رؤية سياسية: ( الديمقراطية المُطوّبة) بساطا أحمر للأحزاب المهيمنة في العراق...أما (الديمقراطية التوافقية) فهي بوابة فساد الأحزاب نفسها!!

الكاتب والباحث سمير عبيد               Saturday 24-01 -2009

هناك بديهية ونتيجة وخلاصة ثابتة ،فعندما لا تنصاع القوى السياسية الفاعلة لطلبات القوى المجتمعيّة ( الجمهور) فحينها ستفقد لصفتها التمثيلية، ويختل توازنها، أما بالنسبة للدولة وبهكذا حالة فهي تقضي على أول شرط من شروط وجود الديمقراطية، والذي هو الحد من سلطتها وأن هذا الرأي أو الاستنتاج يؤشر على الفساد في الدولة والحكومة.
فالديمقراطية وعندما تكون تمثيلية، أو بما يُطلق عليها ( توافقية) فهي الأقرب إلى الفساد، وقطع الطريق على القوى المجتمعية ، فالمفروض بالأحزاب والقوى السياسية أن تكون في خدمة مصالح مجتمعية، أي بخدمة الشعب والمجتمع ، ولكن في حالة الديمقراطية التوافقية تصبح الأحزاب في خدمة نفسها ، وبدون أن نذكر هنا فساد الأشخاص ( المسئولين) والذي وصل إلى درجات فلكيّة وديناصورية!!

وللعلم.... فأن أخطر أنواع الفساد هو الذي مورس و يمارس في العراق ،ومنذ التاسع من نيسان / أبريل عام 2003 ولغاية يومنا هذا ( وهنا لسنا بصدد الكتابة عن مرحلة النظام السابق كي لا يجرنا أحدهم إلى موضوع آخر) فالفساد الذي هو في العراق يمكّن الأحزاب السياسية من مراكمة موارد هائلة ومستقلة، وبالتالي يصبح بوسع هذه الأحزاب والحركات فرض الأشخاص الذين يضمنون الفوز ولخدمتها، ومنذ لحظة قبولهم للترشيح، وضاربة بعرض الحائط لمبدأ اختيار الحاكمين بحريّة من قبل المحكومين!!!.

وهنا.... كيف نتحدث عن الديمقراطية، وعندما تكون الانتخابات فيها قائمة على دور الروتين، والرشاوى، والترهيب والترغيب الديني والسياسي والنفعي؟...

فقطعا سيكون الحديث مجرد هراء، ونوعا من الدجل السياسي. ،

علما أن أساس الديمقراطية هو وجود الأحزاب والحركات المختلفة ، لأن لا ديمقراطية بدون قوى سياسية فاعلة بالمعنى الحقيقي ، ولكن الذي حصل ويحصل في العراق هو تناول الديمقراطية بطريقة الاحتكار التجاري، أي قيام الأحزاب الكبرى التي كونت لها إمبراطوريات ماليّة وعسكرية ومليشياتية بفتح واجهات سياسية وبأسماء مختلفة ( دكاكين) لتوحي للعالم وللأميركيين وللمجتمع العراقي بأن هناك تعددية سياسية!!.

ولكن لو فتشت عن الجهات الممولة والحامية لهذه الأحزاب والحركات والجمعيات الصغيرة والمتوسطة ستجدها الأحزاب السياسية الكبيرة والمهيمنة على السياسة في العراق، وبالتالي أصبحت الديمقراطية في خرج هذه الأحزاب التي صنعت منها غلافا تغلف بها بضاعتهم السياسية ،وعلى طريقة البضائع الإسرائيلية الداخلة نحو العراق ودول المنطقة ،وعندما تبدل أغلفتها الإسرائيلية بأخرى على أن البضاعة قادمة من تركيا والأردن وهولندا وغيرها ، وبهذا قضت الأحزاب العراقية المهينة على الديمقراطية، ولم يبق منها إلا قشورها وعنوانها.

وبالتالي سيفضي الواقع الحالي إلى الفوضى، أو إلى هيمنة الجماعات الاقتصادية الحاكمة، وهنا يصبح تدخل ( الديكتاتور) واردا ، فهناك قاعدة ثابتة ،وهي عندما يتعاظم خطر الأحزاب المُشترّة للديموقراطية ( زورا) يقابله الشروع بتفكك القوى الشعبية والمجتمعية ، وعندها ستُفهم الديمقراطية فهما مؤسساتيا بحتا، أي تصبح ( قوالب) ،وتختزل فتصبح مجرد سوق سياسي منفتح مما يؤدي إلى انحطاطها وتقهقرها ، وسوف يكون هذا السوق خطرا حقيقيا على الدولة والمجتمع، لأنه سيكون بمثابة المصنع الذي سيقدم القادة السياسيين، ومن صنف الذين كنزوا الأموال بفضل الفساد ،والذين سيصبحون من كبار المقاولين في هذا السوق ( السوق السياسي)!!

ولكن رغم التردي السياسي، ورغم انهيار الديمقراطية، والتي لم يبق منها إلا القشور، فهناك فرص للإنقاذ وعندما تكون هناك رغبة لدى الطبقات المجتمعية لتمثيل نفسها ( أي إنقاذ المواطن لنفسه بنفسه!!) أي عندما تقبل اللعبة السياسية، ولكن بقرار الأكثرية، وبما أن عملية الدخول إلى السوق السياسي ( الديمقراطية: وعندما تتعرض للاغتصاب تصبح سوقا سياسيا لمن أغتصبها!!) محرمة أو خطرة على الذين هم من خارج الأحزاب الديناصورية المُشتّرة للديمقراطية زورا ، فهنا يجب تغيير قواعد اللعبة ،ويكون الدخول من خلال التوجهات (الثقافية) والتي سيتقبلها المجتمع ، أي العودة إلى الطريق الذي سلكته الحركات العمالية عندما ناهضت الرأسمالية باسم التقدم والإنتاج، ولكن يجب عدم الانغماس في الثقافة فتتبخر السياسة ، لهذا لابد من برنامج سياسي، لأن تحقيق المصالح الخاصة لابد أن يأتي من خلال المناداة بعدد من المبادئ العامة.

ولكن....

لو طلب من عندنا تقديم النصيحة إلى الحكومة في العراق، أو إلى رجال النظام السياسي القائم في العراق، و على الرغم من قناعتنا بأن نسبة من يسمع النصيحة هي لا تكاد تصل إلى 10%، والسبب لأن معظم السياسيين العراقيين مارسوا ويمارسون العمل السياسي بعقليّة المحتكر، ولهذا فرؤوسهم وعقولهم في حالة استنفار عدائي وتوجسي، والسبب هو الخوف من فقدان الفرص والمنافع والأرباح ،والخوف من فقدان الهيمنة على السوق السياسي في العراق، وبالتالي فالسياسي العراقي لا يأتمن لمن ينصحه، لأنه يظن بأن جميع الأطراف منافسه له ،وتريد أزاحته من السوق السياسي، وهذه هي العقليّة التي تحكم العراق وبنسبة 90% ومنذ التاسع من نيسان / أبريل 2003 حتى يومنا هذا!!

ولكن مع ذلك... سنقول لهم أن الحكم الذي يسعى إلى تبرير أعماله وإضفاء الشرعية عليها ،وعن طريق التذرّع والتعلّل والمسكنة بمتطلبات الوضع وحراجته، وبمتطلبات الوضع الأمني والعملية السياسية يفقد طابعه الديمقراطي حتى لو كان متساهلا وليبراليا... وهنا لن تُفرز حركات مجتمعية صحيّة ونافعة ، لأن بيئة التذرّع غير صالحة لولادة حركات مجتمعية ضاغطة ونافعة،وبالتالي ستكون عملية الإصلاح والتعديل شبه مستحيلة، فالحركات المجتمعية الفاعلة لا تتشكل إلا في المجتمعات الديمقراطية ( وهو ليس تناقضا مع كلامنا الذي ورد في فقرات المقال)!.

لهذا نتوقع ولادة النشاط ( الثوري) في العراق، وأن السبب في هذه الولادة هو حدّة التناقض بين ما يريده المجتمع، وما تفرضه الطبقات السياسية عليه، وفي هذه الحالة سيكون انتصار العقل هو الانتفاض الشعبي ضد الهيمنة ،وأن كانت مغلفة بالديمقراطية الزائفة .

فشعورنا ومن خلال خبرتنا في الملف العراقي ، وخصوصا في الحقبة التي بدأت بعد العدوان الأميركي وفرض الاحتلال ،نعتقد بأن هناك صراعا قد بدأ، أو سباق مارثوني قد بدأ بين النشاط الثوري، ومن يسعى متأخرا في بناء المؤسسات الديمقراطية، وبلغة علم الاجتماع هناك فعاليات تاريخية، أي هناك عملية استبدال في الأماكن بين الذات التاريخية ونظرية التاريخ، وبالتالي أخذت الحرية بالتحرك ورويدا رويدا لتكون بمكان الحتميّة، فلن يكون هناك استسلام أبدي وبنفس الوقت لن يكون هناك انفجار ثوري ما دام الاحتلال موجودا.

وبالتالي فأن عملية هذا الانفجار الثوري أصبحت قريبة نتيجة القناعة التي وصل لها المحتل، وهي استحالة قبول المجتمع العراقي لهذه الطبقات السياسية ،وأنه قد قبلها مضطرا، وكلما بقيت هذه الطبقات في السلطة والحكم فسوف تكون ردة الفعل الثورية والمرتقبة كارثية للغاية وعلى هذه الطبقات ومصالح المحتل الأميركي.

ولهذا تحاول الولايات المتحدة أن تأخذ دور الأطفائي وقبل حدوث الانفجار، ومن خلال التفاهمات التي أجرتها أخيرا مع بعض الدول المجاورة للعراق، وبعض القوى السياسية الحاكمة و المعارضة والمقاومة من أجل ملأ الفراغ للتخفيف من شدة الانفجار الثوري المرتقب في العراق،

وبالفعل شرعت هذه الدول بوضع استراتيجياتها لأجل هذا المشروع، والذي لن يختلف كثيرا عن ملأ الفراغ في لبنان في بداية الثمانينات من القرن المنصرم ،وعندما توسلت الولايات المتحدة بسوريا وبالدول العربية للتدخل في لبنان لمنع الانفجار والحرب الطاحنة، ومنع تقسيم لبنان، وبالفعل وعندما تدخلوا العرب قد انسحبت الأمارات بعد أسابيع وانسحبت الدول العربية المشتركة ،وبقيت سوريا لوحدها وبتشجيع أميركي، ولكن عندما عادت واشنطن لتكون قوية وبأضراس جديدة عادت فحولت سوريا إلى بلد محتل إلى لبنان، وطالبتها بالرحيل وفرضت عليها العقوبات.......!

لذا.. فالمعلومات التي بحوزتنا ومن مصادر رفيعة ( غربية وأميركية) تفيد بأن هناك دولة إقليمية هي الأخرى سوف تكون فاعلة بهذا المخطط ( الأميركي ـ العربي) في العراق ، وحينها ستنقلب التوازنات والتحالفات السياسية في العراق ومن جديد ، ولكن حتى لو تم فرض هكذا مخطط في العراق، أي تعيين النواطير العرب والإقليميين وبدعم أميركي في العراق، فالفضل سيعود بهذه الكارثة الجديدة إلى الطبقات السياسية الحاكمة التي لا تعرف من مستقبلها إلا سويعات نصف يومها.

فالحقيقة هناك تصحّر في الفكر الإستراتيجي والسياسي عند الطبقات الحاكمة في العراق ، وأن هذا التصحّر هو الذي عزز الاحتلال ، وعزز الفرقة والطائفية والمذهبية، والمحاصصة السياسية والحزبية، وهو الذي أفرز المليشيات وعصابات الخطف والسطو، وهو الذي جعل العراق على قائمة الدول الفاشلة عالميا، وهو الذي نسف كرامة المواطن العراقي في داخل العراق وخارجه... بل أن هناك حربا شعواء ضد من يفكّر، وضد من يُبدع ، وضد من يعمل بجد، وضد من يدافع عن مصالح العراق وهموم الناس، وهناك رعب من المفكرين والسياسيين المحنكين والخبراء الإستراتيجيين، فبدلا من الاستفادة منهم يذهبون لتصفيتهم أو تهجيرهم أو خطفهم أو تسقيطهم ، وحتى منع ترويج معاملاتهم أصلا!!!!

فالديمقراطية التي يتشدق بها هؤلاء وليل نهار هي (الديمقراطية المُطوّبة) لأن المنافسة فيها مقتصرة على عدد من الفرقاء الحاكمين الذين ينتمون جميعا إلى النخبة القيادية ، وبالتالي يعاد تطويبها ، ولكن هل ستكون هذه الحالة في قلب الحكمة التي تقول ( رب ضارة نافعة؟!!) لأن فكرة الفئة (المُميّزة) أو فكرة استبداد الأكثرية المكملة لها هما الفكرتان اللتان لم تغيبا عندما وُضع الدستور الأميركي ، وهما الفكرتان اللتان رافقتا التفسيرات الليبرالية في فرنسا، والسبب لأن الأميركان والفرنسيين خافوا من الوقوع في فخ هاتين الفكرتين المنافيتين للديمقراطية.

ولهذا تراهن طبقات المصلحين والوطنيين والوسطيين في العراق على نجاح المجموعات التي طالبت وتطالب بإعادة كتابة الدستور العراقي، مع استحضار هاتين الفكرتين، حتى يخرج الدستور راقيا ونافعا ، ومنقذا للعراق والعراقيين، ويحمي الأجيال وحقوقها ، ويحد من التجاوز والاحتراب والتطاحن ، ومن هنا جاءت ردود الأفعال النارية من قبل الطبقات الحاكمة في العراق وضد من ينادي بكتابة وتعديل الدستور، وهي الطبقات التي خطفت القلم والمصباح والورق فكتبت دستورا على مقاسات أحلامها الطائفية والانفصالية والأستحواذية، وهي التي نجحت ( بتطويب العملية السياسية والديمقراطية لصالحها)، ومن هنا يتمنى 95% من الشعب العراقي أعادة كتابة الدستور العراقي ومن جديد لأن الدستور الذي كتب بـ 6 أشهر تحول إلى كارثة على العراق والعراقيين!!.

والخلاصة:

هناك قلق حقيقي في العراق، وسببه ضعف الروابط بين المجتمع العراقي والطبقات السياسية المهيمنة على العملية السياسية، وأن هذا الضعف يعود لسببين:

الأول:

أما لأن الطلبات الاجتماعية مبعثرة وغير منظمة ، وأحيانا غامضة وغير متماسكة ، وبالتالي لا تُشعر طبقات السياسيين بالحرج والخطر على مواقعهم فيستمروا بنهجهم ، وأن هذه الحالة سببها هو الانتقال السياسي السريع و دون تأهيل من نمط اجتماعي إلى آخر، أي الانتقال من الحالة الديكتاتورية الفردية المحميّة بالقمع نحو حالة الديكتاتورية الحزبية المحميّة بالديمقراطية التي أجنحتها لأباتشي وقوات المارينز والمليشيات !!.

ثانيا:
وإما الإدمان على الاتكال ، أي إدمان السياسيين العراقيين على حماية المحتل، والقيام بإدارة الدولة ومؤسساتها من خلال الهاتف والمسجات (SMS)، ناهيك عن أمر مهم وهو غياب طبقة الصقور في طبقات السياسيين العراقيين الذين يفرضون نوعا من النديّة ، و يحدّوا من تدخل المحتل في الشؤون السياسية والخدمية والاجتماعية وغيرها ، ونتيجة ذلك تمادى المحتل الأميركي، فسلب صلاحيات السياسيين والبرلمانيين العراقيين وبنسبة قد تفوق الـ 90% ، وبالتالي تولدت أزمة الثقة بين المجتمع وهؤلاء السياسيين!.
وبالتالي..
فلا خير بديمقراطية لا تشتمل على:

1. تعريف المواطنة، والأستناد على الحقوق الأساسية ومن خلال وسائلها الدستورية.

2. تمثيل المصالح، واحترام الحقوق الأساسية من خلال الأحكام القانونية.

3. فرز وحماية الانتخابات الحرة، مع ضمان العدالة في الدعاية والحماية والفرز ، ومحاسبة المزورين، والمستخدمين لعضلاتهم وترهيبهم الاجتماعي والديني والطائفي، ومنع الفاسدين وأرباب السوابق من الترشيح لها!.


20/1/2009


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=14607