من نوادر الجاحظ وطُرفه

أ. د. حسيب شحادة               Saturday 03-09 -2011

وُلد هذا الأديب العربي‏ ?الفذّ‏ ?في‏ ?مدينة البصرة العريقة في‏ ?تاريخ علم اللغة العربية وتوفي‏ ?فيها،‏ ?وكان ذا باع طويلة في‏ ?شتى العلوم والمعارف في‏ ?عصره، وهناك في‏ ?فرقة المعتزلة مجموعة تحمل اسمه‏ "?الجاحظية‏". ?امتاز أبو عثمان برأي‏ ?ثاقب سديد وبفكر خلاق حرّ‏ ?فيه الكثير من المرح والدعابة كما سيتّضح لك أيها القارىء الكريم من العيّنة التالية من نوادره وطرفه‏. ?ومن مؤلفات الجاحظ،‏ ?التي‏ ?لا تخفى على جلّ‏ ?بني‏ ?لغة الضاد،‏ ?الحيوان والبيان والتبيين والبخلاء‏. ?

امرأتان،‏ ?فارعة ومخادعة

ما أخجلني‏ ?أحد إلا امرأتان،‏ ?رأيت إحداهما في‏ ?العسكر،‏ ?،كانت طويلة القامة،‏ ?وكنت على طعام،‏ ?فأردت أن أمازحها‏. ?فقلت لها‏: ?انزلي‏ ?كلي‏ ?معنا‏. ?فقالت‏: ?اصعد انت حتى ترى الدنيا‏!! ?وأما الأخرى فإنها أتتني‏ ?وأنا على باب داري‏ ?فقالت‏: ?لي‏ ?إليكَ‏ ?حاجة وأريد أن تمشي‏ ?معي‏. ?فقمت معها إلى أن أتت بي‏ ?إلى صائغ‏ ?يهودي‏ ?وقالت له‏: ?مثل هذا‏! ?وانصرفت‏. ?فسألت الصائغ‏ ?عن قولها فقال‏: ?إنها أتت إليّ‏ ?بفصّ وأمرتني‏ ?أن أنقش لها عليه صورة شيطان‏! ?فقلت لها‏: ?يا ستّي‏ ?ما رأيت الشيطان‏! ?فأتت بك وقالت ما سمعت‏.?

سندية لثغاء

أتيت منزلَ صديق لي‏ ?فطرقت الباب فخرجت إلىّ‏ ?جارية سندية‏. ?فقلت‏: ?قولي‏ ?لسيدك الجاحظ بالباب‏! ?فقالت‏: ?أقول الجاحِد بالباب؟ على لغتها‏! ?فقلت‏: ?لا،‏ ?قولي‏ ?له‏: ?الحَدَقي‏ ?بالباب‏! ?فقالت‏: ?أقول‏: ?الحلقي‏ ?بالباب؟ فقلت‏: ?لا تقولي‏ ?شيئاً‏ ?ورجعتُ‏. ?ا

قُلِ‏ ?الحقيقة‏!?

وقال‏: ?جائني‏ ?يوماً‏ ?بعضُ الثقلاء فقال‏: ?سمعت أن لك ألف جواب مُسكت،‏ ?فعلمني‏ ?منها‏! ?فقلتُ‏ ?نعم‏. ?فقال‏: ?إذا قال لي‏ ?شخص‏: ?يا زوجَ القحبة،‏ ?يا ثقيلَ‏ ?الروح،‏ ?أي‏ ?شيء أقول له؟
فقلت‏: ?قل له‏: ?صدقتَ‏!?

أآفة العلم النسيان؟

وقال الجاحظ‏: ?نسيت كنيتي‏ ?ثلاثة أيام فسألت أهلي‏: ?بماذا أكنّى؟ فقالوا لي‏: ?أبو عثمان‏!?

‏"?تعب عل الفاضي‏"?

العروض علم مردود،‏ ?ومذهب مرفوض،‏ ?وكلام مجهول،‏ ?يستكد العقول بمستفعل ومفعول من‏ ?غير فائدة ولا محصول‏. ?

اللسان هو الانسان

قال‏: ?وكان أعرابي‏ ?يُجالس الشعبي‏ ?فيطيل الصمت،‏ ?فسُئل عن طول صمته فقال‏: ?اسمع فاعلم واسكت فاسلم‏. ?وقالوا‏: ?لو كان الكلام من فضّة لكان السكوت من ذهب‏. ?وقالوا‏: ?مقتل الرجل بين لحييه وفكيه‏. ?وأخذ أبو بكر الصديق،‏ ?رحمه الله بطرف لسانه وقال‏: ?هذا الذي‏ ?أوردني‏ ?الموارد‏. ?وقالوا‏: ?ليس شيء أحق بطول سَجن من لسان‏. ?وقال النبي‏ ?عليه السلام‏: ?وهل‏ ?يكبّ‏ ?الناس على مناخرهم في‏ ?نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟

إغاثة الملهوف

مررت بمعلم صبيان وعنده عصا طويلة وعصا قصيرة وصولجان وكرة وطبل وبوق‏. ?فقلت‏: ?ما هذه؟ قال‏: ?عندي‏ ?صغار أوباش فأقول لأحدهم اقرأ لوحك فيصفّر لي‏ ?فاضربه بالعصا القصيرة فيتأخّر،‏ ?فأضربه بالعصا الطويلة فيفرّ‏ ?من بين‏ ?يدي،‏ ?فاضع الكرة في‏ ?الصولجان وأضربه فأشجّه،‏ ?فيقوم اليّ‏ ?الصغار كلهم بالألواح،‏ ?فاجعل الطبل في‏ ?عنقي‏ ?والبوق في‏ ?فمي‏ ?وأضرب الطبل وأنفخ في‏ ?البوق،‏ ?فيسمع أهل الدرب ذلك فيسارعون اليّ‏ ?ويخلصونني‏ ?منهم‏.?

‏"?عفطت عليك،‏ ?أجاك‏ ?يا بلـّوط مين‏ ?يعرفك‏"?

وهذه النادرة الطريفة،‏ ?نادرة الحمّال،‏ ?مذكورة في‏ "?محاضرات الادباء‏". ?استأجر رجل حمّالا‏ ?يحمل له قفصا فيه قوارير على أن‏ ?يعلمه ثلاث خصال‏ ?ينتفع بها‏. ?فحمل الحمال القفص‏. ?فلما بلغ‏ ?ثلث الطريق قال‏: ?هات الخصلة الأولى‏. ?فقال‏: ?من قال لك إن الجوع خيرٌ من الشبع فلا تصدقه‏. ?فقال‏: ?نعم‏. ?فلما بلغ‏ ?ثلثي‏ ?الطريق قال‏: ?هات الثانية،‏ ?فقال‏: ?من قال لك ان المشي‏ ?خير من الركوب فلا تصدقه‏. ?فقال نعم‏. ?فلما انتهى إلى باب الدار قال‏: ?هات الثالثة‏. ?فقال‏: ?من قال لك انه وجد حمّالا أرخص منك فلا تصدقه‏. ?فرمى الحمّال القفصَ‏ ?على الارض وقال‏: ?من قال لك في‏ ?هذا القفص قارورة صحيحة فلا تصدّقه‏. ?

المعرفة والنكرة،‏ ?وجهة نظر

قال الجاحظ‏ "?كنتُ‏ ?جالساً‏ ?عند أحد الورّاقين ببغدادَ‏ ?فاقترب منّي‏ ?أبو العبّاس أحمد بن‏ ?يحيى وكان من أئمة النحو في‏ ?عصره فسألني‏: ?الظبي‏ ?معرفة أم نكرة؟ فقلتُ‏: ?إن كان مشويّاً‏ ?على المائدة فهو معرفة وإن كان في‏ ?الصحراء فهو نكرة‏. ?فقال أبو العبّاس‏: ?ما في‏ ?الدنيا أعرَفَ‏ ?منك بالنحْو‏. ?


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=23780