بلدنا؟!

د. أحمد الخميسي               Saturday 22-05 -2010

في شارع جانبي عند دوران شبرا يوجد مكتب شهر عقاري. شقة ضيقة بها أربع حجرات، في سقف كل حجرة مروحة، وعلى أرضها خمسة مكاتب صغيرة وقصيرة تبرز من جانبيها ركب الموظفين.

في التاسعة صباحا تبدأ في المكتب الحركة والزعيق والزحمة ووجع الدماغ، ويتواثب المواطنون مثل فشار ملسوع في طاسة، يطقطقون وينحنون ويعتدلون بأوراقهم بين المكاتب. تحت النافذة الوحيدة في أول حجرة على يدك اليمنى يجلس سيد أبوطالب المختص بوضع تأشيرة استصدار التوكيلات القضائية، وأمامه وقف – بعد قفز وهرس ودوس – مقاول بدين بوجه أحمر وقد أحنى جذعه ودفع بالورق إليه قائلا بصوت أجش: توكيل قضايا يا أستاذ سيد ربنا يسترك. لكن أبوطالب كأنما لم يسمع الرجل أو لم يره من الأساس، فقد نهض وأعطاه ظهره وفتح النافذة على منور العمارة ودفع بأنفه للأمام ثم أغلقها ثانية وجلس وهو يقول: زبالة. قال المقاول: ربك كريم. ورفع أبوطالب رأسه بشعره المصبوغ بصبغة سوداء رخيصة وقال كأنما يكلم نفسه: تفتح شباك تهب عليك رائحة زبالة. تعبر الشارع يضربك ميكروباص، تأكل سندويتش يمرضك، والقرش يأتي بخلع الضرس، وإن جاء لا يكفي تعليم الأولاد وأكلهم. نتسول. بلدنا في الأغاني بس. مصر أمنا، ومصر التي في خاطري، وكان علينا في المدرسة قصيدة بلادي جنة الدنيا. جاءتها نيلة.

انتبه المقاول لكلمة "نتسول"، فأخرج بخفة ورقة بعشرة جنيهات ووضعها تحت استمارة التوكيل على المكتب. لمحها ابوطالب فأخذ يشرح للمقاول بوجه مشمئنط: أنا من عائلة أبو طالب، كان منها عضو مجلس الشعب، و د. حسين طبيب القلب المشهور، وأساتذة في الجامعات، أنا شخصيا كنت مرشحا لوكيل وزارة. لكن؟ الله وحكمته. لو كنت في عمر الشباب لهاجرت إلي أي مكان. لا شيء يربطني بهذه البلد. لاحظ المقاول أنه لم يوميء بكلمة للعشرة جنيهات فقال على الفور: عائلة أبو طالب معروفة. ناس أفاضل كلهم. توكيل قضائي يا سيد بك.

في هذه اللحظة انشقت الأرض عن فتاة بيضاء كالحليب، طويلة، ملفوفة، أنيقة، كل ما فيها بمقاس، فكأنما ارتفع فجأة عمود نور وعطر جمد من حوله كل شيء، يدي المقاول، ونظرات أبوطالب ورقبته، والهواء. قالت بلكنة أجنبية: من فضلك توكيل تصرف في سيارة. ولمعت عينا سيد أبو طالب ومط رقبته مثل ديك البرارى وقال بصوت جميل: "تحت أمرك". سألها عن الاسم فقالت "مرجريت يوسف ". قال "مصرية ؟". قالت "نعم. بابا مصري لكن ماما هولندية". قال "لكنك تتكلمين المصرية ؟". أجابت "نعم أنا هنا منذ عشر سنوات". قال لها: "أنا سيد ابو طالب. من عائلة أبو طالب، منها أساتذة وأطباء، أنا شخصيا كنت مرشحا لوكيل وزارة. وضع يده على شعر رأسه المصبوغ وقال: "أعجبتك مصر؟". قالت "أحسن ناس". توقف عن تسجيل البيانات وقال لها بحزم "مصر بلد عظيمة. ومادام والدك مصري لازم تحبي بلدك مضبوط ؟". ابتسمت "إن شاء الله". تساءل بتشكك "بلدك مهما كان، تحبينها فعلا ؟". هزت رأسها وقالت "الحمد لله".

عاد يملأ الخانات في ورقة التوكيل وقال"مصر جميلة صدقيني، تاريخ وحضارة. رأيت الأهرامات والقلعة والمتاحف؟. شفت الناس عندنا يتعاملون بطيبة رغم الظروف الصعبة؟ هذه هي بلدنا يا مرجرييت". قالت"مصر أم الدنيا". بدا كأنها تكرر عبارات محفوظة. تناولت الورق، فقال لها: ادفعي الرسوم في الخزانة واستلمي التوكيل في الحجرة الثانية. وأي وقت تحتاجين أي شيء تفضلي. نحن المصريين هكذا، نساعد الناس، ونحل، لا نتأخر أبدا.

استدارت لتنصرف، فألقى نظرة من طرف عينه على العشرة جنيهات، وعاد إلي الفتاة ببصره، واستوقفها يسألها بنظرة معذبة حائرة وشيء يعتصره من الداخل: "لكن ما الذي تحبينه في بلدنا ؟ صدقا.. قولي لي ؟".

[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=17395