مغتربون

هيفاء الشريف               Wednesday 05-04 -2006

لقد أصبح ومنذ زمن بعيد من مستلزمات الحياة لكثير من العرب، البحث عن الرزق الحلال ولقمة العيش خارج أوطانهم حيث يمكنهم توفير معيشة أفضل لأسرهم ولمن يعولونهم. فاضطر الكثيرون للاغتراب والسفر في أرض الله الواسعة طلباً للرزق ولتحسين الأوضاع المعيشية.

الكثيرون اتجهوا نحو الغرب وانخرطوا في مجتمعاته وأصبحوا جزءً منها، فاستقروا في تلك الدول وفي كثير من الأحيان حملوا جنسياتها. في تلك الدول مهما كانت الصعاب التي قابلتهم، وسواءً حققوا ما يطمحون له أم لا، وسواءً حصلوا على الجنسية أم لم يحصلوا عليها، فإنهم قد وجدوا فرصهم للعمل وإيجاد لقمة العيش وحصلوا على العديد من الحقوق التي تحصل عليها شعوب تلك الدول سواءً بسواء.

آخرون اتجهوا نحو بلدان عربية أخرى عملوا فيها بشتى أنواع الوظائف والأعمال وكثيرٌ منهم ساهموا في بناء وتطور تلك الدول، خاصة حين توجهوا إليها وهي لا تزال في طور البناء والنمو، فقدموا جهودهم وخبراتهم مما ساعد في نهضة تلك الدول وإنمائها.

ورغم كل الجهود التي بذلها أولئك المغتربون، ورغم أن بعضهم قضى شطراً كبيراً من حياته في تلك الدول، إلا أنهم ظلوا مصنفين تحت وصف "أجانب" أو "وافدين" ولم يستطيعوا الحصول على أي حقوق من تلك التي يحصل عليها مواطنو تلك الدول، بل وكثيرٌ منهم كانت تؤكل حقوقهم ويعودون إلى ديارهم "إن عادوا" يجرون أذيال الخيبة ويتحسرون على ذلك العمر الذي أضاعوه في الغربة دون أن يجنوا ثمرة هذه الغربة رغم إنهم سددوا ضرائبها مع الفوائد.

في حين تجد أن الغربيين الذين يتجهون لنفس تلك الدول، يحصلون على حقوق قد تفوق حقوق مواطنيها وتفوق كثيراً ما يحصلون عليه في بلدانهم الأصلية، وفوق هذا يمنحون صلاحيات أعلى من تلك التي تمنح لمواطني الدولة، ويجد المواطن نفسه يعمل تحت إمرة هذا المغترب الغربي. ومن واقع تجربتي الشخصية في العمل "كمغتربة" مع الغربيين في الدول العربية، يُمنح الغربي كامل الصلاحية، بل السلطة في إطار العمل الذي يشغله مع كامل الحقوق بالتصرف من خلال موقعه، وبالتالي فهو يستغل هذه الصلاحية بكل ما يستطيع من جهد للتعبير عن حقده للعربي وللمسلم، فيأخذ بالتعامل مع العرب كهوام وفي أحسن الظروف كآلات.
وتصبح معاناة العربي والمسلم في عمله مع الغربي، إثبات إنسانيته ومحاولة رفع الظلم عن نفسه مما يؤثر ليس فقط على أدائه في العمل بل على حياته الاجتماعية فيصبح قابلاً للاشتعال في أي لحظة نظراً لعظم الضغوط النفسية التي يتعرض لها.

بقي أن أقول، بأن مقالي هذا ليس نتاجاً لحقد شخصي أو تحيز أعمى أو حتى نتيجة الظلم الواقع من أمريكا على الدول العربية أو من العبرانيين على أهل فلسطين الحبيبة، ولا يندرج هذا المقال تحت تصنيف "معادة الغربية" (تأسياً بمعاداة السامية)، بل جاء نتيجة مواجهة أليمة مع الواقع، وفي عدة مواقع ومن خلال خبرة غير قليلة من جميع من قابلت من العرب والمسلمين الواقعين تحت وطأة هذا الظلم ومنذ زمن بعيد.

فهل يؤمّل العربي والمسلم نفسه بزمن يأتي يتخلص فيه من هذا الظلم أم أن أمله هذا كأمل الشعوب العربية في حكامها؟



[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=1650