الدِّينُ السماويُّ واحدٌ ... لا أدياناً

محمد راجح دويكات               Saturday 19-07 -2008

الحمد لله رب العالمين
" وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ {81} فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {82} " 3 .
لقد اخذ الله سبحانه ميثاق النبيين كلِّهم ومنهم محمد ( سلام الله عليهم ) انْ يؤمنوا بالرُّسل ( وهم أعلى رُتبةً في السُّلّم الوظيفي من النبيّين ) وأن يوقنوا بأحدث رسالةٍ مكتوبةٍ وصلتهم جاء بها رسول ، فصار بها رسولا بعد أن كان نبيا. واحدثُ رسالاتِ الله المُنزّلةِ تنزيلا هي القرءان الكريم المحفوظ الذي نزّله الله سبحانه بالحق على رسوله الامين خاتم النبيّين مصدقاً لما قبلَه من الكتاب جُملةً ، ومُهيمناً عليه تفصيلا ( بوصفه الطَّبعة الآخِرةَ من كتاب الله المُوَجّهةَ إلى كُلِّ البشر رحمةً للعالَمين ) بحيث يُرجَع إلى القرءان عند الخلاف فيه كما بيّنّا في أكثر من مقال غيرِ مسبوقٍ على الشبكة:
" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ {76}‏ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ {77}"27
" وما أنزلنا عليْك الكتابَ إلاّ لتُبيِّن لهُم الذي اختلفوا فيه وهدىً ورحمةً لقومٍ يُؤمِنون {64} " 16

وقد تكرر وعدُ الله سبحانه مرتين ان يُظهر دين الحق الذي ارسل به رسولَه على الدين كلِّه ( ولم يقُل على الأديان) أي على كل طبعات الدين السماوي قبله " 33/9 ، 9/61 " وشهد سبحانه على هذا الوعد في مرةٍ ثالثة اقترب تحقُّقها بإذن الله لِخير البشر " 28/48 " ، كما حدَّد الله سبحانه هذا الدين الحقَّ بانه الكتاب الذي اكمل اللهُ سبحانه كلماتِ اياته " 3/5 " سَنة/ 632/ م على أن لا يكتمل فهمُها وبيانها كلِّها طالما لم تكتملْ الحياة " 24+25 /14 " . وهذا هو سرُّ الإعجاز العصري الدائم في القرءان الذي انشغل عنه المسلمون بمرويات تراثية هم كتبوها بأيديهم لم يُنّزل الله بها سلطانا أيْ كتابا ، فلم تنفعهم في الدنيا ، ولن ولن ولن تنفعهم في الآخِرة !!

" أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ {156} فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {157}" الصافات . أيْ بحُجَّةٍ بالغةٍ مكتوبة في كتاب بشرط أن يكون هذا الكتاب من عند الله يقينا . وبهذا المفهوم تحدى الرسول الكريم المشركين الذين كفروا بكتاب موسى وبالقرءان أن يأتوا بكتاب من عند الله نزل بعدهما ليكون أهدى منهما . وعندئذٍ سيتّبعُه ( وهو ما لم يكن ولن يكون ، بل إنّ أحداً لم يدَّعِ مجرّد ادعاءٍ أنه نزل عليه كتاب من السماء بعد القرءان ) :
" قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {49} " القصص

فاذا كان الدين هو الاسلام " 19/3 " لله سبحانـه باتباع احسنِ ما أُنـزل الى البشر مـن ءاياتِ ربهم وكلماته ( وهو ما نـاسب فَهْمُه الواقعَ المتجدد فكان نافعا للناس ) " 55/39 " . فان كل شرائع الله تعالى التي أنزلها بكلمات منه منذ ابراهيم هي في وقتها إسلام ، بل انه هو الذي سمّى المؤمنين بالله تعالى مسلمين ( مع أنّ نوحا كان من المسلمين) :

1. " ... إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ {131} " البقرة/2 .

2. " ... مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ... " 78/22 .

3. "وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ {132} " البقرة/2 .

4. وكان لوط عليه السلام من المسلمين " فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ {36} " الذاريات /51

5. " وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ {84} " يونس /10 .

6. " ... لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ {90} " يونس /10 .

7. وقد كانت الدولة التي اقامها انبياء بني اسرائيل داوود وسليمان ( دولة اسلامية ) دعوا فيها الناس الى الاسلام :

8. " قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ {29} إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {30} أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ {31} " 31/27 .

وقصة ملكة سبأ هنا هي من أساسات المدرسة السياسية الاسلامية ، غفل عنها المسلمون حتى وصلوا إلى هذا الحضيض . ( أُطلب بحث الربانية المتجانسة في مقابل الديموقراطيات المتشاكسة على الشبكة ) .وحينما اسلمت ملكة سبأ ، علمت ما لا يعلمه كثير من الناس اليوم : أن الاسلام ( وهو اتّباعُ أيْ تتبُّعُ آيات الله المتعلقةِ بالموضوع لتطبيقها على الواقع ، فإذا انطبق فهْمُها عليه نفعت الناسَ ) انما يكون لله فقط .

9. " ... قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {44}‏ " النمل/27 .
ولم تقل اسلمت لسليمان مع كونه نبيا !! ذلك ان سليمان نفسه عليه السلام عرف انه كان مسلماً لله فقال " ... وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ {42} " النمل/27

10. وكان عيسى عليه السلام يدعو الناس الى الاسلام . وستظهر حين تُنشرُ شهادتُه بذلك مع شهادةِ الحواريين قريبا باذن الله تعالى لتُزلزل العالَم !! ( أطلب مقال : نبوءة تكليم المسيح الناس في المهد كهلا على الشبكة )
" ... قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {52}‏ " ال عمران /3 .

فقد أوحى الله إلى الحواريين أن يُصوِّبوا قول المسيح ( أنصاري ) لتكون ويكونوا ( أنصار الله ) حتى إذا تُوفي المسيح انتقلت النُّصرة إلى مَن يأمر الله بنُصرته بعده . وبذلك وضع الله سبحانه أساس العمل المُؤَسَّسي في الاسلام الرباني الحق الذي لا يتأثر بموت فرد حتى لو كان رسولا أو نبيا . وبمِثل هذا أمر اللهُ الذين أمنوا وفي سورة الصفّ إذا أرادوا أن يظلوا صفّا واحدا " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ..." 14 .ولم يُدرك هذا المفهومَ – كما وصلنا في المصادر التاريخية – من أصحاب الرسول الكريم الذين صُدموا بوفاته إلاّ أبو بكر الصِّدّيق ، ثاني اثنين إذ هما في الغار ، الذي قال كلمة لو بقيت في ذاكرة المسلمين من بعده لَما كنا في ما نحن فيه من الضلال الذي يعكسه سوءُ الحال: ( مَن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت !!! )


وبذلك نرى انه لايصح ان نـقول ( اديـان سماوية ) اذ ليس هناك الا ديـن سماويٌّ واحد سماه الله سبحانه " الاسلام " فهو ( دينُ الله ) و( دينُ الحق ) مذ نزل من عند الله دين ، لكن بطبعات متتاليةٍ راعت كل طبعة منها مستوى المخاطَبين وواقعَهم ، حتى اذا بلغت الانسانيةُ بدايةَ مرحلة النضج نزلت الطبعةُ الآخِرة من " الدين " وهي كتاب الله القرءان على خاتم النبيين محمد ( عليهم السلام ) ليكون هذا الكتاب بنَصِّه بُنيانا ثـابتا معجزا لا يتغير ، وبفَهْمه " تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ" يتغير!! مَـن آمن به فقد آمـن " بالله ورُسِله " أيْ " بِالْكِتَابِ كُلِّهِ " لان القرءان الكريم هـو مُلتقى " الله ورسله " : اذا اردت ان تسمع قول الله سبحانه او قول أي رسول من رسله يقينا ومنهم جبريل فاقرأ القرءان .

وهذا هو مفهوم قول الرسول الكريم الذي وثقه الله سبحانه قرءانا لا ريب فيه " ... قُلْ هَـاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكـْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْـرُ مَن قَبْلِي بَـلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْـحَقَّ فَـهُم مُّعْرِضُونَ {24}‏ " الانبياء . نعم ! مُعرِضون إعراضَ البشر وأوَّلهم المسلمون اليوم عن حقيقة أن القرءان العظيم فيه خبر الرسول النبي الكريم ومَن معه يقينا ، كما فيه خبر مَن قبله لا ريب فيه . فما حاجتنا إلى غيره وقد كفانا الله به !!!
" أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " 51/29

فمن هُم اليومَ وَرثةُ دِينِ الله السماويِّ الحقِّ ( الإسلامِ ) مِن الطوائفِ الثلاث متعددة المرجعيات المتشاكسةِ التي تدّعي كُلٌّ منها أنّ أتْـباعها هم أصحاب الدين الحق بينما نجد كُل طائفة منها " مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ {32} الروم ؟؟؟!!!

إنّ الدين السماوي الصادرَ عن إله واحد هو الربُّ الواحد لا يمكن إلاّ أن يكون ديناً واحدا بمرجعيةٍ نصِّيَّة واحدة هي كلمات الله الثابتة . فإذا تُرجِمت أو فُسِّرت لم تَعُد كلمات الله بل قد تكون فَهْما لها متغيراً لأنّ الواقع يتغير . وفي هذه الحالة ستكون الأفهام متقاربةً لا متناقضةً ، لكن يحكمها النَّص الثابت. إنّ مِثْلَ هذه المرجعية النصية الثابتة وبكلمات الله نفسها لا وجود لها اليوم – بل منذ أربعة عشر قرنا – إلاّ في كتاب الله القرءان الذي لا يَقبل شراكة من أيِّ كلام آخَر لأنّ مُنزِّله لا يَقبل شريكا . ولأنه الطَّبعة الآخِرة من كُتب الله فقد أدخل الله فيه كل ما ينفع البشر مما أنزله الله على رسله الكرام بما في ذلك ما أنزل اللهُ من التوراة والإنجيل . لذلك كان القرءان هو " الْكِتاب كُلّه " 119/3 الذي يقول الله فيه :
" ‏ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ {31} فاطر

ثم يقرر الله سبحانه انّ ورثة الدينِ السماوي / دينِ الحقّ / هم الذين يورثهم اللهُ هذا الكتاب ممن يصطفي مِن عباده : فمَـن لم ينفع نفْسه والناسَ بهذا الإرث فهو ظالمٌ لنفسه ( راسب ) ، ومَن بادَر – سابقاً غيرَه - إلى قبول هذا الإرثِ إيماناً واتِّباعاً وعملاً صالحاً ينفع به نفْسَه والناسَ كان من السابقين ( الناجحين بامتياز ) . ومَن لم تكن لديه القدرة على السبق والمبادرةِ كان من المُقتصدين ( الناجحين بتقدير متوسط ) . والفُـرَصُ مُتاحَةٌ لكل البشر بالتساوي :
" ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ {32} فاطر
"
محمد راجح يوسف دويكات
نابلس- " الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ " - فلسطين






تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=12889