بنو إسرائيل وثورات الشعوب العربية

رغداء محمد أديب زيدان               Saturday 01-10 -2011

عندما بعث الله نبيه موسى عليه السلام لينقذ بني إسرائيل من استبداد فرعون الذي كان يقتّل أطفالهم ويستحي نساءهم ويستعبدهم, نجح موسى عليه السلام في مهتمه وأخرج بني إسرائيل وأنقذهم, وسار بهم باتجاه التحرر والانعتاق, لكن بني إسرائيل لم يدركوا نعمة التحرر من الاستبداد التي أنعم الله بها عليهم, ولم يكن عندهم تصور وإدراك لحياة الحرية, كان الاحساس بالعبودية متغلغلاً في نفوسهم لدرجة كبيرة, وذكر لنا القرآن الكريم كيف أنهم طلبوا من موسى عليه السلام عندما مروا على قوم يعبدون أصناماً أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة, وكيف أنهم عبدوا العجل عندما غاب عنهم موسى أياماً!.
بنو إسرائيل هؤلاء الذين كانوا يعانون من استبداد فرعون, لم يكن عندهم قدرة على الخروج نفسياً وفكرياً من بوتقة العبودية والذل التي عاشوا فيها وألفوها, وهم بالتالي لم يحصدوا نتائج تحررهم, ولم يستطيعوا بناء أمة حرة قادرة على الفاعلية والعمل الجاد المثمر الذي كان من المفروض أن يتطلعوا له ويعملوا من أجله.
كانوا يعانون من الاستبداد والقهر والذل, وكانوا يرغبون بالتخلص منه, إلا أنهم لم يملكوا القدرة على وعي فوائد الحرية وضرورتها. لم يكونوا, وفق وجهة نظري, يدركون أن تطلعهم للحرية لا يعني فقط التخلص من الاستبداد, ولكن هذا التطلع يحمّلهم مسؤوليات كبيرة, ناتجة عن فهمهم لمعنى التحرر, كان يجب أن يدفعهم للعمل على ترسيخ هذه الحرية على أسس ثابتة, تمكنهم من الانطلاق نحو حياة أفضل وأكثر فاعلية.
ولكن أنى لهم ذلك وهم لم يميزوا بين حياة السوء والكسل والإخلاد إلى الأرض, وبين حياة الفاعلية والرقي والكرامة؟! حتى أنهم ملوا من المن والسلوى واشتهوا ما كانوا يطعمونه أيام ذلهم من بقل وقثاء وفوم وعدس وبصل. وبالطبع فإن قول موسى عليه السلام لهم " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" لا يقتصر فقط على اختيارهم أنواع الطعام, ولكنها الدلالة التي تُظهر كيف أنهم لم يرتقوا لحياة الكرامة والحرية والفاعلية وكيف تغلغل الذل والعبودية في نفوسهم فمنعهم من التمييز السليم والاختيار الأفضل.

في تصوري أن الثورات العربية التي نعيش زخمها هذه الأيام, والتي نتابع أحداثها بكل جوارحنا, والتي نرى بأم أعيننا تلك الدماء الطاهرة التي تُسال في مذبحها, تدفعنا للتفكير بما بعدها. وتدفعني شخصياً لتذكر سيرة بني إسرائيل مع نبي الله موسى, وأسأل نفسي: هل يدرك شبابنا معنى الحرية التي يطلبون؟
قد يقول قائل, وأنا أوافقه تماماً, أن التخلص من الاستبداد بحد ذاته مطلب كبير, يجب أن نسعى لتحقيقه, لأن الاستبداد لا يعني الذل فقط, ولكنه يعني الإعاقة, فهي يعيق كل فاعلية ممكنة, ويعيق كل تطلع نحو نهضة تظهر إنسانيتنا, ويعيق الحضارة والنماء. ولكن التخلص من الاستبداد دون وعي بفوائد الحرية وضرورتها لن يجعل من هذه الثورة إلا فورات مؤقتة, تزيح استبداداً لتأتي بآخر ربما كان أشد بشاعة وفتكاً.

يشيد كثير من المفكرين بثورة الشباب البعيدة عن الأديولوجيا, والتي لا تنضوي تحت حزب أو حركة بحد ذاتها, فهذه الثورات التي يقوم بها الشباب باندفاع كبير وشجاعة ملفتة رغم القتل والاعتقال والترهيب الذي تقابل به تحت سمع وبصر العالم, الذي يكتفي بالشجب والتنديد, الذي يخضع للمصالح ولعبة السياسة والسيطرة وتقاسم الغنائم, تطالب بالحرية والكرامة وإزاحة الاستبداد, وتعتبر أن هذا المطلب هو الهدف الرئيس والأساس والوحيد حتى نجاح الثورة وتحقيق أهدافها بإسقاط أنظمة القمع والاستبداد والفساد.
وكم أتمنى أن يقوم هؤلاء المفكرون بتقديم خبراتهم التحليلية ليس لتمجيد هذه الثورات فقط, رغم أنها تستحق الثناء, ولكن لبث الوعي اللازم لهذه الثورات حتى لا تُسرق, ولا تتحول إلا مادة إعلامية فقط.
في مصر وتونس حيث حققت الثورة هدفها الرئيس وهو إزاحة رأس الاستبداد, لم ألمس ذلك الوعي بأهمية الفعل الذي حصل, ومازال عندي خوف كبير من أن يعود الاستبداد بثوب جديد خادع, تحت مسميات مختلفة, وبأسباب وذرائع كثيرة, يمررها عدم وجود الوعي الكافي والنظرة المستقبلية التي ترسخ الحرية وتجني ثمارها المطلوبة.
لا أقول إن مجتمعاتنا ليست مهيأة للحرية والديمقراطية والعيش الكريم كما قد يتبادر للبعض, ولكننا بحاجة ماسة الآن للوعي بمسؤوليات الحرية التي نقاتل من أجلها, وهذا يعني وفق وجهة نظري, ضرورة السعي للاستقلال التام, الذي يخلصنا من تلك السلوكيات المعيقة للفاعلية, فالانتماء للوطن, والاستعداد للخدمة العامة, وتغليب المصلحة العامة على الخاصة, والإخلاص والصدق هي ضرورات لا تؤتي الحرية ثمارها بدونها, ولا يمكن أن نتخلص من الاستبداد والذل إلا باستعدادنا للعمل وتحمل مسؤولياتنا, وإدراكنا لمفهوم الحرية ومتطلباته.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=24032