هل الانسحاب الأمريكي من العراق سيفرض واقعاً جديداً لتوازن القوى ؟

رضا سالم الصامت               Thursday 08-12 -2011

غزو العراق كان أكبر هفوة تترتكبها الولايات المتحدة الأمريكية ، كانت عملية احتلال غير أخلاقية و بدون مشروعية ، الأمريكان دخلوا بحجة إعادة الحرية و بناء الديمقراطية ، ديمقراطية جديدة في العراق و القضاء على حكم جائر غير نزيه ضد صدام حسين الذي استطاع دك تل أبيب في عقر دارها بصواريخ أرهبتهم و أدخلت الذعر في صفوف شعبهم ...هم دخلوا من أجل النفط لا من أجل امتلاك صدام لأسلحة الدمار الشامل المزعومة ... و بعد محاكمات بدت و كأنها مسلسل هزلي ، حكم على صدام و أتباعه بالإعدام ، بعد أن القوا القبض عليه و هو في حفرة ... و نفذوا حكمهم الجائر وتم إعدام صدام شنقا صبيحة يوم عيد اضحى ، دون مراعاة لمشاعر المسلمين .
شعب العراق كان يعيش حرا وسعيدا بأبنائه وخيراته و لم تكن هناك دواعي لاحتلال بلد عربي ذا سيادة ..
كانت هناك فقط مزاعم مغلوطة و ملفقة مثل البحث عن أسلحة دمار شامل يمتلكها صدام حسين، و لكن بالمقابل كانت هناك نوايا خبيثة و أهداف استراتيجية أمريكية غربية من ضمنها تدمير العراق و إضعاف قدراته العسكرية و المعنوية لأنه أصبح كبلد يهدد أمن إسرائيل ، و سلامتها ...
استطاع بوش الصغير الأحمق إقناع الإدارة الأمريكية بضرورة غزو العراق , وتجاهل موقف الدول الكبرى في مجلس الأمن كالصين الشعبية والرأي العام الدولي والقانون الدولي و منظمات حقوق الإنسان و غيرها وضغط بشدة وهدد علانية دول الخليج والسعودية إذا تأخرت في دعم الموقف الأمريكي , وكانتا قطر والكويت و يا للأسف فاتحتين ذراعيهما لدخول القوات الأمريكية عبر أراضيهما..
وحصلت الحرب وسقط النظام الصدامي خلال ثلاثة أسابيع وبدأ تدمير الدولة وحل مؤسساتها المهمة ودخل العراق نفقا مظلما متعرجا وطويلا تملؤه الفوضى وأعمال النهب و القتل والدماء .
كانت حرب قذرة بكل المقاييس مقززة ستظل وصمة عار في تاريخ الإنسانية . دفع ثمنها الشعب العراقي .
إن حرب العراق هذه كانت حربا مشؤومة ، غير متكافئة ، بل قاسية أقسى حتى من حرب فيتنام ....كانت حرب شوارع و تصفية حسابات ذهب ضحيتها آلاف الشهداء و تكبد فيها الاحتلال خسائر فادحة جرته لمستنقع يصعب الخروج منه ... لكن من الذي يدفع الثمن ؟ الآن وتطبيقا للاتفاقية الأمنية الموقعة مع بغداد عام 2008 أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما نية إدارته سحب جميع القوات الأميركية من العراق مع نهاية العام الجاري، بعد مرور ثمان سنوات من الاحتلال الأمريكي لم يظهر أي تطور وتحسن على المستوى الأمني والمعيشي لأبناء العراق ... فالعراق كان ضحية لمؤامرة صهيو- امريكية لأن حسب التقارير كل المحاولات السياسية لبناء دولة قوية ذات أمن ومستقر في ظل استمرار أعمال العنف من دون أمل في نهاية لها، واستمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن ارتفاع نسبة الفقر إلى نحو 35% والبطالة إلى نحو 60% بسبب الفساد وسوء استغلال موارد البلاد .
الإسرائيليون اعتبروا أن قرار الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش غزو العراق واحتلاله أعظم هدية قدمها الأمريكان لإسرائيل . فتدمير القدرات العسكرية والاقتصادية للعراق كان مكسباً “إسرائيلياً” مائة في المائة، حيث شعر “الإسرائيليون” بقدر أعلى من الأمان من ناحية الجبهة الشرقية بعد أن أمنوا تماماً الجبهة الجنوبية مع النظام المصري السابق وتفرغوا لتحديات الجبهة الشمالية مع لبنان وسورية، والأهم أنهم تفرغوا لمشروع الاستيطان والتهويد وتصفية القضية الفلسطينية، لكنهم علاوة على ذلك نجحوا في اختراق العراق وخلق نفوذ سياسي واستخباراتي واقتصادي مع أطراف عراقية وخاصة مع الإقليم الكردستاني مستغلين المخاوف الأمنية للأكراد في حالة أي انسحاب أمريكي وحرصوا على أن يكونوا بديلاً أو على الأقل طرفاً يمكن أن يقدم المساعدة في اللحظات الحرجة إذا ما اضطر الأكراد إلى التلويح بانفصال إقليم كردستان، وإذا ما دخلوا في صراع مع الحكومة المركزية في بغداد حول ضم أقاليم من “الأراضي العراقية لإقليم كردستان مثل كركوك أو مدن أخرى.
العراق خسر قدراته العسكرية والاقتصادية ، إضافة إلى الخسائر البشرية فإن جريمة الاحتلال الأمريكي للعراق ستبقى من أبرز جرائم العصر التي لن يستطيع الزمان محوها . وفضلاً عن ذلك جرى تمزيق وحدة النسيج الوطني العراقي، وأصبحنا نتحدث عن طوائف ومذاهب متعددة ، اختفى العراق، وتهددت عروبته، وأصبحت وحدة أراضيه مهددة، وكان هذا كله مصدراً جديداً للتهديد بالنسبة لكثير من الدول العربية الخليجية، وخسر العرب، بوابتهم الشرقية، واختل توازن القوى لمصلحة كل من “إسرائيل” وأمريكا ومعهما تركيا التي نجحت في أن تفرض نفسها كطرف مهم في المعادلة السياسية ومعادلة توازن القوى داخل العراق .
الأمريكان يعتبررون أن انسحابهم من العراق تحول إلى ورقة مهمة في التنافس الانتخابي الرئاسي بين الجمهوريين وبين الرئيس باراك أوباما والحزب الديمقراطي، حيث يعمل قادة الحزب الجمهوريون على تصوير قرار أوباما بالانسحاب الكامل من العراق أنه تفريط في مكاسب استراتيجية أمريكية تحققت على يد الرئيس الجمهوري السابق جورج دبليو بوش، كما حرصوا على تأكيد أن قرار الانسحاب لن يكون إلا لمصلحة إيران على نحو ما اعتبر جون ماكين المنافس الجمهوري لأوباما في الانتخابات الرئاسية السابقة الذي عد الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق “نكسة سيئة وحزينة للولايات المتحدة في العالم” وأنه انتصار استراتيجي لأعداء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط . أما المرشح الجمهوري الأبرز للانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة ميك رومني فقد اعتبر أن الانسحاب فشل ذريع يعرض للخطر الانتصارات التي تحققت بدم وتضحيات آلاف الأمريكيين منذ غزو العراق في عام 2003” . وهكذا يأتي هذا الانسحاب الأمريكي من العراق ليفرض واقعاً جديداً لتوازن القوى، و سوف يخسر الأمريكيون حتماً وكذلك “إسرائيل” ، أما العرب فهم حتى الآن خارج اللعبة .


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=24531