كي لا يكون كتاب التكليف قرار إقتتال !

د. عادل سمارة               Saturday 15-04 -2006

على امتداد مرحلة التحرر الوطني للقطريات العربية وامتداد الصراع العربي الصهيوني، لم تحقق القُطريات العربية اي نموذج وحدوي ولم تُجمع قطرياتها إلا على الشكليات أو إملاءات أعداء الأمة، كما لم تتجمع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية (المنظمة) في جبهة تحرير وطني ولم تُجمع إلا على السلبيات. وتمترست القطريات العربية حول جامعة الدول العربية التي تمثل التجزئة أكثر مما تمثل الوحدة والتي بوسع اية دولة البقاء خارجها دون ضير يلحق بها، وتجمعت الفصائل الفلسطينية في إطار م.ت.ف التي تمثل التنسيق وليس العمل الجبهوي.

يدور اليوم صراع سياسي بين فصائل م.ت.ف وبين حركة حماس وإلى حد ما الجهاد حول اعتبار هذه المنظمة ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. وهو صراع نتج عن وضع قيادة المنظمة وسلطة الحكم الذاتي داخل الأرض المحتلة من جهة وحصرهما بيد رجل واحد من جهة ثانية. أما وضع القيادة أو القرار الفعلي للمنظمة داخل الآرض المحتلة بناء على الزعم بأن ثقل النضال انتقل إلى الداخل، فقد أفرغ المنظمة من دورها، وبالتالي محتواها وجعلها من ناحية عملية ملحقة بسلطة الحكم الذاتي من ناحية ثانية، اي بسلطة تحت الاحتلال. أن يكون ثقل النضال داخل الأرض المحتلة هو أمر طبيعي. أما أن يتم استغلال ذلك من أجل تصفية المنظمة كحامل لشرف النضال الوطني الفلسطيني وتحويلها إلى مجموعة من القيادات المتكلسة والخاضعة في مجرد انتقالها من شارع إلى شارع لأمر من جندي احتلالي بسيط، فهذا أمر غريب. كان يجب أن لا تأتي قيادة المنظمة إلى الارض المحتلة، وكان يجب أن لا توافق على أوسلو، وأن يظل مثل هذا الاتفاق بين قيادات محلية والاحتلال لتظل المنظمة ممثلة لمطلب الشعب ككل وهو حق العودة وانتماء الشعب ككل وهو العروبي. وعليه، فإن عودة قيادة المنظمة إلى الارض المحتلة عن طريق أوسلو هو قبول بأوسلو الذي يتضمن "تمويت" حق العودة ولو بالتدريج.

هذا يعني أن من حق اي فلسطيني أن يرفض أوسلو ويبقى فلسطينياً، بل أكثر فلسطينية من مؤيدي أوسلو سواء مباشرة أم مداورة. أي ان حركتي حماس والجهاد معفيتان على الأقل من هذا الالتزام وليباركهما الله طالما استمرتا. بل لو كان هناك مناخاً عربياً وفلسطينياً مناسبين لجرى استغلال بروز هاتين المنظمتين من خارج أوسلو "لتمويته" بدل تطويعهما لخدمته!

يمكن للبعض القول إن مجرد مشاركة حماس في الانتخابات يعني أنها وافقت على اتفاق أوسلو. وبرأينا هذا صحيح، إنما لندع الناس تحاول، وإذا اتضح خطأ استنتاجنا، فذلك أفضل للوطن وأهله. لكن المشاركة نفسها لا تعني ولا تشترط القبول بالمنظمة كما هي، لأن حماس لم تدخل في حكومة إئتلافية بوزير مثلاً، كما فعلت فصائل صغيرة، أو فصائل حديثة دخلت اللجنة التنفيذية للمنظمة بعد ان غادرت المنظمة الكفاح المسلح وغيرت ميثاقها. ما فعلته حماس هو مشاركة في انتخابات، الفيصل فيها صوت الناخب وليس سياسة حكومة أو نص إتفاق.

ليس هناك، بقدر ما تتصمنه النصوص العلنية لأوسلو، اي نص يقول إن المشاركة في الانتخابات يجب أن يتضمن الانضواء تحت لواء المنظمة، هذا من حيث النصوص. يؤكد هذا أنه لو لم تحصل حماس على أكثرية مقاعد مجلس الحكم الذاتي لما أُثيرت أمور منظمة التحرير اصلاً. وهذا يؤكد أن المسألة هي مسألة الصراع على السلطة بما تتضمنه من مصالح وليس بما تحمله من مواجهة للاحتلال. المسألة هي خلق أكثر عراقيل ممكنة كي تتورط حماس في الاعتراف بالكيان دون أن يعترف الكيان حتى بوجود الله، وبهذا تتهالك، أو تضيق الحياة على فلسطينيي الارض المحتلة 1967، بما يسمح بانقلاب ما عليها بغض النظر إن تطور إلى أبيض أم اسود.

يحاول البعض اتهام حماس بأنها تخرج على "الشرعية" في مناورة لتقديس المنظمة. ولكن إذا كانت شرعية المنظمة نابعة من النضال الوطني، أو كما قالوا "غابة البنادق"، فإن حماس شرعية ايضاً لأنها تمارس النضال الوطني ب "غابة القنابل" . فهل نقول إن هناك شرعيتين، أم أن الحقيقة كامنة في ان الشرعية هي النضال، دون تمييز بين نضال وآخر. وعليه، فإن المقصود ب "الشرعية" هو قيادة المنظمة وليس نضالها. وفي الصراع بين غابة وأخرى، يكون مطلب الناس، أن لا تقتتلوا على طريقة الغاب! ,إذا كانت حماس توظف نضالها من أجل السلطة، فقد فعل ذلك الجميع.

أثار اكثر من شخص أن من يمسك الحكومة يجب أن يفعل ذلك بموجب وثيقة الاستقلال. وهو الاستقلال الذي وضع العربة أمام الحصان، فلا تحركت العربة ولا بقي الحصان قادراً على البقاء واقفاً. إن وثيقة الاستقلال لا تضفي شرعية على أحد، ولا تحتوي مضموناً حقيقياً للشرعية لثلاثة أمور على الأقل:أولاً: أنها وُضعت كقصيدة لنوايا وافترضات وليست بناء على واقع. وثانياً: لأنها تعترف بالاحتلال كدولة . وثالثاُ: لأنها تفترض الفكاك من العمق القومي العربي.

وعليه، لا ترقى هذه الوثيقة، مهما بالغ البلغاء في تقديسها، إلى منع أحد من اكتساب الشرعية سواء بنضاله او باختيار الناخبين له، وحتى لو كانت الانتخابات بإملاءات أميركية كما هي حقاً.

وزعم كثيرون ان هناك 180 دولة اعترفت بوثيقة الاستقلال. لا باس، فقد اعترفوا بوثيقة مكتوبة في صفحة أو صفحتين، ولكنهم لم يعترفوا باستقلال قائم على الأرض. ناهيك عن أن من يُفترض أن الاستقلال مأخوذ منهم، اي اميركا والاحتلال والغرب الراسمالي، بمعظمه، لم يعترفوا بهذا الاستقلال. فهل لا تقيم المنظمة والسلطة علاقات معهم لعدم اعترافهم بوثيقة "الاستقلال"؟ لذلك، من حق اي فلسطيني أن لا يعترف باستقلال على الورق، وأن يطالب باستقلال حقيقي، لا دبلوماسي وبروتوكولي وبلاغي.

لقد أُجريت الانتخابات بموجب أوسلو، ولم تتم الإشارة قط إلى أن المشاركة فيها يجب أن تكون من خلال المنظمة أو الإقرار بأوسلو أو بوثيقة "الاستقلال". وأبعد من هذا، فحتى فصائل المنظمة لم تدخل الانتخابات ككتلة واحدة لشدة التنافس فيما بينها. وهو تنافس مشروع، ولكن ليس لها وحدها.

ليس هناك من وجود ولا دور فعلي لهذه المنظمة. وإذا ما استمر العمل على تجميدها المتواصل، وإخراجها لاستخدامها ، عند اللزوم، فإن هذا سيزيد من تقويضها وقد يوصلها مدارك الهلاك. فمن الجريمة أن يتم استخدام اسم هذه المنظمة لصالح تنظيمات لم تنل من اصوات الناخبين بقدر ما نال مرشح فرد متواضع، أو تنظيمات اشترت، بأموال الغرب ممثلة في "الأنجزة" اصوات مختلف الجياع أو المتأجنبين لتحصل على فتات مقاعد. كان الأجدر، ولا زال، فتح حوار حقيقي لإعادة إحياء المنظمة وليس إدخال حماس فيها وهي كما هي.

إذا كان لا بد من محاسبة الناس في إقرارهم بمنظمة التحرير الفلسطينية، فإن الصحيح هو محاسبتهم على أرضية ميثاق المنظمة، وليس لجنتها التنفيذية التي تضم أطرافاً تنكر الكفاح المسلح حتى لو في كمبوديا، أو مجلسها الوطني الذي عاش عقوداً من زيادى رجحة لهذا وأخرى لذاك بما يخدم التسوية منتهياً إلى تعديل قاتل للميثاق. وهو التعديل الذي يعطي حماساً حق رفض المنطمة ما لم يتم شطب التعديل.

وإذا صح ان رئيس السلطة يطالب الحكومة الجديدة بالالتزام بكتاب التكليف، فكان عليه بمجرد رحيل ياسر عرفات أن يلغي رئاسة الوزراء التي فرضتها الولايات المتحدة. فتطابق برنامج الوزارة مع كتاب التكليف خطير لسببين:الأول: هو تقويض السلطة التنفيذية التي اساسها الوزارة وليس الرئاسة. والثاني: أن الرئاسة هي أوسلو بلا مواربة.

إن محاولة تقييد حماس بالانضواء تحت مظلة المنظمة بوضعها الحالي يزيد من شعبيتها مما يعطي مردوداً عكسياً لمن يحاولون محاصرة حماس وتهميشها أو تعطيل عمل حكومتها. وإذا كان من يفعلون ذلك غير آبهين بموقف الاكثرية الشعبية المتزايدة، فلا شك أن خيارهم سيكون دعم انقلاب فاشي كما اشرنا في مقالة سابقة. [1] وفي أحسن الأحوال لن تقود هذه المحاولات إلا إلى تعميق الشقاق وإيصاله إلى درجة الصراع.

ويعرف كل من يفجر أي اقتتال فلسطيني أنه إنما يخدم الاحتلال والولايات المتحدة وأوروبا الغربية بذلك. فاذا حصل الاقتتال الفلسطيني، فإن "خراجه" ذاهب لصالحهم!

يجب أن يُدار الحوار مع حماس من مدخل آخر هو: الموقف الوسطي الذي وقفته بدخولها انتخابات في ظل أوسلو. وأن حماس أمام اختبار صعب هو كيفية الحفاظ على برنامجها المقاوم إلى جانب العمل الرسمي الحكومي في ظل الاحتلال نفسه. وهذا أمر نتمنى لها النجاح فيه، وليُترك حسابها للناخب وليس للفاشي!

من جانب آخر، يدور نقاش في أوساط فلسطينية بأن لدى حماس أجندة مرنة في علاقتها بالاحتلال. وهي أجندة حذرة بحيث لا تصل إلى مستوى تنازلات السلطة الفلسطينية، ولكنها كافية لبقائها في السلطة. ويعزو هؤلاء ما يرونه إلى أن حماس هي امتداد بدرجة او أخرى لجماعة الاخوان المسلمين الذين لهم تاريخ طويل في المرونة السياسية تجاه الانظمة العربية المعتدلة، وموقف مضاد للقومية العربية، وعدم اعتبار الولايات المتحدة عدواً لها. ويستدل هؤلاء على توقعاتهم من موقف الاخوان المسلمين في العراق حيث يساومون الاحتلال، ومن التحالف الجديد بين الاخوان في سوريا وبين معارضة امريكية بقيادة خدام، إضافة إلى المرونات التي قدمها النظام المصري مؤخراً للإخوان بإيماءات أميركية. وتصب هذه كلها في الاعتقاد بأن الولايات المتحدة بصدد تسهيل دور الاسلام المساوم على الاسلام المقاوم. ولكن هذا كلّه لو كان صحيحاً لا يبرر الانقلاب، ولكن يبرر الحذر والترقب والنقد والإسقاط في الانتخابات المقبلة. وذلك لأنه إذا ما فعلت حماس كل هذا، فإنها سوف تصبح عضو حقيقي في المنظمة وبالتالي تنتهي مشكلتها مع الفصائل وتصبح مع الناس الذين عليهم النضال ضدها! فلماذا الاقتتال إذا كان الجميع يركض إلى حضن أميركا الواسع!

يرى بعض المتشددين "يسراوياً" وبعض منظمات "الأنجزة" "ونسويات" ان حماس سوف تقمع المرأة الفلسطينية، وأن برنامجها الاجتماعي سلفي ومتخلف ولا يفهم في الاقتصاد والتنمية...الخ. ربما، ولكن، ما العمل هل يتم قتل حماس سلفاً قبل أن تمارس شيئاً في حرب استباقية كما حصل في الجزائر؟ أم نقول لحماس بنوايا طيبة، لا إكراه في الدين، ولا في اللباس ولا في النوايا، ولا استقلال بدون تنمية وإنتاج. وكذلك لنناضل ضدها حين تفعل، ونسقطها في الانتخابات المقبلة. وإذا كان هناك عباقرة ولكنهم لم يتمكنوا من "إفهام" الشارع سلفاً ما هي حماس، كما يرونها، فهذه مشكلتهم.

ما زلنا مع الاقتناع، بأن حماس دخلت الانتخابات وبرأسها مرونات ما، ونتمنى أن لا تكون قاتلة. وأن اكثر الاصوات التي حصلت عليها بسبب الفساد. وأن ما يتم الآن ضدها هو نمط ما من "الثورة الدائمة للفساد". ليس قلقاًً على مصالح الناس، بل قلق على فقدان السلطة.

لقد دخل كل من انتخب ورشح تلك الانتخابات تحت مظلة أوسلو. وأحياناً يخرج من "النتش ياصول"، لا بأس. ولكن نتمنى أن لا يواصل أحد الاسترشاد بالحقد الأميركي والتمويل الاميركي الغربي كي لا يبقى في البلاد لا ناخبين ولا ناس.

[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=1712