلاثين عاما - بين الكاثوليك و البروتستانت - و التي مزقت غرب و وسط أوروبا ، إختار لفرنسا أن تقف مساندة للإمارات الألمانية البروتستانتية ، في حربها ضد الإمبراطورية النمساوية الكاثوليكية ، لأنه رأى إن إنتصار النمساويين الكاثوليك على الإمارات الألمانية البروتستانتية ، لا يعني إلا زيادة لنفوذ النمسا في أوروبا على حساب النفوذ الفرنسي .
لم يتهم الشعب الفرنسي - المتمسك معظمه بكاثوليكيته ، و الذي سبق أن أرغم هنري الرابع على نبذ البروتستانتية حتى يتمكن من إعتلاء العرش الفرنسي - بالأمس ، و لا اليوم ، ريشيليو بأنه خان الكاثوليكية ، بل ظل الشعب الفرنسي يذكر له وطنيته الحارة ، التي مكنته من أن تكون نظرته الإستراتيجية فرنسيه قبل أن تكون كاثوليكيه .
نحن الأن في موقف أقل سوء من موقف ريشيليو ، حين كان عليه الإختيار بين كاثوليكيته و فرنسيته ، فدعمنا لتحرك المعارضة الزيدية في اليمن لا يأتي إلا لمواجهة النفوذ السعودي المتنامي ، لصالح مصريتنا ، و مصريتنا تشمل الحفاظ على طابعنا الديني المصري المختلف عن النموذج السعودي الجاف ، و الحفاظ على مصالح مصر الإستراتيجية .
على إنه يجب أن نشترط على الحوثيين الزيود ، قبل أن ندعمهم ، أن يحسنوا من سلوكهم ، فيتوقفوا عن إضطهاد أتباع الديانة اليهودية المقيمين في مناطقهم ، و أن ينبذوا – قولاً و فعلاً - أي أعمال توصم بوصمة الإرهاب ، و أن يطوروا حركتهم لتتحول من حركة طائفية محدودة المطالب و النطاق ، لتصبح حركة للحرية و العدالة لكل اليمن ، فيعلنوا عن ميثاق لهم منسجم مع قيم الإنسانية ، يكون هو الإطار الذي يحدد معالم حركتهم ، و أن يعلنوا أن هدفهم هو مصلحة كل اليمنيين على إختلاف أديانهم و طوائفهم ، و أن مسعاهم بحق هو تأسيس دولة العدالة ، و العدالة تشمل الفرص و الحقوق المتساوية لكل اليمنيين ، فيكونوا هم نواة النضال من أجل الحرية و العدالة التي تتجمع حولها قوى المعارضة اليمنية الأخرى التي سئمت الفساد و الكبت الحاليين .
لقد جاءت الفرصة لرد صاع اليمن صاعين ، هذا مع آل سعود ، و لمد يد العون للشعب اليمني مرة ثانية بالبدأ في المرحلة الثانية من المشروع الذي بدأ الستينات ، و لكن بوجه أخر لا يضر بالمصالح المصرية ، و لكن الخطوة الأولى يجب أن تبدأ في مصر ، بإستعادة الشعب المصري لمصره أولاً .

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسنية
بوخارست – رومانيا


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=12629