تصوراتنا لإتحاد المتوسط ، السفر و العمل و التجارة

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسنية               Wednesday 25-06 -2008

نجح ساركوزي في خلق حمى المتوسط ، أو إتحاد المتوسط ، خلال ربيع و بداية صيف هذا العام ، و لكن هذه الحمى لا يجب تنسينا سؤاله عما قدمه خلال أكثر من عام بقليل لهذه الفكرة ؟ فإذا كانت بالفعل هناك جهود بُذلت خلال العام الذي إنصرم من فترة رئاسته ، فإننا نرغب – كمتوسطيين – في معرفة تلك الجهود ، و إذا كان هناك تصور مبدئي ، و أخر نهائي ، لهذا الإتحاد ، فإننا لنا الحق في الإطلاع على تلك التصورات ، فمنذ الأن عليه أن يتعامل معنا ، نحن شعوب جنوب و شرق المتوسط ، مثل شعوب شمال المتوسط ، و الشفافية هي أول أسس التعامل السليم .

كفى مخاطبة للحكام ، نريد مخاطبة للشعوب .
الحديث يجري فقط عن إتحاد متوسطي ، و لكن ما هي الأهداف الحقيقية للإتحاد ؟

ما هي التصورات المرسومة في الذهن الفرنسي الرسمي لهذا الإتحاد ؟ و هل تلك التصورات سوف تعود بالفائدة على المواطن المتوسطي عموما ، و على المواطن جنوب و شرق المتوسط خصوصا ؟ فنحن لا نريد إتحاد نظري سياسي ، بل عملي .

على العموم إذا كانت الأهداف و التصورات الرسمية المتعلقة بهذا الإتحاد لازالت خافية ، أو بقول أكثر تخفيفا ضبابية ، فإن للمواطنين المتوسطيين جنوب المتوسط ، تصوراتهم و أهدافهم لهذا الإتحاد ، و أود هنا أن أطرح بعضا منها :

أولاً حرية تنقل الأفراد : لا يوجد إتحاد حقيقي – و أكرر حقيقي - لا يسمح بحرية تنقل مواطني الدول العضوة به ، و لا يوجد إتحاد حقيقي تكون له القدرة على الديمومة يضع قيودا صارمة على تنقل قطاع ضخم من مواطنيه بينما يتمتع بتلك الحرية قطاع أخر ، فبينما يحق لمواطني المتوسط الأوروبيين الدخول بحرية شبه مطلقة لبلدان جنوب و شرق المتوسط ، تضع بلدان المتوسط الأوروبية القيود الثقيلة التي تغلق حدودها في وجه مواطني جنوب و شرق المتوسط .

لقد رأينا كيف تعامل الإتحاد الأوروبي مع سويسرا بشأن إتفاقية حرية التنقل ، حين أصر الإتحاد الأوروبي على ضرورة قبول سويسرا لحرية سفر جميع مواطني الإتحاد الأوروبي لسويسرا ، و رفضه التام لأي محاولة سويسرية لإستثناء مواطني دولتين فقط من سبعه و عشرين دولة من هذا الحق ، و أعني بلغاريا و رومانيا ، بالمثل – نحن مواطني المتوسط الجنوبيين و الشرقيين - نريد حرية متساوية ، تضعنا على قدم المساواة مع مواطني شمال المتوسط ، فلا للإستثناء ، فلا إتحاد يقوم على التمييز .

ثانياً حرية حق العمل : حق العمل يعد جزء ضروري مكمل لحرية تنقل الأفراد ، لهذا يجب أن تصبح أسواق العمل في بلدان المتوسط مفتوحة لجميع مواطني المتوسط ، دون أن يعني هذا الحق التخفيف من درجة جودة العمل ، لهذا يجب أن يتم توحيد كافة شروط ممارسة أي مهنة ، من الناحية الفنية ، في كافة دول الإتحاد ، و أول تلك الشروط توحيد الإختبارات الضرورية للممارسة المهنة الواحدة في كل دول إتحاد المتوسط ، فمثلا كمصريين يحق لنا أن نطلب أن يكون أي طبيب مصري - حتى لو كان يمارس مهنته في مصر - في نفس المستوى الفني لنظيره الفرنسي .

ثالثاً حرية التجارة : تتمتع جميع دول شمال المتوسط بحقوق تصدير بضائعها لمصر – أكبر بلدان جنوب المتوسط سكانا – فلماذا لا يتمتع بهذا الحق المنتج المصري ؟ نعم إتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوروبي تسمح بتصدير المنتجات المصرية الغذائية المصنعة – على إختلاف درجة التصنيع – ولكن ما نريده هي حرية مطلقة للتجارة ، تسمح بدخول المنتجات الزراعية المصرية الخام أيضا ، فالمزارع المصري يجب أن يكون له نفس حقوق الصناعي المصري ، و نفس حقوق الفلاح و الصناعي الفرنسي .

نريد حرية إنتقال للبضائع المصرية على إختلافها لأوروبا المتوسط ، مثلما نقبل بحق إنتقال البضائع المتوسطية الأوروبية لمصرنا بحرية تامة ، ولكن في إطار معين يأتي الحديث عنه في النقطة التالية .

رابعاً إشتراطات صناعية و صحية و بيئية موحدة : حرية التجارة بالتأكيد لا تعني فوضى أو تغاضي عن الإشتراطات الصحية و الصناعية و البيئية ، فنحن كمصريين لا يصح أن ننتقد فرنسا أو أسبانيا لو إنهما – على سبيل المثال – رفضتا دخول شحنات لمنتجات مصرية غذائية تحوي بقايا مبيدات مسرطنة أو أنواع من البكتريا الخطرة أو ملوثة بسموم فطرية ضارة ، و بالمثل لا يجب أن نقبل كمصريين دخول منتجات أوروبية تهدد الصحة و البيئة المصرية ، و خوفا من أن تصبح تلك الإشتراطات وسيلة للتضييق على حرية التجارة المتوسطية ، و حصان طروادة لتفريغ حرية التجارة من مضمونها ، فمن الضروري أن تصبح الإشتراطات الصحية و البيئية و غير ذلك موحدة في كافة ضفاف المتوسط ، و لتكن تلك الإشتراطات هي نفس إشتراطات الإتحاد الأوروبي ، و تصبح كافة دول إتحاد المتوسطي ملزمة بتطبيقها على مناطق سيادتها ، و على كافة المنتجات ، أكانت للتصدير أو للإستهلاك المحلي ، فصحة المواطن المتوسطي المصري لا يجب أن تكون أقل أهمية من صحة المواطن المتوسطي الفرنسي ، و البيئة المصرية ليست بأقل أهمية من البئية الأسبانية مثلا ، فنحن لا نريد لمصر أن تغدو هي موطن الصناعات القذرة ، الملوثة للبيئة ، كصناعات الأسمنت و البتروكيماويات و الأسمدة ، لتصبح أوروبا نظيفة على حساب مصر ، و لا نريد للمواطن المصري أن يأكل القاذورات و المسرطنات كما يحدث الأن ، بينما نظيره المتوسطي الأوروبي يتمتع بالطعام الصحي كماً و جودة .

نحن نريد بيئة نظيفة و مواطن سليم معافى على جميع ضفاف المتوسط ، بلا تمييز .

خامساً الجمارك و الضرائب : حرية التجارة التي نعنيها تعني ضرورة رفع كافة أنواع الجمارك و الرسوم الضرائبية على إنتقال السلع بين دول الإتحاد المتوسطي ، فالمواطن المتوسطي له الحق في الوصول للسلع بأقل كلفة ممكنة ، خاصة في ظل الإرتفاعات الجنونية للأسعار .

كذلك فإنه يجب توحيد كافة أنظمة الضرائب في دول الإتحاد - و أشدد على كلمة كافة - فضرائب الدخل يجب أن تكون متساوية ، و التأمينات كذلك ، و ضرائب المبيعات و الإرث و غيرها من الضرائب ، كذلك نظم التحصيل ، يجب أن تكون موحدة .

هذه بعض تصوراتنا ، او بالحري بعض مطالبنا كشعوب ، لإتحاد المتوسط ، ليكون بالفعل إتحاد بين الشعوب ، و ليس مجرد إتحاد تعاوني بين أنظمة حاكمة ، أو نادي للحكام ، مثل جامعة الدول العربية .

بوخارست – رومانيا

23-06-2008


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=12737