تونس ترسم بقوة معادلة الشعوب العربية

د. حسن رمضان               Sunday 16-01 -2011



العالم بأسره منشغل بما حدث في تونس ، والكل يقرأ الأحداث حسب خلفيته وموقعه ومصالحه ودوره ، فنرى من يحلل بتجرد ونرى من يخلق فوارق في التجربة ، ونرى من يحاول أن يصنع عمليات تجميل للوجوه المشوهة ، وهناك من لا يكترث فعليا للمواقف، وهناك من يلقى التعتيم على قاعدة مفادها أنه شأن داخلي لا طائل من التدخل به أو الحديث عنه ، وتسير قوافل الأفكار من المحيط إلى الخليج تحاكي الأيدلوجيات وأنظمة الحكم وتطرح التساؤلات والتحذيرات ، وبشكل لا يدع مجال للشك أن ما حدث دليل أن الشعوب هي صاحبة الأمر الفصل في شؤونها ، وأنها من تستطيع الدفاع عن حقوقها ، وان الفقراء والمسحوقين والعمال والوطنين والمفكرون الأحرار هم من يصنعون الثورة والتغيير، وهذا أمر عايشه الرئيس التونسي ذاته عندما كان سفيرا لبلاده لدى بولندا منذ العام (1980-1984) فقد رافق عن كثب أحداث وارسوا التي كان وراءها النقابيون وعلى رأسهم( ليخ فيليسا ) وعايشه أيضا عندما استدعي من ذات العام عندما اندلعت ثورة الخبز في تونس ليشغل منصب مدير عام الأمن الوطني ، قبل أن يتدرج في ذات العام وبالتحديد 29 أكتوبر ليصبح كاتب دولة وكيل وزارة الأمن الداخلي،ووزير دولة للأمن في مكتب رئيس الوزراء في العام 1985،حتى وصل إلى منصب وزير الداخلية في العام 1986 ثم إلى رئاسة الدولة في العام 1987 ،إن البطالة والفقر وانعدام التوزيع العادل للثروات أدت إلى هذا الموقف الذي تفجر بهذا الشكل ، وطبيعي أن هذه الأحداث لم تكن وليدة اللحظة ولم يكن موت محمد بوعزيزي الذي احرق نفسه لأنه لم يجد لقمة عيشه عندما حرمه شرطي من وضع عربته في ساحة عامة ، بل هي بطالة مرتفعه، وغلاء وحراك فكري قادته أحزاب مختلفة، ولكن كان المواطن البسيط هو الشعلة وهو رأس الحربة .
لقد كان لافتا أن رأس النظام التونسي لم يجد أي دعم أو تحرك خارجي للحفاظ على نظامه ، وتحديدا من أوروبا وأمريكا التي كانت تعتبر نظامه من الأنظمة المتميزة في محاربة الإرهاب ، فقد رفضت فرنسا استقباله ، وهذا ما ظهر بالعلن وربما رفضت دول أوروبية أخرى استضافته لديها، وأمريكا حييت كرامة الشعب التونسي ، والتزم العديد منهم إطلاق التصريحات حتى تتضح الصورة ، وهنا معادلة أخرى أن إرادة الشعوب إذا ما انطلقت تكون أهم من الحكام أنفسهم لدى كل الجهات الخارجية ، إن أهم ما يمكن استخلاصه ليس الحديث عن تفاصيل الحالة التونسية بل ماذا يعني هذا المشهد لكل الشعوب العربية ، ذلك لان المشهد لم ينتهي بعد فالأحزاب وبرامجها والانتخابات ، والمحاكمات والمحاسبة ستأخذ سجالات ليس بسيطة في المرحلة القادمة ،فالشعوب العربية الآن تنظر للتجربة وتقارنها مع ذاتها ، وبكل الأحوال وبغض النظر عن التباينات في وجهات النظر حول الدروس فان هناك نقاط أساسية لا يمكن إهمالها نجملها بما يلي :
1-صون حقوق المواطن وحريته والعدالة له، هي أهم مكونات أي دولة ونظام وهي الحاضنة الحقيقية لاستمرار الأنظمة .
2-أن الشعوب هي التي تختار قادتها وليس القادة هم الذين يختارون الشعوب ، وان أكثر القادة قوة هم القادة الذين يلتحمون مع شعوبهم .
3-أن التغيير ضرورة حتمية وان الحراك الاجتماعي والسياسي لا مفر منه فلا وقائع ولا أنظمة مطلقة ،ولا مجال لتجاوز هذه الحتمية.
4-ضرورة إعادة النظر إلى الدساتير وتغييرها بحيث لا تكرس القادة والزعماء ، وإعطاء فرصة للتغيير والتنويع أن يكون تلقائيا لا أن يأتي فرض أو عبر حركات شعبية.

أخيرا لا يمكن للإنسان والشعوب أن تتنازل عن حقوقها حتى وان صمتت لفترات قد تكون نسبيا ، وانه لا يجوز انسلاخ القادة عن شعوبهم ذلك لأنهم بالأصل والأساس منهم ، وان نظرية المؤامرة لا يمكن أن تحمي أنظمة ، وان الفرد هو أساس الحكم ، والمواطنة تعني المساواة بين الحاكم والمحكوم



تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=20845