ثمار الإصلاح و الانفتاح و ثلاثون عاما من النجاح

رضا سالم الصامت               Wednesday 19-11 -2008

عندما زرت الصين عام 1987 كانت في طور البناء و التشييد و عاودت الزيارة عام 2005 و عشت في الصين أياما حلوة حيث واكبت التغيرات و نجحت و أبهرت العالم لما تحقق من منجزات و مشاريع حدثت بسبب الإصلاح و الانفتاح.
كانت" تجربة جديدة " من الإصلاح والانفتاح ، التي كلما ترسخت كلما خلصت الصين من الانغلاق والتقوقع التي هي فيه وسارت بها على طريق التقدم العلمي والتقني بخطى ثابتة لا تتزعزع ..

إننا نحن الذين أتينا من العالم الثالث، وكل من أحب الصين وشعبها ، انتابنا الكثير من القلق والمخاوف .. تساؤلات واستفسارات حول اتجاه سير الصين ومصيرها .. وعما إذا كانت هذه التغيرات بداية الاستسلام للرأسمالية والخنوع لهذا القانون الدولي غير العادل واللامعقول و العولمة ، والانقلاب على الاشتراكية .. وفي المقابل كان المتربصون شرا بالصين يهللون ويصفقون لهذه التغيرات التي ستلحق الصين في ركابهم الرأسمالي مفككة ضعيفة مثقلة بالهموم.. إلا أن سلامة ونجاع السياسة التي رسمها المهندس الراحل دينغ شياو بينغ أثبتت عدم صحة قلق الأصدقاء وتربص الأشرار، حيث ودعت الصين وشعبها الفقر والتخلف وسارت نحو طريق التقدم
البداية كانت صعبة وقاسية .. لقد دفع دينغ شياو بينغ ثمنا باهضا نتيجة أفكاره التقدمية والإصلاحية ، وعانى الكثير في بداية سبعينات القرن الماضي على يد العصابة الرباعية المتنفذة في السلطة والحزب كيف لا وقد جرد من جميع صلاحياته الحزبية اثر مقالته المشهورة التي دعا فيها إلى شحذ طاقات الشعب الخلاقة وكفاءة ومواهب العلماء والمثقفين بعيدا عن التمييز في الانتماء الفكري ، ونادى بشعار كل شيء من اجل رفعة الشعب والوطن ، فلا فرق بين اسود وابيض إلا بالعمل والعطاء ، فمن عمل لذاته خدم الدولة والشعب ، ومصلحة الدولة من مصلحة الفرد والشعب .. الفرد يخدم الكل والكل يخدم الفرد ..
لقد شخص دينغ أحوال الصين الذاتية والأوضاع الدولية بمجهر ثاقب ، واستخلص بأن الاشتراكية لا غيرها هي طريق الخلاص لشعب يعد خمس البشرية بستة وخمسين أقلية قومية ، عانى الظلم والفقر والاضطهاد ، ولدولة مترامية الأطراف عانت ويلات الانقسام والتجزئة والاحتلال الأجنبي طمعا بثرواتها الطبيعية الغنية .. وأوضح بأن الاشتراكية لا تعني الفقر أبدا ، ولا بد من بناء مجتمع اشتراكي يتوافق والأحوال الذاتية للصين -- مجتمع اشتراكي ذا خصائص صينية -- و وضع مفاهيم جديدة في العلوم الاجتماعية وحدد معالم الطريق التي ستسلكه الصين في سياسة الإصلاح والانفتاح .. وأصبحت هذه النظرية ، نظرية الانطلاق من الظروف والأحوال الموضوعية المعاشة ، مقياسا لكل الأعمال والنشاطات الصينية في جميع المجالات ، السياسية والاقتصادية والتقنية والثقافية والعلمية ، وعلى كل الأصعدة الداخلية والخارجية .. فبناء اشتراكية ذات خصائص صينية يتطلب سعة بال و نظر " الاصلاح " واسعة النطاق لاستكمال وتطوير النظم والقوانين القائمة بما يضمن ديمومة التنمية الاقتصادية والتطور الاجتماعي .. فكلما تواصلت الإصلاحات وتعمقت كلما ازداد النمو والتقدم ، فلا إصلاح دون تنمية ولا تنمية دون إصلاح .. كما ان الإصلاح لا يستطيع التقدم على عجلة واحدة ، فعجلته الثانية هي الانفتاح الهادف الى جذب التكنولوجيا الأجنبية المتقدمة وكسب التجارب الإدارية والنتائج الثقافية للدول الأخرى بما يعزز القوة الوطنية الشاملة للصين .. فالإصلاح يشكل قوة دفع للانفتاح ، بينما الانفتاح يشكل حافزا للإصلاح ، فلا يمكن فصلهما عن بعضهما .. كما يشكلان سويا شرطا لتحقيق اشتراكية ذات خصائص صينية ..

إن عملية الإصلاح والانفتاح عملية إبداعية لم يشهد التاريخ مثيلا لها ، وعملية محفوفة بالمخاطر والمشقات ، وغير محكومة بفترة زمنية ، إنها عملية متجددة لا نهاية لها..الجديد منها يحل مكان القديم .. خاصة وان الصين الجديدة ، وبصفتها دولة اشتراكية، ورثت أسلوب البناء الاقتصادي عن الاتحاد السوفياتي السابق ، متخذة من الاقتصاد المخطط كأساس وإدارته مركزيا .. فعلى ضوء نظرية دينغ ، دشنت حركة الإصلاح صفحتها الأولى فى المجال الاقتصادي وفقا لما ظل ينادي به ويؤكد عليه في الأطر الحزبية والتنمية لها " الأولوية المطلقة " ..

أمام ذلك دعا دينغ الى العمل على تكريس وتطوير ما هو صائب ونبذ ما هو خاطئ .. وطرح بشجاعة فكرة إمكانية تطبيق اقتصاد السوق الاشتراكي ، مؤكدا ان فكرة وجود اقتصاد السوق في المجتمع الرأسمالي فقط غير صحيحة تماما ، متسائلا عن سبب عدم تطبيق اقتصاد السوق في المجتمع الاشتراكي ؟" .. على ضوء هذه الأفكار الخلاقة انطلق قطار الاقتصاد الصيني بسرعة صاروخية من محطة نائية و فقيرة ، وبالتحديد من قرية ، أو ضيعة شين جين ، تلك القرية الصغيرة النائية التي تعيش على صيد الأسماك في جنوب الصين مقابل جزيرة هونغ كونغ ، حيث أدرجها دينغ عام 1980 فى عداد المناطق الاقتصادية الحرة للاستفادة من الميزة النسبية التى تتمتع بها جيوغرافيا ، فراحت تطبق السياسات التشجيعية حتى عادت مضرب المثل عل نجاع سياسة الإصلاح والانفتاح ، ونموذجا حيا للتقدم الاجتماعي الازدهار الاقتصادي والتقني ، وعلى اثر التجارب والانجازات التي تحققت تم توسيع المناطق الاقتصادية الحرة المنفتحة على العالم الخارجي لتشمل أربع مدن ساحلية ، ومن ثم أربعة عشر مدينة ، وهكذا انطلقت عملية الإصلاح و الانفتاح من مدينة الى مدينة ومن منطقة الى منطقة ، حيث ابتدأت في المدن الساحلية وامتدت واتسعت الى داخل البر الصيني وصولا في نهاية المطاف الى بناء نظام اقتصاد السوق الاشتراكي .. وبذلك أصبح بناء وإكمال نظام اقتصاد السوق الاشتراكي هدفا لإصلاح الاقتصاد الصيني . فأطلق العنان للمنافسة الايجابية والحث على تحرير الأفكار لخلق مفاهيم جديدة للتنمية .. ومن ناحية أخرى ، الصين وكونها دولة زراعية يشكل الفلاحون فيها الأكثرية السكانية ، اهتمت في وقت مبكر وبشكل خاص في عملية إصلاح النظام الزراعى حيث تم تحويل نظام الإنتاج الجماعى الى نظام التعهد العائلى ، الأمر الذي ساعد على تجيد ملامح الأرياف وحيويتها ، وأعاد بالخير والمنفعة الكبيرة على الفلاحين ورفع مستوى حياتهم المعيشية . بذلك أثبتت الممارسات الواقعية إن طريق الإصلاح والانفتاح هو الطريق الواجب سلوكه في تقوية البلاد ونهضة الأمة و اغناء الشعب ، فدخلت قلوب المواطنين وعادت تيارا لا يقاوم ..

عملية الإصلاح والانفتاح لم تكن بعملية اعتباطية ، بل نظرية إبداعية غير مسبوقة واضحة المعالم والإبعاد والنتائج ، مبرمجة ومصممة بدقة وشمولية بما يتفق والمعطيات المحلية والدولية .. إلا أن البرمجة والتصميم بحاجة إلى تطبيق وتنفيذ سليمين ، من هنا تأتي الصعاب والمخاطر ، وليس فقط من صحة النظرية أو عدمها .. إنها أشبه بالصعود إلى قمة جبل شاهق ومتعرج ماثل أمامنا وواضح وضوح الشمس ، كجبل جينغ كان شان أو تاي شان مثلا ، بحاجة إلى توفير كل مقومات الوصول إلى القمة على الرغم من تضاريسه الصعبة والمعقدة .. وليس بعملية مقامرة ، كما شبهت بنفق مظلم غير معروف المعالم والمخاطر وعدم الوضوح في إمكانية الوصول إلى نهايته .. من هنا جاءت نظرية دينغ التي شبهت العملية كمن يريد قطع النهر .. فعادة ما تكون الحجارة في قاع النهر لزجة وسهلة التعثر عند تجاوزها ، دعا دينغ إلى تثبيت القدم الأولى على الحجر بشكل مستقر لتكفل تحمل ثقل الجسم كله عند نقل القدم الأخرى لتلامس الحجر الذي يليه وهكذا دواليك .. أو شبه العملية بالصعبة كسور الصين العظيم مثلما قال عنه الزعيم الراحل ما لسنا رجالنا إن لم نستطع صعود السور و فعلا فقد استطاع الشعب الصيني أن يسير بخطى ثابتة وموزونة في طريق التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي .. فبعد كل فترة من الفترات ، أو انجاز من الانجازات ، تجرى عملية فحص لايجابياتها وسلبياتها ، ويتم تعزيز وتطوير ما هو ايجابي ونبذ السلبيات والتخلص منها ..

يمكن ملاحظة مجمل الخطة التنموية الصينية و أهدافها من خلال خطة " المراحل الثلاث" لإستراتيجية التنمية الاقتصادية وأهدافها التي طرحها المؤتمر الوطني الثالث عشر للحزب الشيوعي الصيني بصورة واضحة في أكتوبر 1987 :

المرحلة الأولى : عقد الثمانيات ، التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي ، حيث حققت الصين مضاعفة لإجمالي الناتج المحلي GDP، وحلت مشكلة الكساء والغذاء للشعب الصيني. الذي يشكل خمس البشرية ..

المرحلة الثانية : عقد التسعينات ، حققت مضاعفة أخرى لإجمالي الناتج المحلي ، وحققت حياة رغيدة للشعب الصيني...

المرحلة الثالثة : تمتد حتى أواسط القرن الحادي والعشرين، حيث سيصل نصيب الفرد الصيني من إجمالي الناتج المحلي فيها إلى مستوى الدول متوسطة التطور، بما يمكن الشعب الصيني من العيش حياة غنية نسبيا، ويتحقق تحديث البلاد بشكل أساسي ..
" بناء مجتمع متناغم و غني متكامل " ..

هذا وقام المؤتمر الوطني الخامس عشر للحزب الشيوعي الصيني الذي عقد في ديسمبر عام 1997 بزيادة توضيح هدف المرحلة الثالثة المذكورة : خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ينمو إجمالي الناتج المحلي الصيني بضعف واحد بالمقارنة مع عام 2000 ، ويتضاعف مرة أخرى في العقد الثاني ( 2020 ) عما سيصل إليه في العقد الأول .. وبذلك يصل إلى 4000 مليار دولار أمريكي ، وسيبلغ متوسط نصيب الفرد منه 3000 دولار.. ويعيش يومها الشعب الصيني عيشة أكثر ثراء ورفاهية، ويتم إقامة نظام إقتصاد السوق الاشتراكي المتكامل نسبيا. وبالجهود الجادة المبذولة في العقد الثاني من القرن الحالي يبدأ الاقتصاد الوطني الصيني ينمو بشكل أسرع وأفضل كما ستشهد مختلف الأنظمة مزيدا من التحسن والاستكمال . وفي عام 2050 يتحقق تحديث البلاد بشكل أساسي، وتصبح الصين حينئذ دولة إشتراكية ديمقراطية قوية وحضارية . بينما المؤتمر الوطني السادس عشر للحزب الشيوعي الصيني الذي عقد في نوفمبر 2002 قد أكد على ضرورة تطبيق خطة " المراحل الثلاث " بصورة صحيحة و حشد كل الإمكانيات المتاحة لبناء مجتمع صيني ميسور متكامل ينعم بخيراته مليار ونصف المليار نسمة من ابناء الشعب الصينى في كنف دولة اشتراكية حديثة وغنية و ديمقراطية وحضارية ..


رضا الصامت تونس


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=13865