صديقي الفايسبوكي عامل في الأنفاق

مصطفى إبراهيم               Monday 14-11 -2011

محمد صديقي الفايسبوكي عامل في أنفاق الموت كما يصفها، يقول العمل فيها صعب جداً وشاق، لم يوفق في الحصول على درجات في الثانوية العامة تؤهله لإكمال تعليمه الجامعي، يدرك انه في كل يوم يتوجه إلى الموت بقدميه، ويشعر بخوف شديد أثناء عمله داخل النفق ويشعر بالأمان بعد خروجه من النفق.

جرى الحديث معه في إجازة العيد على الفايسبوك، وعندما سألته هل تتمنى أن تغلق الانفاق؟ قال لي حرام عليك فرصة عمل كبيرة للناس لا تعوض لآلاف العمال، على الرغم من أنه الناجي الوحيد من بين أربعة من جيرانه وأعز أصدقاؤه منذ الطفولة وزملاء الدراسة قتلوا أثناء عملهم في الأنفاق، عاد للعمل بعد شهرين من مقتلهم، وما زال يسيطر عليه شعور بالصدمة وعدم قدرته على نسيان أصدقاؤه وتعويضهم، والتفكير بهم باستمرار خاصة أنهم تعاهدوا في حال انهيار النفق أن ينقذوا بعضهم بسرعة مهما حصل.

محمد عرفني بنفسه وقال لي انه يعرفني منذ طفولته، وذكرني بنفسه وانه جار عائلتي بمدينة رفح وان شقيقي الأكبر كان معلمه في الابتدائية، وأصله من قرية حليقات ويسكن في حارة برير المسماة على اسم قريتي التي هجرت عائلتي منها في العام 1948، في مخيم الشابورة بمدينة رفح.

محمد يعمل في الأنفاق منذ ثلاثة أعوام، يعيل عائلته المكونة من تسعة أفراد، يعمل 12 ساعة في اليوم، فرض على شقيقه الأصغر منه ان يتوقف عن العمل في الانفاق بعد ان تم تفجير النفق الذي كان يعمل به، يبدأ عمله من الساعة السادسة مساء حتى السادسة صباحاً، ونهاره يصبح ليلا يقضيه في النوم استعدادا ليوم عمل جديد، وبعد مقتل أصدقاؤه يقضي معظم وقته في البيت حتى في يوم الجمعة عطلته الأسبوعية.

هو يقول ان عدد عمال التنزيل في وردية الليل 14 عامل، مهمتهم استقبال البضاعة من فتحة النفق على الجانب المصري وتحضيرها لفترة الصباح، وهو من ضمن وردية الليل حيث ينتظر العمال مدة ساعة داخل النفق في وصول الأمين المصري المسؤول عن فتحة النفق في الجانب المصري، ويقوم ثلاثة عمال باستقبال البضاعة من الأمين المصري ويبدأ العمال الآخرين بتنزيل البضاعة.

مهمة عمال السحب وعددهم 30 في الفترة الصباحية يبدؤون بإدخال البضائع إلى الجانب الفلسطيني ومنها الزيتون والزيت والكلمنتينا، ومواد البناء خاصة الاسمنت والحصمة وهي المطلوبة بشدة في السوق الآن، وغيرها من السلع، الأجرة اليومية للعامل تتراوح بين 120 شيكل، و100 شيكل.

محمد يقدر عدد الانفاق التي تعمل نحو 400 نفق، يعمل بها نحو 4000 ألاف عامل، وهي فرصة عمل كبيرة لهؤلاء العمال على الرغم من خطورة العمل فيها، وان أي منهم قد يفقد حياته في كل لحظة سواء بانهيار النفق او قصف طائرات الاحتلال أو تفجير الانفاق من المصريين، أو تسرب المياه أو بانفجار اسطوانة غاز، او بوقوع ماس كهربائي، لافتقاد الانفاق أي من إجراءات السلامة والوقاية والرقابة، بالإضافة إلى حرمان العمال من أي حقوق اجتماعية او قانونية لان العمل في الانفاق أصلاً غير قانوني.

محمد استنكر علي إغلاق الانفاق لأنها فرصة عمل كبيرة للناس، لكنه تمنى ان تكون الدنيا حلوة مع الناس والشباب خاصة، ويكونوا الناس في الدنيا ايد وحدة، وان لا تكون العلاقة بين الناس قائمة على المصالح.

وفي قطاع غزة اعتمد الغزيين كليا على الأنفاق وحفروها وتوسعوا في حفرها كبديل عن المعابر المغلقة، واستفادت طبقة كبيرة من التجار من انفاق الموت، وأجبر قطاعاً واسعاً من الفقراء والعاطلين عن العمل خاصة الشباب إلى العمل الأسود في ظروف قاسية تشبه السخرة، وبأجور زهيدة، فمعظم الضحايا هم من الشباب الفقراء والعاطلين عن العمل، وهم ممن دفعهم الفقر والفاقة للمغامرة بحياتهم من أجل لقمة العيش.

في قطاع غزة وصل عدد قتلى الانفاق 210، وفي ظل استمرار هذه الظاهرة، وفي ظل صمت الحكومة في غزة عن عدم اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أمن وسلامة العاملين في الأنفاق، وعدم إتباع مواصفات الأمن والسلامة، وعدم توفر معدات الإنقاذ، وغياب الرقابة الحقيقية، سيبقى القتل مستمرا وسيبقى صديقي الفايسبوكي وغيره الآلاف من الشباب العاطلين عن العمل عرضه للقتل في كل لحظة جراء عملهم في الانفاق.

[email protected]
mustaf2.wordpress.com


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=24356