الشُّهُبُ بين آيات القرآن وعلوم الإنسان

عطية زاهدة               Saturday 26-02 -2011

مقدمة

الفكرة العلميّة التقليديّة العامّة السائدة عن الشهاب meteor هي أنه خطٌّ من ضوءٍ منبعثٍ انبعاثاً خاطفاً في صفحة السماء، في طبقة الأيونوسفير تحديداً، وأنه ناتجٌ من احتراقِ جسمٍ وافدٍ من فضاءِ الكونِ قد اصطدمَ بشدّةٍ محتكّاً بأعالي الغلاف الجويِّ داخلاً في نطاق تأثير الجاذبيّة الأرضيّة، فتوهج متحولاً بالطاقة الحركيّة إلى شعلةٍ هاوية منقضّة. وهذه النظرة التي تعني أن الشهبَ من قبْلِ التوهج هي أصلاً أجسامٌ meteoroids من مصدرٍ كونيٍّ cosmic، أي إنها أجسام وافدة من خارج المجالات الجويّة والمغناطيسيّة التابعة لكوكب الأرض نفسها، قد دخل عليْها في أواخر القرن العشرين تغييراتٌ وتعديلات جعلت ظاهرةَ الشهب ذاتَ جوانبَ جيوفيزيائيّةٍ، أي أنَّ ضياءها المشهودَ مرتبط بتفريغات كهربائيّة electrical discharges تجري في الأيونوسفير، على حساب الطاقة الكامنة فيه، وأن هناك أيضاً شهباً جيوفيزيائيّةً geophysical meteors لا تنتج عن انقضاض أجسامٍ في الأيونوسفير ionosphere، وإنما هي خطوط ضياءٍ ناتجٍ من تفريغات كهربائيّة في الأيونوسفير نفسه.

إشكاليّة البحث

لقد ورد ذكر الشهاب في القرآن الكريم أربع مرّاتٍ، منها ثلاث مرّات بمدلوله الفلكيّ، وأمّا المّرة الرابعة فقد جاءت على وفْقِ مفهومه اللغويّ، وذلك في قول الله تعالى في حديثٍ عن موسى، عليه السلام: "وإنك لَتُلَقّى القرآنَ مِنْ لَدُنْ حكيمٍ خبيرٍ(6) إذْ قالَ موسى لأهلِهِ: إنّي آنستُ ناراً سآتيكم منها بخبرٍ أو آتيكم بشهابٍ قبَسٍ لعلّكم تصطلونَ(7) [سورة النمل].
وأمّا "الشهب"، جمع الشهاب، فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم مرّةً واحدةً فقط، وقد جاء هذا الجمع حاملاً معناها بمدلوله الفلكيّ. وعلاوة على هذه المرّات الخمس، فقد جاء الحديث عن الشهب دون التصريح باسمها في سبع آيات كريمة أخرى.
فهل وسِع حديث القرآن عن الشهب ما تحصّل عنها من حقائق في علوم الفلك والفضاء والجيوفيزياء ؟ وهل قرّرت آياته تلك الحقائق سبقاً لتلك العلوم؟ وهل هذا السبق توهُّمٌ أم هو حقيقة يدعمها فهم تلك الآيات على وفْقِ لسان العرب، وتؤيدها السياقات والقرائن؟
إن هذا البحث جارٍ على أمل أن نصل إلى أن "نعمْ" هي جواب كلٍّ من هذه الأسئلة الثلاثة. ولا ريْبَ أن وسيلة الوصول إلى "نعم" جواباً لكل من هذه الأسئلة هي المقارنة بين حديث القرآن الكريم عن الشهب من جهةٍ، وبين ما توافر من حقائق علميّةٍ عنها من الجهة الأخرى، وبخاصّةٍ تلك الحقائق التي توصلت إليها العلوم الحديثة فلكيّاً وجيوفيزيائيّاً، بحيث تكون نتيجة هذه المقارنة هي التطابق والتوافق بين الجانبيْن؛ لأنّ آيات القرآن الكريم، بالتدبر السليم على وفق لسان العرب، لا يأتيها الباطل أبداً لا من بين يديْ نزولِها ولا من بعدِه.

الشهب في القرآن الكريم في مدلولٍ فلكيٍّ

جاء ذكر الشهاب والشهب بمدلولهما الفلكيّ في الآيات الكريمة التالية:
1- "ولقد جعلنا في السماءِِ بُروجاً وزيّناها للناظرينَ(16) وحفظناها من كلِّ شيطانٍ رجيمٍ(17) إلّا مَنِ استرقَ السمعَ فأتبعَهُ شهابٌ مبينٌ(18) [سورة الحِجْر].
2- "إنا زيّنّا السماءَ الدنيا بزينةٍ الكواكبِ (6) وحفظاً من كلِّ شيطانٍ ماردٍ (7) لا يسَّمَّعونَ إلى الملإ الأعلى ويُقْذَفونَ مِنْ كلِّ جانبٍ (8) دُحوراً ولهمْ عذابٌ واصبٌ (9) إلّا مَنْ خَطِفَ الخطفةَ فأتبَعَهُ شهابٌ ثاقبٌ (10) [سورة الصافّات].
3- "وأنّا لَمسْنا السماءَ فوجدناها مُلِئتْ حرَساً شديداً وشُهُباً(8) وأنَّا كنّا نقعُدُ منها مقاعدَ للسمعِ فمَنْ يستمعِ الآنَ يجدْ لهُ شهاباً رَصَداً(9)[سورة الجن].
وجاء الحديثُ عن الشهبِ دون ذكرِها باسمها نفسه في سبعة مواضع:
(1) "ولقد زيّنا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعلناها رُجوماً للشياطينِ" (الملك: 5).
وقد جاء في تفسير القرطبيِّ لسورة الملك أن الضمير في "وجعلناها" راجعٌ إلى السماءِ، وأنَّ هناك حذفاً للمضافِ، والتقدير عنده هوَ : (وجعلنا شهبَها رُجوماً للشياطينِ). ولكن هناك مَنْ يروْنَ أن الضميرَ في "وجعلناها" راجعٌ إلى المصابيح ؛ فالإمام الرازيّ، مثلاً، قد ذهب في تفسيره الكبير "مفاتيح الغيب" إلى أن المجعول رجوماً للشياطينِ هو المصابيحُ أنفُسُها.
(2) "فقضاهنَّ سبعَ سماواتٍ في يوميْنِ وأوحى في كلِّ سماءٍ أمرَها وزيّناّ السماءَ الدنيا بمصابيحَ وحفظاً ذلكَ تقديرُ العزيزِ العليمِ" (فصّلت: 12).
(3) "إنا زيّنّا السماءَ الدنيا بزينةٍ الكواكبِ(6) وحفظاً مِنْ كلِّ شيطانٍ ماردٍ(7) [الصافات].
(4) "وجعلنا السماءَ سقفاً محفوظاً وهم عن آياتِها معرضونَ" (الأنبياء: 32).
لقد جاءَ في المواضعِ الثلاثةِ الأخيرةِ ذكرُ حفظِ السماءِ. وأمَّا اعتبار أنَّ ذكرَ حفظِ السماءِ إشارةٌ إلى الشهبِ، فهوَ ما نستدلُّ عليْهِ من سورةِ الحجْرِ ومن سورةِ الصافّاتِ؛ إذ قد بينتْ آياتُ السورتيْنِ الواردةُ أعلاهُ أنَّ الشهبَ هي وسيلةٌ في حفظِ السماءِِ نفسِها، حفظِها من نفاذ الجن والإنس، وحفظِها من استراق الجنِّ للتسمع إلى الملأ الأعلى.
(5) "يا معشرَ الجنِّ والإنسِ إنِ استطعتُم أن تنفُذوا من أقطارِ السماواتِ والأرضِ فانفُذوا لا تنفُذونَ إلّا بسلطانٍ(33) فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذّبانِ (34) يُرسَلُ عليكما شُواظٌ من نارٍ ونحاسٌ فلا تنتصرانِ(35)" (سورة الرحمن).
(6) "والنجم إذا هوى"(النجم: 1).
فقد ذهبَ بعضُ المفسرينَ إلى أنَّ النجمَ المقصودَ هنا هو الشهابُ. ومن الجديرِ ذكرُهُ أنَّ وصفَ الشهابِ بالنجمِ الهاوي غيرُ مقصورٍ على اللغةِ العربيّةِ، ففي الإنجليزيّةِ، مثلاً، يسمّون الشهاب meteor تسميتينِ أخرييْنِ وهما: النجم الهاوي falling star، والنجم الرامي أو الراجم shooting star؛ فظاهرة الشهب هي عموماً سهلة الرصد، وانقضاضها هاويةً في صفحة السماء أمر مشهود. وفي العربيّةِ يقولون عن الشهب: النجوم الهاوية، والنجوم الرامية، والنجوم المارقة، والنجوم الراجمة، بل وقد يبدلون النجوم بالكواكب فيقولون: الكواكب الهاوية، والكواكب الرامية، والكواكب المارقة، والكواكب الراجمة.
(7) "والسماءِ والطارقِ. وما أدراكَ ما الطارقُ. النجمُ الثاقبُ" (الطارق: 1-3).
ذهب بعضُ المفسّرينَ أيضاً إلى اعتبار أنَّ القصدَ بالنجمِ الثاقبِ هو الشهابُ. ويبدو أنَّ رأيهم هذا مستندٌ إلى مجيءِ "الثاقبِ" وصفاً للنجمِ، وقد جاءت كلمةُ "ثاقب" وصفاً صريحاً للشهابِ في قولِ اللهِ تعالى: " إلّا مَنْ خَطِفَ الخطفةَ فأتبَعَهُ شهابٌ ثاقبٌ" (الصافات: 10).

الشهاب في التفاسير

نظراً إلى تناول القرآن الكريم للحديث عن الشهب في بضعٍ من السور، فإن المادة التفسيريّة المتعلقة بها قد جاءت واسعة وذاتَ شجونِ. ولا ريْبَ أن أهمَّ أربعة جوانبَ في تفسير الآيات الذاكرة للشهب، صراحة أو ضمناً، هي: الجانب اللغويّ، والجانب العلميّ، والجانب العقديّ، وجانب المباحث العقليّة. ولا ريْبَ أيضاً أن هذه الجوانب يتداخل بعضها في بعضٍ.
أولاً- الجانب اللغويّ في تناول التفاسير للشهب
يتفق المفسرون على تعريف الشهاب. فالفخر الرازيّ، مثلاً، يقول في تفسير سورة المُلك: "الشهاب شعلة نار ساطعة، ثم يُسمّى الكوكبُ شهاباً، والسنانُ شهاباً لأجْل أنهما لِما فيهما من البريق يُشبهان النارَ". ومن البدهيِّ أن الجانبَ اللغويَّ في التفاسير هو في جلّه متأسسٌ على ما جاء في المعاجم.
ثانياً- الجانب العلميّ في تناول المفسرين للشهب
لقد اختلط هذا التناول ببعض الخرافات، ومع ذلك فإن فيه بعضاً من معلومات تنسجم مع حقائق العلم. ومن أمثلة تلك المعلومات أن ضياء الشهب ليس على حساب النجوم الثوابت، أي إن الشهب ليست نجوماً من مثل الشّعرى وسهيل وغيرهما، بل هي تضيء إذ تهوي منقضّةً باتجاه الأرض، ولا تكون مضيئة من قبل الانقضاض. وأدرك بعضهم أن الشهب تحدث قريبةً في أعالي الجوِّ، وأنها تضمحلّ وتتلاشى، ولا تعود إلى الأماكن التي تهافتت منها.
ثالثا- الجانب العقديّ في تناول المفسرين للشهب
ويتفق المفسرون على أن من الشهب ما يتبع الشياطينَ، وأن تلك الشهبَ هي لحفظ السماء منهم، ولمنعهم من التسمُّع إلى الملأ الأعلى. ويعتقد بعضهم أن الرمي بالشهب كان من الآيات الدالة على مبعث الرسول محمدٍ، عليه السلام، وأنه بذلك قد انقطعت الكِهانة، في حين يرى غيرُهم أنّ الرميَ بها كان جارياً منذ خلق الله تعالى السماواتِ والأرضَ.
رابعا- جانب المباحث العقليّة في تناول المفسرين للشهب
تعرّض المفسّرون لبحث مسائلَ عقليّةٍ مرتبطةٍ بأحاديث القرآن عن الشهب، وبما جاء عنها في الأثر الشريف. وقد أكثر الإمام الفخر الرازيّ منها في "مفاتيح الغيب"، وتوسع في مناقشتها. وإنّي هنا أُورد مثالاً مما تعرّض له في تفسيره لقول الله تعالى:
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}*{وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}*{إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}..(سورة الحجر:16-18)، وذلك هو قوله: "واعلم أن في هذا الموضع أبحاثاً دقيقة ذكرناها في سورة الملك وفي سورة الجنّ، ونذكر منها ههنا إشكالاً واحداً، وهو أن لقائلٍ أن يقول: إذا جوَّزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السماوات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبار الغيوب عنهم، ثم إنها تنزل وتُلقي تلك الغيوبَ على الكهنة، فعلى هذا التقدير وجب أن يخرج الإخبار عن المغيبات عن كونه معجزاً؛ لأن كلَّ غيب يخبر عنه الرسول، صلى الله عليه وسلم، قام فيه هذا الاحتمال، وحينئذ يخرج عن كونه معجزاً دليلاً على الصدق، لا يُقال: إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي، صلى الله عليه وسلم؛ لأنا نقول هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمدٍ رسولاً وكونِ القرآن حقاً، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيب معجزاً لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو باطل مُحال، ويمكن أن يُجاب عنه بأنا نُثبت كونَ محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطينَ عن تلقُّف الغيب بهذا الطريق، وعند ذلك يصير الإخبارُ عن الغيوب معجزاً، وبهذا الطريق يندفع الدور، والله أعلم".
الشهاب في المعاجم

1- الشَّهْبةُ أو الشَّهَبُ هي مخالطة لونٍ للونٍ آخرَ، أي هي أن ينصدعَ وينشقَّ اللونُ بلونٍ آخرَ بحيث يكون أحدهما غالباً على الآخر، كأن تنصدع شُقرةُ حصانٍ بشعرةٍ أو شعراتٍ بيضاءَ، وكأن يهيجَ الزرعُ مصفرّاً أو مبيضّاً وتبقى في خلاله نبتاتٌ أو أوراقٌ خضراءُ.
2- الشَّهْبةُ أو الشَّهبُ هي أن يغلب اللون الأبيض في مظهر الشيء على غيرِه من الألوان المخالطة، أي هي غلبة اللون الأبيض في مظهر الشيء على ما يشوبه من لون آخر، ومنه غرّةٌ شهباء إذا كان يصدع بياضَها شعراتٌ من لون آخر.
3- الشهاب شعلة ساطعة من النار، أو عودٌ فيه نار ساطعة، أو قبَسٌ من نار.
4- الشهاب: الكوكب المنقضّ في السماء. واستُعير لوصف الرجل الشجاع الماضي في الحرب.
5- الشهاب: السّنان.
6- شهِبَ واشْهابَّ واشهبَّ واشتهب الرأس: غلب بياضُ الشيبِ سوادَ شعره، أي اشتعل شيباً.
7- شهب الحرُّ لونَ الإنسانِ أو شهّبَه: غيّره ولوّحه.
8- وجمع الشهاب: شُهُبٌ، وشُهبان، وشِهبان، وأشهبة، وأشهُب.
هذه خلاصة استعراض ما جاء في مادة "شهب" في أربعة من معاجم اللغة العربيّة: لسان العرب لابن منظور، والصحاح في اللغة للجوهريّ، ومقاييس اللغة لابن فارس، والقاموس المحيط للفيروزآباديّ . وأرى أنها خلاصة تشمل جلَّ ما يرتبط ببحثنا من معاني الفعل "شهَبَ" ومشتقاته.
واعتماداً على ما جاء في الخلاصة السالفة، فإن الشهاب بمدلوله الفلكيِّ قد يكون سُميَّ بذلك على أساس أنه يظهر مثلَ شعلةٍ من النار، أو على أساس أنه بضيائه بياضٌ يصدع سوادَ الليل.
مفردات علميّة

يتم في الدراسة التقليديّة للشهب تداول ثلاثة مصطلحات أساسيّة يجب أن نحدد المقصود من كل منها بدقة:
(1) المستشهبات أو المُشْهِبات meteoroids، وهي الأجسام التي تدخل الأيونوسفير واصلةً إليه أصلاً من الفضاء الكونيّ من مدارات حول الشمس متخذةً بشكل عابر مدارات حول الأرض ، بحيث ينتج من سقوطها أو مرورها فيه آثار ضوئيّة.
(2) الشهب meteors: هي نفس الخطوط الضوئيّة light streaks الناتجة من مرور المستشهبات في الأيونوسفير، أي هي ما يرتسم في صفحة السماء على هيئة خطوط ضوئيّة بشكل خاطف، أو هي ما يبدو منقذفاً في الأيونوسفير على شكل شعلات هاويةٍ.
(3) النيازك: meteorites وهي الرجوم أو المستشهبات التي تستطيع الوصول إلى سطح الأرض مروراً بالأيونوسفير وما تحته من طبقات الجوِّ، وهي محتفظة بتماسك قسم من كتلتها.
ومع ضرورة التمييز بين الشهاب والمستشهب إلاّ أن النصوص العلميّة كثيراً ما تستعمل الشهاب قاصدةً المستشهب نفسه، وهذا ما قد يحدث في هذا البحث أيضاً.

حقائق عن الشهب
الشهاب: ظاهرة ضوئيّة خاطفة تبدو عادةً في صفحة السماء ليلاً أو نهاراً، ولكنها في الفترة الليليّةِ تكون أكثر وضوحاً. ويظهر الشهاب في الأغلب خطّاً متألقاً يقوده رأس ساطع يظهر هاوياً باتجاه الأرض كأنه سهم ناريٌّ منقضٌ سرعان ما يتلاشى في أعالي الجوِّ، أو قد يبدو في سقوطه مثل كرة ناريّةً متوهجة منقذفة من السماء نحو الأرض بسرعة خاطفةٍ .




مصادر المستشهبات
إن المستشهبات meteoroids هي أصلاً أجسامٌ معدنيّةٌ أو صخريّةٌ من مصدرٍ كونيٍّ، cosmic origin، أي أن مصدر أجسام الشهب هو إمّا مُذَنبِيٌّ cometary، أي إنّ أصلها من مخلفات المذنبات comets، وإمّا نُجيْميٌّ asteroidal، أي إن أصلها هو من حزام الكويكبات asteroids. وهناك بعض من الشهب تعود مستشهباتها إلى أصل قمريٍّ أو مريخيٍّ.

حجوم وأوزان المستشهبات
إن الغالبيّة الواسعة الشائعة من الشهب المبصرة تكون ناتجة عن مستشهبات بحجم حبات الرمل أو بذور الخردل، و قد تكون أصغر إلى حدِّ أن قطرها يساوي واحداً في المائة ألفٍ من المتر. وعلى سبيل المثال، فإن كتلة كل مائة ألف شهاب من الهمرة الأسديّة تُقدَّرُ بغرام واحد. ومع هذا فإن عدة مئات من أطنان المستشهبات تحترق في الجو يوميّاً، وهذا يعني أن عددها اليوميّ هو بالبلايين. وقد يكون حجم المستشهب الذي يسترمد في أعالي الجو بقدر حبة السمسم، أو بحجم حبة الفول، أو بحجم بيضة الحمامة أو بيضة الدجاج، أو حـتّى بحجم حبة البرتقال، أو هو أكبر. وأمّا الرجوم النيزكيّة التي تنجح في الوصول إلى سطح الأرض فتكون عادة من حجم أعظم من ذلك بكثير، فهي تزن مئات الغرامات أو بضعة كيلوغرامات، وقد يصل وزنها أطناناً.
مظاهر الشهب
المظهر العام لغالبيّة الشهب هو الشكل النجميّ؛ ولذلك عرفت الشهب باسم: النجوم الهاويةfalling stars، وباسم: النجوم الراجمة shooting stars أو الكواكب الراجمة، وحتّى المارقة. والأغلب هو أن تظهر هذه الشهب بسبب أذيالها كأنها سهامٌ ناريّة تهوي بانقضاض خاطفٍ. والشهب الناتجة عن رجوم كبيرة نسبيّاً ، بحجم البيضة أو البرتقالة، تظهر كأنها كرات متوهجة وتعرف باسم: الكرات الناريّة fireballs. ويكون الشهاب معتبراً من نوع الكرة الناريّة إذا كان تألّقه أشد من تألّق سائر الكواكب والنجوم. والكرات الناريّة التي تنفجر في أعالي الجو تُعرف باسم: الشهب المتفجرة bolides.
وقد يبدو الشهاب في انقضاضه مطلقاً للشرر sparks أو الألسنة والشآبيبِ الناريّة flares.
دوام الشهب
هناك دوام للشعلة المنقذفة، وهو دوام الهُوِيِّ والانقضاض؛ وهناك دوام لضياء الذيل.
فأمّا مدة سطوع الشهاب، مدة الانقضاض والهُويِّ، فتدوم من جزء من الثانية حتّى بضع ثوانٍ.
وأمّا ضياء الذيل من حول ممرِّ الشهاب، فقد يستمر مرئيّاً بضع ثوانٍ، وقد يدوم أحياناً عدداً من الدقائق ربما تصل قرابة الساعة على شكل ضياء متناقص التألق متدرج الاضمحلال، وبحيث يبدو المركز أقل تألقاً من المحيط الخارجيّ. وقد يظهر الذيل في مراحل اضمحلاله الأخيرة متمثلاً في غيمة دخانيّة خافتة الضياء متمددة من حول ممر الشهاب. ودوام الشهب من نوع الكرات الناريّة هو في العادة أطول من الشهب العاديّة.
تألّق وسطوع الشهب
بالنسبة للناظرين من الأرض بالعين المجرّدة فقد تكون الشهب مبصرة مُبينةvisual ، وقد تكون غير مبصرة أو غيرَ مُبينة subvisual . فأمّا المبصرة فلها درجات متفاوتة من التألّق؛ فقد تكون خافتةً، أو قد يصل لمعانها إلى مقدار الزهرة، أو القمر البدر، أو حتّى إنها أحياناً قد تنافس تألق الشمس. ومن أهم العوامل التي تؤثّر في تألّق الشهاب سرعته وكتلته. وتألّق بعض الشهب الناتجة عن مستشهبات ضخمة نسبيّاً يغالب ضوءَ النهار بحيث إنها قد تظهر في السماء حتّى في وقت الظهرِ. وتظهر بعض الشهب أثناء هُويِّها وهي ترمي بشرر أو تطلق ألسنة ناريّة flares. وشدة التألق أثناء الهويِّ لا تكون ثابتةً. ودرجة حرارة المستشهب أثناء هويّهِ قد تجاوز ألفيْن من الدرجات المئويّة.
ألوان الشهب
يغلب أن تبدو الشهب بمسحات من اللون الأخضر المصفرّ، أو الأخضر، أو تبدو بيضاء، وقد تظهر حمراء أو زرقاء، وغير ذلك. ويختلف لون الشهب اعتماداً على عوامل منها: درجة حرارة توهجّها، ومدى تألقها، وتركيبها، والطبقة من الأيونوسفير التي تكون تعبرها لحظة النظر إليها، وتفاعلها مع الغازات في ممرّها. وقد تبدي الشهب أطيافاً خضراء، أو خضراء مصفرّة، من مثل أطياف الأفجار القطبيّة auroras. وكلما قلَّ تألق الشهاب وضعف، صعب تمييز الألوان فيه.

جرائر الشهب trails
جرير الشهاب أو مدرجته trail أو ذيله tail هو غبار أو دخان من غازات متأيّنة يبدو من خلف الشهاب كأنه حبل منير أو أسطوانة مضيئة.
وذيل الشهاب يدوم مبصراً بضع ثوانٍ، وقد يستمر في نادر الأحيان مرئيّاً إلى نحو ساعة، وذلك يعتمد على مدى استقرار الجوّ العلويّ، وعلى شدة التأيّن فيه.
وطول ذيل الشهاب يعتمد في الأغلب على اتجاهه بالنسبة للناظر، أي على زاوية النظر؛ إذ إنه إذا كان الشهاب منطلقاً في خط البصر فلا يرى ذيله، وأمَّا إذا كان الشهاب قادماً معترضاً لخط البصر فإن ذيله يبدو أطول ما يمكن إذ يظهر ممتداً بضع عشرات من الكيلومترات.
وكثير من الشهب قد لا يمتد ذيلها إلى حيث يتلاشى رأسها (نواة الشهاب)، أو قد لا تبدو إلاّ بعد أن يقطع الرأس مسافة عشرات الكيلومترات.
وهناك شهب لا جرائر لها؛ إذ لا يبدو من خلفها أي ذيل منير، وبهذا تبدو كأنها نجوم هاوية.
وطول ذيل الشهاب هو في العادة عشرات الكيلومترات، فثلاثون كيلومتراً، مثلاً، هي طول ذيل متوسط. ويُقدّر نصف قطر الأسطوانة الغير منتظمة التي يشكلها الذيل ببضع عشرات من الأمتار.


ارتفاعات الشهب
تظهر أغلب الشهب الشائعة في الطبقة الأيونوسفيريّة المعروفة باسم: E-layer الواقعة في المدى الارتفاعيّ من 90كم-160كم، وأظهر ما تكون على ارتفاع ما بين ..100كم -120كم. وعادة ما يبدأ الظهور الضوئيّ للشهب الشائعة على ارتفاع نحو 140 كم، ويمتدُّ نزولاً في طبقة D-layer إلى نحو 60كم. وبعض الكرات الناريّة قد تنزل إلى ارتفاع 50كم، أو دون ذلك.
وقد رصدت بعض الشهب على ارتفاع نحو 200 كم، أي في الطبقة الأيونوسفيريّة F-layer . ومن هنا، فإن طبقات الأيونوسفير الثلاث هي موطن لظهور الشهب، وإن كان الغالب هو ظهورها في طبقة E-layer.
سرعات الشهب
سرعة السقوط الابتدائيّة، سرعة دخول المستشهب في الجوّ العلويّ، هي بين 11.2كم/ث إلى 72كم/ث أو أكثر، أي قد تصل إلى مائة ضعف سرعة طائرة الكونكورد، أو طلقة الرصاص. وزخم المستشهب المتوسط السرعة30كم/ث-40كم/ث، والذي قطر جسمه ميليمتر واحد، هو بمقدار زخم أو اندفاع الرصاصة السريعة من عيار 22ملم، والمقصود بالزخم هو كميّة الحركة أو التحرك momentum ، وهو يُحسبُ رياضيّاً من حاصل ضرب الكتلة في السرعة .
وأثناء السقوط يتم التسارع بفعل الجاذبيّة الأرضيّة في حين إن الاحتكاك بغازات الجوّ العلويّ يعمل على التقليل من السرعة.
أصوات ترافق الشهب
لا ريْبَ أن أيَّ تصادم أو ارتطام، أو أيَّ طرْق، هو مولّد لأمواجٍ صوتيّةٍ. وهذا ما ينطبق على ارتطام المستشهبات بالجوِّ العلويّ حيث إن غازاتهِ مخلخلة، كثافتها صغيرة جداً، أي يكاد يخلو من الغازات، فكتلة كلِّ محتويات الأيونوسفير من الغازات لا تتجاوز الواحد في الألف من مجموع كتلة غازات الغلاف الجويِّ. والهواء ضروريٌّ لانتقال الأمواج الصوتيّة. وإن ظهور الشهب هو مما يعني بالضرورة توليد أصوات مزامنة. ولكن العلوَّ الكبير الذي يحدث عليه الارتطام، وحالة التخلخل في الأيونوسفير، هما عاملان يجعلان التقاط تلك الأمواج الصوتيّة بالسمع البشريّ على سطح الأرض – يجعلانه أمراً نادراً.
وقد تأكد العلماء من وجود أزيزٍ sonic booms يزامن ظهور الشهب، ومن ظهور موجات صدميّة shock waves تزامن ظهورها أيضاً.
وقد استطاع العلماء التأكد من ادّعاءات بعض الناس في أنهم سمعوا أصواتاً تتزامن مع ظهور الشهب، وقد فسروا ذلك من خلال حدوث الأمواج الكهروصوتيّة electrophonic وذلك من خلال حقيقة أن حدوث الشهب مرتبط بالتفريغات الكهربائيّة التي هي مصدر أمواج راديويّة، وهذه الأمواج الراديويّة، وهي أمواج تنتقل بسرعة الضوء، تكون عند وصولها إلى بعض الناس المشاهدين للنشاطات الشهابيّة سبباً لاهتزازات يتّفق أن تدركها أسماعهم.

تركيب المستشهبات
المستشهبات meteoroidsهي قطع صخريّة أو معدنيّة؛ فقد يكون المستشهب صخريّاً حجريّاً أو حديديّاً، أو يكون خليطاً منهما مع امتزاجٍ بمعادن أخرى بنسب قليلة. وبعض المستشهبات الحجريّة تحتوي على نسبة كبيرة من الكربون وذلك بشكل كربونات الكوندرايْت carbonaceous chondrites. فأمّا بالنسبة لتركيب المستشهبات الحجريّة فقد وجد في تركيب عينات منها: أكسجين 36%، وحديد 26%، وسيليكون 18%، ومغنيسيوم 14%، وألومنيوم 1.5%، ونيكل 1.4%، وكالسيوم1.3%. وأمّا بالنسبة للمستشهبات الحديديّة فقد وجد في تركيب عيّناتٍ منها: حديد91%، و نيكل 8.5%، وكوبالت0.6% .
أنواع عروض الشهب ومعدّل حدوثها
(1) الشهب الفُرادى sporadic meteors
يمكن أن يشاهد الإنسان في الليلة الصافية، بعيداً عن أضواء المدن وفي غياب ضوء القمر، ما معدله في الساعة الواحدة بضعة من الشهب، وربما تصل إلى بضعةَ عشرَ, وهي في العادة لا تظهر معاً بل على تتابع متباعد في الوقت، أي بين الشهاب والآخر بضع دقائق. ومثل هذه الشهب، وبهذا المعدل، هي التي تظهر عشوائيّاً randomly متناثرةً من هنا وهناك في السماء، وليس من بقعةٍ محدّدةٍ، أي إن مواضع انطلاقها لا تكون من بقعة واحدة في السماء معلّمةٍ بخلفيّةٍ معيّنة من النجوم. والشهب في مثل هذه العروض هي التي يسمّونها : الشهب الفُرادى sporadic meteors، أي تظهرُ وُحداناً. ونحن في الواقع لا تجول عيوننا من نفس الموقع على الأرض في أكثر من واحد في العشرين ألف من المساحة الكليّة للسماء، ومن هنا فإن عدد الشهب الفرادى المرئيّة للناظرين يكون يوميّاً بالملايين.
(2) الهمرات الشهابيّة (الزخّات الشهابيّة، الرخّات الشهابيّة) meteor showers
يشاهد الناس أحياناً معدّلاً غير عاديٍّ من الشهب، وابلاً من الشهب، أي إن عشرات أو مئات أو حتّى آلاف من الشهب تسطع في الساعة الواحدة تباعاً، وحتّى إنَّها قد تظهر أحياناً بمثل هذه المعدّلات في آن واحد، وهي تظهر إذ تهوي في السماء بحيث كأنها منطلقة من نقطة واحدة، أي تبدو في السماء متشعّعةً من نقطة واحدة radiant point معلّمةٍ بخلفيّةٍ معيّنة من مجموعات النجوم. ومثل هذه العروض من الشهب التي تظهرُ زُرافاتٍ لا وُحداناً تعرف باسم: الهمرات الشهابيّةِ أو همرات الشهب، وبعضهم يقول عنها: الرخّات الشهابيّة، أو : الزخّات الشهابيّة. وبعض الهمرات الشهابيّة تظهر في السماء دوريّاً في مواعيدَ محدّدةٍ من السنة، وهي مرتبطة بمرور الأرض في أفلاك المذنّبات التي تترك وراءها مخلّفات من الغبار والحصى والحجارة. ويسمّي العلماء الهمرة الشهابيّةً باسم الخلفيّة من السماء التي تبدو فيها نقطة تشعُّعها، أي باسم البرج أو باسم كوكبة النجوم التي تكون في خلفيّة نقطة تشعُّعها. ومن أشهر الهمرات الشهابيّة: الأسديّات Leonids، والبرشاويات Perseids، والدلويّات Aquarids، والثوريّات Taurids، والقيثاريّاتLyrids ، والتوأميّات Geminids. ولكلِّ همرةٍ شهابيّةٍ فترة يكون فيها معدّلها قد بلغ أعلى قيمة أثناء مدّة حدوثها، وتعرف هذه الفترة بوقت الذروة أو ساعة الذروة peak hour.



(3) العواصف الشهابيّة:
meteor storms or meteor outbursts or meteor streams
وهي همرات شهابيّةٌ عالية المعدل بشكل كثيف متميّزٍ بحيث يتجاوز معدّل عددِها ألفَ شهابٍ في الدقيقة الواحدة؛ بل قد يظهر منها بضعة آلاف معاً. وبعض العواصف الشهابيّةِ، كتلك التي شوهدت في أوروربا في العام 1799م ، وفي العام 1833م، قُدّرَ عدد شهبها بمئات الآلاف في الساعة الواحدة. وفي أثناء مثل هذه العواصف الشهابيّةِ تبدو السماء مليئة بالنجوم الهاوية حتّى إنها قد تبدو وكأنها تُمطر شهباً، ففي العام 289 للهجرة الموافق 902 للميلاد ظهرت في سماء بغداد عاصفة شهابيّةٌ تزامنت مع موت الخليفة إبراهيم بن أحمد فسموّها: "ليلة النجوم"، واعتبرها بعضهم دموعاً ذرفتها السماء بكاء عليه . وعواصف الشهب نادرة الحدوث فقد لا تحدث في القرن الواحد أكثر من بضع مرّات؛ ثلاث مرّات منها هي عواصفُ شهابيّةٌ أسديّةٌ Leonids؛ إذ إن همرة الأسديّات التي تظهر سنويّاً في أواسط شهر تشرين الثاني تصنع عاصفةً شهابيّةً مرّة كل 33 سنة تقريباً.



ولأن الدقائق المحدثة للهمرة الشهابيّة، أو المحدثة للعاصفة الشهابيّة، تكون مسافرة في ممرات متوازية، وبنفس السرعة، فسوف تظهر شهبها للمراقب من الأرض متشعّعة من نقطة واحدة radiant point . وظهور التشعّع من نقطة واحدة عائد إلى الخداع البصريّ perspective. وغالباً ما يسمّون الرخة الشهابيّة بنسبتِها إلى البرج السماويّ أو الكوكبة السماويّة التي تكون في خلفيّتِها. وهناك همرات شهابيّةٌ مشهورة تعود للظهور بشكل دوريٍّ في نفس المواعيد من السنة . وقد تبدو العاصفة الشهابيّة كأنها "تمشيط" للسماء برمايات ناريّةٍ أو صاروخيّة، فتظهر السماء مليئةً بالنجوم الهاوية.




هل السماء الدنيا هي الأيونوسفير ionosphere؟

لقد عيّن القرآن الكريم أن السماء الدنيا هي موضع انطلاق الشهب، وذلك في ثلاث آيات؛ إذْ حصرَ ظهورَ الشهبِ فيها، وذلك صراحةً في اثنتيْنِ، وضمناً في الثالثةِ:
1- "ولقد زينا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعلناها رجوماً للشياطينِ" (الملك: 5).
2- "إنّا زيّنّا السماءَ الدنيا بزينةٍ الكواكبِ (6) وحفظاً من كلِّ شيطانٍ ماردٍ (7) لا يسَّمَّعونَ إلى الملإ الأعلى ويُقْذَفونَ مِنْ كلِّ جانبٍ (8) دُحوراً ولهمْ عذابٌ واصبٌ (9) إلّا مَنْ خَطِفَ الخطفةَ فأتبَعَهُ شهابٌ ثاقبٌ (10) [سورة الصافّات].
3- "وأنّا لمسنا السماءَ فوجدناها مُلِئتْ حرَساً شديداً وشُهُباً (8) وأنَّا كنّا نقعُدُ منها مقاعدَ للسمعِ فمَنْ يستمعِ الآنَ يجدْ له شهاباً رصداً(9)[سورة الجن]. ومن البدهيِّ أنَّ اللمسَ يكون بمسِّ سطحِ الشيءِ وظاهرِهِ، أي بمسِّ الطبقةَ الأولِى منه، ولا ريْبَ أنَّ الطبقَةَ الأولى من السماءِ بالنسبةِ للثقليْنِ، للجنِّ والإنس، هي السماءُ الدنيا.
فأيّ حيّزٍ من الفضاء هو السماء الدنيا حيث تحدث الشهب؟
قد ثبتَ علميّاً بشكلٍ لا مريةَ فيه أن الشهب لا تظهر ولا تنطلق إلاّ في الأيونوسفير بطبقاته الثلاث، أي في الفضاءِ من فوق الأرض المحتلِّ لارتفاع معدّله من نحو 60كم أو 70كم إلى 1000كم تقريباً، وهي من الأسفل إلى الأعلى: D-layer ، و E-layer ، و F-layer . وبناء على هذا، فالأيونوسفير هو السماء الدنيا. ويعزّز هذا الاستنتاجَ أن الأيونوسفير نفسَهُ ذو خصائص تمكنه من إصدار الضوء، أي إن الأيونوسفير مؤهل بخصائصه وبتركيبه ليقوم بمهمّة المصابيح؛ وهذا واضح من الضياء الدائب فيه، ليلاً ونهاراً، والمعروف باسم : "الوهج الجويّ" airglow، ومن ظاهرة الأفجار القطبيّة polar auroras، وبخاصّة الإهليلجان الأوروريّان auroral ovals الشماليّ والجنوبيّ. وكلٌّ إهليلج أوروريّ عبارة عن كعكة doughnut من ضياء الفجر القطبيِّ، وهي كعكة متغيّرة الحجم موجودة دائماً في أيونوسفير سماء المنطقة القطبيّةِ، واحدة في الشماليّة والأخرى في الجنوبيّة.
وعلى هذا، فالأيونوسفير طبقة مزيّنة بمصابيح، وهي نفسها مسرح الشهب أيضاً. ومن الجدير بالذكر أن أنشط منطقة أيونوسفيريّةٍ في توليد الأفجار القطبيّة هي طبقة E-layer، وهي نفسها مسرح النسبة الكبرى من النشاطات الشهابيّةِ.
وإذا أخذنا قول الله تعالى: "ولقد زيّنّا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعلناها رجوماً للشياطينِ" (الملك: 5)، فإننا نجد في تفسير القرطبيِّ أن الضمير في "وجعلناها" راجعٌ إلى السماءِ، وأنَّ هناك حذفاً للمضافِ، والتقدير هوَ : (وجعلنا شهبَها رُجوماً للشياطينِ).
وأمّا الإمام الرازيّ فقد ذهب في تفسيره الكبير "مفاتيح الغيب" إلى أن المجعول رجوماً للشياطين هو المصابيحُ أنفُسُها، أي إنه قد اعتبر أن الضمير في "وجعلناها" عائد على المصابيح. ولا ريْبَ أن عودة الضمير على المصابيح، وهي آخر مذكور قبل الضمير والأقرب إليه، تعني أنه يوجد في السماء الدنيا نفسِها ما يولّدُ شهباً ونوراً، أي إن الفضاء الذي من فوق الأرض حيث تتولّد الشهب يتمُّ فيه نفسِهِ توليد ضياء أيضاً. وبلغة أخرى، فإن الأخذ بعودة الضمير في "وجعلناها" على المصابيح معناه في النهاية أنه يوجد فوق الأرض طبق يتم في فضائه أو حيّزه توليد الشهب وتوليد نور، أي إن الطريقة التي يتمُّ بها توليد الشهب تُولِّدُ ضياءً أيضاً. وبناء على ما هو مقرّر جيوفيزيائيّاً من ارتباط ضياء الأفجار القطبيّة بالتفريغات الكهربائيّة ومن جريانها في الأيونوسفير، فإن ظهور الشهب في الأيونوسفير نفسِهِ لهو مما يعني أن هذا الظهور هو الآخر مرتبط بالتفريغات الكهربائيّةِ.

نظريّات في ضياء الشهب

هناك ثلاث نظريّات تتناول مسألة تفسير ضياء الشهاب meteor باعتباره، حسب النظرة التقليديّةِ، مرتبطاً بجسم هاوٍ meteoroid، وهي: نظريّة التوهّج الناتج عن التسخين بالاحتكاك، ونظريّة تفسير السطوع بالتوهّج بتأثير الضغط الكبسيّ، ونظريّة تولُّد الضياء بالتفريغات الكهربائيّة.
1) التسخين بالاحتكاك frictional heating
درج علماء الفلك والجيوفيزياء لفترة طويلة على تفسير الضياء الشهابيّ بأنه نتيجة توهّج المستشهب، أي نتيجة لما يحدث للمستشهب من التسخين إلى درجاتٍ حراريّة عالية جدا، قد تتجاوز ألفيْن من الدرجات المئويّةِ. وفي رأيهم أن التسخين الشديد يَحدث للمستشهب بسبب تحول طاقته الحركيّة العالية إلى طاقة حراريّة في عمليّة تصادم المستشهب بالمحتويات الغازيّة والأيونيّة في الأيونوسفير، وبخاصةٍ عند مرور المستشهب في طبقة E-layer بين ارتفاع نحو 90كم إلى ارتفاع نحو 150كم فوق سطح الأرض. ومع أن المستشهبات الشائعة المعهودة typicalصغيرة الكتلة، بحجم حبّات الرمل، إلا أن طاقتها الحركيّة عالية جداً بسبب سرعتها العظيمة؛ إذ إن الطاقة الحركيّة تتناسب طرديّاً مع السرعة ومع الكتلة، وهي تساوي نصف حاصل ضرب الكتلة في مربع السرعة، ويتم تطبيق هذه المعادلة باستعمال وحدات مخصوصة لكل من الطاقة والكتلة والسرعة. ويرى أصحاب هذه النظريّةَ أن الاحتكاك الشديد، وما ينشأ عنه من الحرارة، هما السبب في إبلاء واهتراء وتبديد واندثار ablation أجسام المستشهبات.
2) التسخين بالضغط الكبسيّ ram pressure
أثناء السقوط السريع للمستشهب، فإنه يعمل على دفع ما أمامه من محتويات الأيونوسفير الغازيّة ضاغطاً لها، كابساً لها متراكباً بعضها على بعض، بسرعة هائلة؛ وهذا الانضغاط السريع، هذا التراكب والتضّامُّ، للغازات من أمامه يؤدّي إلى تسخينها وتوهجها واكتسابه هو حرارة بحيث إنها توهّجُه هو أيضاً، وتعمل في تبخير مكوناته، وتأيين بعضها، وفي المساعدة على إحالته إلى رماد.
3) التفريغات الكهربائيّة electrical discharges
إن الطبقة الأيونوسفيريّة المعروفة باسم: E-layer هي منطقة جُلِّ النشاطات الشهابيّة. وتتميّز طبقة E-layer عن طبقة D-layer التي تحتها، وعن طبقة F-layer التي فوقها ليس فقط في نوع الغازات الغالبة بمنطقتها، وفي كثافتها، ودرجة استجابتها للتأيّن، وبخاصة بفعل أطياف الأشعة الشمسيّة القصيرة الموجة من السينيّة وفوق البنفسجيّةِ، بل تتميّز عنها أيضاً بعظَم نشاطاتها الكهربائيّة من فوارق جهد وتيّارات؛ إذ هي منطقة الأثر الدينامويّ dynamo effect region.
وبناء على الوجود الدائم لفوارق الجهد المتغيّرة والتيّارات الكهربائيّة في هذه الطبقة عظيمة الإيصاليّة الكهربائيّة، فإن مرور أي جسم موصل فيها يؤدّي إلى حدوث دوائر قصْر كهربائيّة short circuitsأو ما يقال عنه: ماسات كهربائيّة contacts، مسببةً تفريغاتٍ كهربائيّةً بسرعة هائلة، وهذا ما يحدث على طول ممرِّ سقوط المستشهب، وتكون هذه التفريغات الكهربائيّة بمثابة سلسلة خاطفة من الصواعق المُبرقة تصيب المستشهب نفسه وتنخره نخراً، وتحيله إلى بخار وأيونات ورماد.

تعقيبات
أرى أنه لا يمكن لأحد أن يأتي بأدلة فيزيائيّة تثبت خطاْ أيٍّ من النظريّات الثلاث، ولكن أين يكمن التفسير الجامع الصحيح؟
أرى أن ضياء الشهب الشائعة typical meteors والتي تكون مستشهباتها meteoroids بحجم حبة الرمل، بل حتّى ولو أنها كانت بحجم حبة الفول أو أكبر، كما في حالة الشهب من نوع الكرات الناريّة fireballs أو الكرات الناريّة المتفجرة bolides، أرى أن هذا الضياء هو ضياء من الشدّة والوضوح والانتشار بحيث لا يمكن أن يقوم بتفسيره إلّا التفريغات الكهربائيّة بما يلازمها من بروق. وأمّا التسخين وصولاً إلى توهج المستشهبات سواء عن طريق الاحتكاك التصادميّ أو الضغط الكبسيّ، أو عنهما معاً، فإن له مهمةً في تبخير وتأيين المستشهب، مما يعزّز من إيصاليّة المستشهب نفسه، وإيصاليّة الأيونوسفير في ممرِّ سقوطه، وبالتالي، فإن تعزيز تلك الإيصاليّةَِ هو مما يقوّي من فرص حدوث دوائر القصْر فجريان التفريغات الكهربائيّة القويّة مروراً بالمستشهب نفسه، و بما يحيط به من غيمة بلازميّةٍ. ولا ريْبَ أن مرور تيّارات القصر بجسم المستشهب هو مما يزيد في تسخينه ويعزّز من تبخير مكوّناته وتأيينها والعمل على نخرِه وإبلائه واندثاره ablation. فهل قدّم حديث القرآن عن الشهب هذه المعلومات سبقاً للعلوم؟
إن "نعم" هي الجواب. وقبل بسط وتفصيل هذا الجواب، فإنه من المفيد أن أقدّم التلخيص المرقّم التالي لإعطاء توضيحات عن الشهب الناتجة عن مستشهبات:
1- الشهاب في النظرة التقليديّة ظاهرة ضوئيّة خاطفة تعتري جسماً هاوياً بسرعة هائلةٍ في أعالي الجوِّ، وتحديداً في طبقة الأيونوسفير، وبخاصة في منطقة E-layer.
2- وهذا الجسم لا يكون مضيئاً من قبل السقوط، أي أنَّ الضياء المشهود المرتبط به حادثٌ في أثناء هُويِّهِ.
3- أن المستشهب بسبب سرعته العالية يكتسب طاقة حركيّة كبيرةً تتحول بارتطامه بغازات الأيونوسفير وبضغطها أمامه أيضاً – تتحول- إلى طاقة حراريّةٍ تُحدث فيه تسخيناً وتوهيجاً فتنطلق منه جسيمات مشحونة بحيث إنَّ قسماً كبيراً منها يلازمه في انقضاضه الخاطف في شكل غيمة بلازميّة.
4- أن عبورَ المستشهبِ في طبقة الأيونوسفير يُكوّن على حسابه وعلى حساب الأيونوسفير – يُكوِّن- عموداً أو أنبوباً من الأيونات هو بمثابة أنبوب تفريغ كهربائيٍّ.
5- أن المستشهب بإيصاليّته وإيصاليّة غيمته البلازميّة يعمل في إحداث ماسات كهربائيَة مسبّبةً دوائرَ قصرٍ short circuits في تيارات الأيونوسفير .
6- تجري في عمود الأيونات سلسلة عاقبة من التفريغات من خلال دوائر القصر محدثة فيه إنارةً تبدو للناظرين كأنها ذيل tail أو جرير trailيتبعه.
7- تعمل التفريغات بسبب التيارات الارتداديّة على تطويل مدة سطوع الذيل معزّزة فيه الوهج المدبر afterglow واللصف الفسفوري phosphorescence.

هل ربط القرآن المجيد ضياءَ الشهبِ بالاحتكاك والضغط الكبسي والتفريغات الكهربائيّة؟
من خلال أنَّ لكل من النظريّات الثلاث واقعاً حقيقيّاً يؤيّدها، فقد استنتجنا أن ضياء الشهب هو على حساب كلٍّ من التوهج بسبب الاحتكاك، والتوهج بسبب الضغط الكبسيّ، والتوهج بسبب التفريغات الكهربائيّة (بروق)، ولكن بنسب مختلفة أو حصص متباينة، أكبرها هي نسبة الضياء الناتج من التفريغات. فهل نجد في حديث القرآن الكريم عن الشهب ما يشير أو يتضمن ربط الضياء الشهابيِّ بالاحتكاك، والضغط الكبسي، والتفريغات الكهربائيّة، أي ربطه بالثلاثة معاً؟
نعم، قد جاء ربطها بالثلاثةِ معاً في وصف الشهاب بالطارق: "والسماءِ والطارقِ. وما أدراكَ ما الطارقُ. النجمُ الثاقبُ".
فهل يشمل "الطارق" في معانيه احتكاكاً وكبساً وتفريغاً كهربائيّاً (برقاً) ؟
أولاً- الطارق والاحتكاك
جاء في المعاجم أن الطرق هو الضّربُ، هو الصّكُّ، هو الدّقُّ. وهذه المعاني الثلاثة متقاربة. ولا شكَّ أنها تشترك في تضمُّنها الارتطامَ والاصطدامَ بين شيئيْن: متضاربيْن أو ضاربٍ ومضروبٍ، ومتصاكّيْن أو صاكٍّ ومصكوكٍ، ومتداقّيْن أو داقٍّ ومدقوقٍ، على التوالي، سواء كان الاثنان متحركيْنِ، أو كان أحدهما ثابتاً وتحرك الآخر تلقاءه. ومع حدوث الارتطام أو الاصطدام لا بدَّ أن يكون هناك احتكاكٌ فتسخينٌ على حساب الطاقة الحركيّة.
ثانياً- الطارق والكبس (التراكب والتضاغط).
جاء في المعاجم أن الطرقَ هو وضع أو تركيب شيء على شيء.
اطّرَقتِ الأرضُ إذا ركب التراب بعضُه بعضاً.
اطّرقَ جناح الطائر: التفَّ ريشه.
الطَّرَقُ في الريش: أن يكون بعضها فوق بعض؛ ويقالُ: ريش طِراقٌ إذا كان متراكباً.
طارَقَ الخيّاط الثوبينِ أو طرَقَهما: ركّبَ أحدهما على الآخر وخاطَهما.
طارَقَ الإسكاف النعليْن أو طرَقهما: خصف أحدهما على الآخر، ودرزهما أو خرزهما.
تقول العرب: طرَق تطخطخُ الغيمِ الليلَ، وطارَقَ الغيمُ الليلَ بتطخطخه، أي من خلال تجمّع الغيوم والتأليف بينها زادَ الليلُ ظلمةً على ظُلمةٍ، وعتمة على عتمة.
وما من ريْبٍ أن تراكب أو تركيب الأجسام بعضِها فوق بعضٍ هو كبس وتضاغط.
ثالثاً- الطارق والتفريغ الكهربائيّ (البرق).
جاء في "ثانياً" أن الطرق هو انضمام الشيء بعضه إلى بعض، أو هو تراكب الشيء متجمّعاً بعضه على بعض. وإذا نظرنا إلى التفريغ الكهربائيِّ، وهو طريقة حدوث البرقِ، فإننا نجد أنه في النهاية عبارة عن تجمُّعٍ لمتجمّعات؛ تجمّع للشحنات السالبة يقابله تجمّع للشحنات الموجبة، وعندما يحدث بينهما تجاذب كهربائيٌّ قادرٌ أن يحطم مقاومة الهواء بينهما، فإن الشحنات تندفع متصادمة، وتتعادل، وكأن الجسيمات الموجبة تلمُّ وتجمِّع الإلكترونات السالبة؛ أي يوجد في هذه العمليّةِ تصادمات ومحاولة انكباس وتراكب. ومن هنا، فالتفريغ الكهربائيّ يتضمن حدوث انكباس وتضاغط، وحدوث تصادم واحتكاك، أي إنه شكل من أشكال الطرق.
والطرق هو أيضاً ضربُ أو رميُ الحصى. وإذا ما أخذنا ضرب الحصى بعيداً عن ارتباطه بالكِهانة، فإن واقع الشهب من المصدر الكونيّ هو أنه يغلب عليها أنها حُصَيّات أو فتات من الحصيّات، وقد تكون بحجم الحصى كما في حالة الكرات الناريّة fireballs، وأنّها ساقطة نحو الأر


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=21517