العبادة الصامتة

عثمان جمعة أحمد               Saturday 28-08 -2010

هى عبادة الأنبياء ودرب الأتقياء وروح للفقراء ومنجاة للأغنياء وكنز للضعفاء وحصن للأقوياء ونور وبرهان للاهتداء فيها العبرات والعظات وبحر من الخيرات وفيها اليمن والبركات وهى منبع الرسالات بها عرف ابراهيم ربه ولقى محمد رسالته فهدى بها أمته ورسخ بها ملته وأحيا بها دولته.
ألا وهى عبادة التفكر فى الكون وكيف تم خلقه ومن الذى خلقه ( أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20))(العنكبوت) والعقل هو الأداة المنوط بها أن تقوم بهذه المهمة .فهل منا من قام بأداء هذه العبادة؟ وكم مرة قمنا بها ؟ فهل منا من أغلق عليه بابه وجلس يفكر ويتدبر أمر دنيته ويفكر فى ذاك الكون البهيم الواسع ويفكر فى مجريات الدنيا من خلق ومن أحداث ومن تغيرات ؟ وهل يخرج منها غانما بالعظات والعبرات ؟أم انها لحظات وقتية سرعان ما تزول نتائجها ؟ أصار العقل كتابا انتهت صفحاته وكلماته وسكناته على مشاغل الدنيا ولم يعد فيه سطرا واحدا يدعو للتفكير ؟ وإن كان العقل قد سلبته الدنيا ألم يأن للقلب أن ينتفض ؟ ألم يأن له أن يثور استهجانا مما يفعله العقل فى حق نفسه ؟ ألم يأن له أن يوقف صاحبه وينذره ويحذره من مغبة أفعاله ؟ ألم يأن للقلب أن يحاكم العقل؟ نعم لابد للقلب أن يحاكم العقل فالقلب فطرته الصفاء والنقاء والعقل بين يديه الخيار إما الدنيا وإما الآخرة إما ملذات وشهوات وقتية فى عمر سرعان ما يمر وينتهى وإما ملذات وخيرات وشهوات دائمات باقيات خالدات بلا مرض ولا موت فى حياة أبدية( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) ) (القصص).
والتفكر فى الكون وخلقه والتدبر فى آياته ليس أمرا جديد الطرح لكن الله حث عليه كثيراً فأمرنا أن نتفكر فى مخلوقاته وكيف سخرها لنا وأوضح لنا أهميتها من اتعاظ واعتبار ومن هذه الآيات الجليلات قوله تعالى:
1_(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (سورة الرعد4-3)

2-(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(سورة الروم8-9)

3-(إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (سورة آل عمران 190)

وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم(لا عبادة كالتفكر ، تفكر ساعة خير من عبادة ستين عاماً) و في رواية أخرى
للحديث ... (سبعين عاما) (فأهل القرآن وأهل الإسلام خاصة يتأملون ويتفكرون ؛ فإن الله تعالى قد أمرهم ودعاهم وحثهم، وخلق لهم ما يعينهم على ذلك، يقول أبو سليمان الداراني - وهذا ذكره ابن كثير في آثار كثيرة يعني ارجعوا لها- قال: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت علي فيه نعمة ولي فيه عبرة)(من كتاب فضائل القرآن للدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الشثرى)
وغيرها من الآيات الكريمة والسنة الشريفة العطرة التى تدعو للتفكر والتعقل والتدبر فى الكون وأسراره وليس هذا يعنى أن نترك أمور الدنيا ونمنع أنفسنا من حقنا فيها ولكن ما ادعو إليه هو التفكر والتعقل ومراجعة الضمير وإحياء القلب وحماية النفس من طغيان الدنيا عليها بتزكيتها وتطهيرها من دنس الدنيا فما علينا إلا أن نتفكر فى آلاء الكون ونعتبر ونعمل بهذه العبرة حتى لا نكون كالسابقين الذين رآوا الآيات ولم يعتبروا ولم يؤمنوا بها أو لم يعملوا بها حتى لا يقع علينا قوله تعالى فى سورة الأعراف ( سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)) فَعلينا أن نضع أعمالنا تحت المنظار الإسلامى فنوزنها بالميزان الإسلامى وكلٍِ فى مجاله وتخصصه فعلى كل طبيب ان يتفكر هل يضع ضميره على ميزان الحق أم ميزان الطمع وعلى كل مهندس أن يكون الله رقيبه وحسبه فى عمله وعلى الصحفى أن يتدبر فى قلمه فلا يكتب إلا الحق ولا ينساق وراء الأخبار الكاذبة فعلينا جميعا أن نضع أنفسنا وأعمالنا على الميزان الإسلامى الصحيح (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)(الأعراف).

ومن فوائد التفكر فى آيات الله
1-الاتصال الدائم بالله تعالى : لأن التفكر فى أصله هو أن يغوص الأنسان فى أعماق الكون وأسراره فيبحث فى خباياه (بشرط ألا يتطرأ إلى أمور غيبية لا يعلمها إلا الله فهذا من عمل الشيطان) فمن أراد به الله خيرا أعطاه من ذخره الذى لا يفنى نوراً وعلماً ربانياً ويورث فى قلبه الخشيةَ والخشوعَ لله وحبُّ التوجه إليه دائماً.
2-الخوف من الله عند المعصية والسرعة فى التوبة والاستغفار فيقول الله عز وجل(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135))( آل عمران)
3-الطمأنينة والسكينة واليقين النابع من القلب وقد سألها سيدنا إبراهيم ربه فيقول الله عز وجل(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(260))(البقرة).
ونقول مع الشاعر ابراهيم بدوى
رباه هأنذا خلصت مــن الهوى **واستقبل القلب الخلي هواكا
وتركت أنسي بالحياة ولـهوهـا **ولقيت كل الأنس في نجواكا
ونسيت حـبي واعتزلت أحـبتي ** ونسيت نفسي خوف أن أنساكا


ولايخفى عليكم أننا غفلنا عنها بل وغفل عنها الكثير من دعاة الإسلام وعلمائه وهذه محاولة منى لأعيد النظر فى هذه العبادة الصامتة التى لا بها عناء ولا تكليف وعدتها العين والعقل والقلب والله أسأله السداد فى الرأى والصدق فى القول والعمل


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=19065