عرب الحضارة ضد عرب البداوة ، صراع قديم قائم

أحمد محمد عبد المنعم إبراهيم حسنين الحسنية               Thursday 11-09 -2008

لم يسلم تاريخ العرب الداخلي يوما من الصراعات ، و أكثر تلك الصراعات تعد غير ذات قيمة على الإطلاق ، عندما ننظر لها بمنظور القيمة الحضارية ، فهي إما صراعات ذات أسباب إقتصادية بحتة ، كالتقاتل - في الزمن الغابر - على الكلأ و الماء ، أو إنها صراعات عنصرية ، كالصراع العربي الداخلي الشهير ، بين اليمانية و القيسية ، أو ما يعرف أيضا بالصراع بين العرب العاربة و العرب المستعربة ، ذلك الصراع الذي عُرف منذ ما قبل الإسلام ، و أستمر في مصر إلى بدايات النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي ، و أستمر يتسبب في إراقة الدماء في بلاد أخرى ، كما في بلاد الشام ، إلى القرن الثامن عشر للميلاد .

إذا كانت الأمثلة السابقة للصراعات العربية القديمة تثير الخجل الحضاري العربي اليوم ، فإن هناك صراع عربي أخر ، قديم أيضا ، لا يقل ربما قدما عن الصراع القيسي – اليماني ، و إن كان يختلف عنه بأنه أكثر قيمة ، و أرفع مرتبة ، في طبيعته ، و الأكثر أهمية في نتيجته ، و كذلك في كونه لازال يدور لليوم على الساحة العربية ، و أصبحت أدواته ليست السيف و الرمح ، بل الكتاب و وسائل الإعلام ، و منبر المسجد ، على أن ذلك لا يمنع أن أحد أطراف الصراع لازال لا يتورع عن إستخدام القوة لقمع الطرف الأخر في بعض الأحيان .

إنه الصراع بين عرب الحضر و عرب البداوة ، عرب الحضارة و الرقي من جانب ، و عرب البداوة و الجلافة من جانب أخر .

إنه الصراع بين الحضارة و التخلف .

الصراع قديم ، قدم تسرب إشعاعات الحضارة الإنسانية إلى الجزيرة العربية ، قادمة من بلاد الهلال الخصيب ، و فارس ، و الهند ، و المراكز الحضرية اليونانية و الرومانية ، و تعزز ذلك الوجود الحضاري بين العرب بإحتراف قبائل و مجتمعات عربية التجارة ، البرية و البحرية ، بعد أن رأت أن قيمة ما تدره التجارة يفوق بكثير ما يدره الرعي و ما يأتي به النهب ، كذلك بعد أن أدركت أن ثمرة الحضارة تحوي متعة الرفاهية المادية و كذلك متع عقلية .

أدلة وجود هذا الصراع متوافرة في المصادر العربية ، أول تلك المصادر ، و أعلاها قيمة ، القرآن الكريم ، و بخاصة في السور المدنية مثل الفتح و التوبة ، حين بدأ المجتمع الإسلامي في توسيع دائرته ، و بدأ الإحتكاك بين عرب الحضارة التجارية المكية ممثلين في المهاجرين و معهم عرب الحضارة الزراعية ممثلين في الأنصار ، من جانب ، و عرب البادية ، من جانب أخر ، و الذين لم ترتق عقولهم إلى درجة الإيمان الحقيقي بعقيدة .

على إننا لا نعدم إشارة قرآنية كريمة هامة في أحد السور المكية ، و أعني الآية مائة من سورة يوسف ، و فيها يعدد يوسف ، عليه السلام ، نعم الله عليه و على آل يعقوب ، فيذكر مع خروجه من السجن قدوم أسرته من البدو ، أي من حياة البادية و الترحال ، إلى حياة الإستقرار و الحضارة ، في مصر .

الإشارة اليوسفية القرآنية الكريمة السابقة ، و التي تدل على أن النظرة إلى البداوة ، هي نظرة دونية ، هناك ما يدعمها من السيرة النبوية المشرفة ، فأثناء غزوة حنين - و التي شارك فيها من الجانب الإسلامي الكثير من طلقاء قريش ، الذين أسلموا بعد فتح مكة مباشرة – و حين كانت الغلبة لقبائل هوازن في اللحظات الأولى للمعركة ، حدث أن هرع أحد هؤلاء الطلقاء ليبشر أخيه صفوان بن أمية ، أحد سادات المجتمع القرشي و أحد الطلقاء أيضا ، فكان رد صفوان على أخيه : فض الله فاك ، أتبشرني بغلبة الأعراب .

الإسلام - كما هو واضح من مجريات الحادثة - لم يكن قد تسرب بعد إلى قلب صفوان و أخيه ، و رغم أن هزيمة المسلمين كانت تسرهما ، إلا إنه كان هناك رفض من الأخ - الأكبر سنا و مقاما - أن يأتي النصر على يد من هم أقل منزلة حضارية منهم ، فالمهم لدى صفوان – في تلك اللحظة –هو ألا ينتصر عرب البداوة على عرب الحضارة ، ألا ينتصر التخلف على الرقي ، لقد كان على إستعداد أن يشهد نصر أخر لمحمد ، صلى الله عليه و سلم ، و لكن المهم ألا ينتصر هؤلاء الأجلاف .

في عُجالة أورد أمثلة أخرى ، فهناك أيضا حديث نبوي شريف ، ينهي أهل الحضارة عن العودة للبداوة ، كما أن التاريخ الأدبي العربي ، و بخاصة في العصر الأموي و كذلك في العصر العباسي الأول ، يذخر بهجو عرب الحضارة لأهل البداوة ، و يحضرني حادثة تعيير النوار ، زوجة الشاعر الشهير الفرزدق ، لزوجها الفرزدق ، حين تزوج بأخرى بدوية ، و لا داعي في هذا المقام لذكر التعبير الذي إستخدمته ، رغم أنه يعبر عن الفارق الحضاري بجلاء ، مثلما يؤكد على إستمرارية النظرة الدونية للبداوة في نظر عرب الحضارة ، و التي كان من البديهي أن تتعمق بمزيد من إحتكاك العرب بأهل الحضارات الأخرى في ذلك العصر ، و ما نتج عن ذلك الإحتكاك من تعمق الإحساس بتفوق الحضارة .

إحساس العرب المزدوج بقيمة الحضارة و كذلك التفوق الحضاري للأمم المحيطة بهم ، في العصرين الأموي و العباسي الأول ، كان نتيجته حركة واسعة للترجمة ، كانت جلية في العصر العباسي الأول و كذلك في الأندلس ، نقلت الكثير من تراث اليونان و اللاتين و الفرس و السريان و الهنود ، و تبع ذلك تبني تلك الذخيرة الحضارية ، لتصبح جزء من التراث الحضاري العربي ، و و ليتم بعد ذلك الإضافة إليها بجهود علماء و مفكرين عرب و متحدثين بالعربية .

اليوم ، وفي العصر الحاضر ، و في وقت فقد العرب و المتحدثين بالعربية فيه تفوقهم الحضاري ، نلحظ - و بما يثير الإستغراب و الحسرة و روح التحدي معاً - صحوة للبداوة ، و تمجيد لها ، فمن مهرجانات تقام بشكل سنوي ، و بشكل لافت في أنحاء الجزيرة العربية ، لتجسيد حياة البداوة البائدة تقريبا ، و مسابقات لشعر بدوي يدعي بالنبطي ، إلى صحوة – و ما أشأمها من صحوة - لما يدعى بعلم الأنساب ، وما يجره من عنصرية و تمييز .

الصحوة البدوية هذه لا تمثل خطورة علينا ، لو إنها إنحصرت في من بقى على بداوته ، و لكن الكارثة إنها تلقى دعم الأنظمة الحاكمة و رعايتها الإعلامية ، و ما يتبع ذلك من تصوير النمط العربي البدوي ، على أنه النمط العربي التراثي الوحيد ، في عقول النشء ، ماحيا النمط الأخر من الذهن ، و يصبح التخلف البدوي هو التراث العربي الواجب الحفاظ عليه ، و الذود عنه .

من المفهوم لماذا تدعم بعض الأنظمة الخليجية هذا الإتجاه ، فهي أنظمة تستمد شرعيتها من تراث بدوي قبلي ، و إستمرارية الروح البدوية في العقل الخليجي مهم لإستمراريتها ، حتى لو كان الإنسان الخليجي اليوم يركب سيارة و طائرة بدلاً من الناقة و الحمار ، و لكن من غير المقبول أن تتحول أنظمة في منطقتنا تحكم بلاد عريقة في حضارتها ، كالنظام المصري و غيره ، إلى داعمين لموجة البداوة المتخلفة هذه ، و التي – للأسف – لو لم نتصد لها ، كحضاريين ، فإنها لن تقف عند مهرجانات لسباق الهجن ، و تباري في دعم مسابقات الشعر النبطي ، في منطقة سيناء ، بل ستستفحل لتصل إلى درجة إقتلاع التراث الحضاري الأكثر قيمة ، مثل الأدب المصري الراقي لصالح أدب بدوي ، مثلما ستقود إلى رفض التحديث الفكري و المادي في المجتمع ، و إلى إنغلاق فكري يقود إلى قمع روح النقد و التطور ، فالأجيال التي ستنشء في مصر في ظل موجة البداوة ، ستتصور أن التراث العربي هو التراث البدوي فقط ، و عندها سيكون بالإمكان القول بأن الغلبة أصبحت للأعراب ، أو لهوازن على قريش .

المعركة هي معركة كل حضاري ، حتى لو كانت أصوله بدوية ، فيما مضى ، لأنه لو كان بدوي الأصل ، فعليه أن يحمد الله أن أتى به و بأسلافه من البدو ليستقر في أحضان الحضارة ، كما حمد يوسف ، عليه السلام ، ربه .

الصراع بين الحضارة و البداوة لا يجب أن ينتهي بإنتصار البدوي على الحضري ، بإنتصار النموذج السعودي النجدي البدوي ، على النموذج الحضاري في وادي النيل و المشرق العربي و البلدان المغاربية ، و مدن الحجاز التي عرفت من قديم قيمة الحضارة فتبنتها ، و سواحل الجزيرة العربية العريقة في ميدان التجارة الدولية .

إنه أحد أقدم الصراعات العربية الداخلية ، و أكثرها أهمية ، و هو لازال قائم ، فالمعركة تجري وقائعها لليوم و أمام أنظارنا و بمشاركتنا ، سواء بالصمت ، أو بالمشاركة الفعالة .

دار الترجمة و الكتاب الجاد و موقع الإنترنت التثقيفي و الموسيقى الراقية و الفنون و الآداب الرفيعة و العلوم الحديثة ، يجب أن ينتصروا على سباق الهجن و البشعة و شعر النبط و رقصة السيف ، و حكم القبيلة ، و الأهم على تكميم العقول بالخرافة و جمود الفكر ، فخسارة هذه المعركة ، بشكل نهائي ، سيكون ثمنه فادح للغاية ، و قد تذوقنا ، و لازلنا نتذوق ، منذ عشرينات القرن العشرين مرارة الخسائر التي منينا بها على يد البدو .


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=13401