سقوط الأقنعة، والقرن الضائع: النموذج التركي والعقم العربي

كمال أبوديب               Thursday 16-02 -2012

1 ـ بين عامي 1911 و2011 اسيقظ الوعي العربي بالذات وبتمايز الهوية العربية عن الذات العثمانية المهيمنة، ثم انتكس وكفّنته عباءات الهيمنة من جديد في دثار 'إسلام تركي' هذه المرة. وبهذا المعنى فإن القرن العشرين هو 'القرن الضائع' في التاريخ العربي. فلقد انكفأ العرب في نهايته إلى ما كانوا عليه في بدايته. ومسحوا زمناً رائعاً، رغم كل مآسيه وإخفاقاته، من التفتح والجهد لاقتحام العالم المعاصر وتحديث الوجود العربي، وابتكار 'حداثة' حقيقية عربية منفتحة على تيارات المعرفة والإبداع والتغيير في العالم الشاسع، ومشاركة في إغنائها، ومثرية في الوقت نفسه لتراث عريق من المعرفة والإبداع لم تنضب عروق الحيوية فيه إلا في قرون السيطرة العثمانية وامتصاصها لأنساغ الخصب باسم الدين وتحت مظلة الخلافة. في 2012 تبدأ عملية اغتصاب جديد للوعي العربي باسم الدين، بل باسم مذهب ديني واحد وحداني، يتكاثر دعاته الآن وتصمّ أصواتهم الآذان، يدعمهم فيضان نُوْحِيٌّ من الأموال الخليجية والعسكرية التركية. وقد قال أحد دعاته في مقالين متتاليين في جريدة 'الحياة' حديثاً إن هذه العملية تعيد رسم الخطوط في المنطقة كلها لتصحح 'خطأ تاريخياً' يتمثل في بروز قوة التيار المذهبي الآخر خلال العقود الماضية. وعبّر الكاتب -الذي لا يعقل أن يكون مقاله نشر في 'الحياة' دون مباركة رسمية سعودية له- في عنوان مقاله الأول عن طبيعة الصراع الذي يدور في سورية وعليها. وعنوان المقال 'أفول الهلال الشيعي' . وفي المقال الثاني يتحدث عن تحوّل سورية إلى 'الحفرة السوداء' لزمن طويل لأن حاكماً 'علوياّ وصل إلى حكم سورية السنّية العربية... وغيّر شخصية سورية في شكل لم يحصل مطلقاً منذ أن تشكلت بملامحها الإسلامية القوية حاضنة للخلافة العربية الإسلامية وإقليماً أساسياً في المشرق العربي، مكملة لجزيرة العرب بداية، ثم لمصر في مرحلة ثانية، واختتمتها بعلاقة وثيقة مع تركيا انتهت بسقوط الخلافة'، فغيرت سورية 'جلدها وطبيعتها ومكانها السياسي والجعرافي.. '.
هكذا ينقلب الزمان العربي من زمان تنامي الوعي القومي والهوية العربية إلى زمان الوعي السنّي والهوية السنّية لهذه المنطقة الشاسعة من العالم. وجليّ كما قلت في مقالتي 'قليلاً من العقل ياسورية' قبل أشهر ، وكما بدأ كثير من الكتّاب يرددون الآن، أن ثمة محوراً يتشكل من دول الخليج، تقوده قطر والسعودية، وتركيا دخل في تحالف مصيري مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا خاصة، لإنجاز المشروع الاسترجاعي ولتحقيق انتصار القمر السنّي على الهلال الشيعي، وعودته بدراً ساطعاً يملأ السماء ويضيء العالم الجديد النظيف. هكذا نعود بعد قرن كامل إلى عصور الانحطاط العربية والتفاخر بالهويات المذهبية، وخوض المعارك الطاحنة التي يذهب ضحيتها الآلاف من البشر من أجل انتصار فئة على فئة ومذهب على مذهب. وأصبح نادراً أن تجد الآن أحداً من الكتّاب أو 'الثوريين' العتاة أو الحكّام الطغاة يخجل من الإعلان بلغة لا التباس فيها عن هويته المذهبية. ولقد لعبت هذه الظاهرة في تقديري دوراً في إذكاء جحيم المعركة الطائفية، لأن استخدام المصطلحات صراحة في وسائل الإعلام يبلور المفاهيم الصامتة أو المكبوتة من جهة، ويمنحها، من جهة أخرى، تداولية سريعة إذ يخترق حدود المحرّم ويجعله شيئاً فشيئاً أقلَّ تحريماً إلى أن يكتسب طبيعة الحلال الذي لا تبقى عليه آثار للوصمة أو العار. قبل عام واحد فقط لم يكن سهلاً أن يجد الباحث في لغة المثقفين والكتّاب والصحفيين والسياسيين العرب من يستخدم 'السنّة' و 'الشيعة' أو يتحدث عن صراع بين 'السنة' و'العلويين' (باستثناء حالات تشير إلى العراق خاصة). أما اليوم فإن هذه التعابير تتألق وترصّع مقالات أكثر الكتاب حديثاً عن مسائل مثل الحرية والديمقراطية والوطن العربي إلخ دون أي ترددأو اعتذار. وإن يدي لترتعد وأنا أطبع هذه الكلمات الواسمة لفئات من وطن أنتمي إليه لم يكن يخطر لي أبداً أن يوماً سيأتي ليجعلهم يميزون أنفسهم بهويات مذهبية على هذا القدر من نفي الانتماء إلى الوطن الواحد والأمة الواحدة التي أنتمي إليها.
2
الذين يهللون، في هذه الموجة المرعبة الهائجة، لما يسمّونه 'النموذج التركي للإسلام'، بفرحة تفوق فرحة أرخميدس حين صرخ 'إيوريكا' (وجدتها)، يجهلون أنهم في فورة حماستهم للاكتشاف الباهر يعترفون بالعقم العربي عن الإبداع والابتكار. فهم يبصرون نورَ الهداية المفاجيء في تجربة عمرها لا يزيد على عمر طفل في السادسة يقودها رجب طيب أردوغان إلى زمن قد يطول وقد لا يطول، ولا برهان على قدرته على الديمومة في الصراعات السياسية والعقائدية الدائرة في تركيا وغيرها. وهم يرون ذلك ابتكاراً لنموذج جديد للإسلام عجزوا هم عن ابتكار مثيله خلال ألف وأربعمائة سنة من الجهد.
والإسلام تأصّل في العرب، وعليهم أنزِل، وبهم انتصر وبنى امبراطوريته، وبهم حقق منجزاته العظيمة، والرسول الكريم منهم، والخلفاء الراشدون منهم، وعلماء الفقه والسياسة والتفسير منهم، فلماذا عجز العرب عن ابتكار نموذج للإسلام قادر على إصلاح الحياة السياسية المعاصرة، وتحقيق الرخاء الاقتصادي، وتوفير الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتحرير المرأة من أغلالها، وتحرير فلسطين من أعدائهم التاريخيين، والقضاء على الفقر والاستغلال والجوع في مئات البقاع من العالم الذي ينتشر فيه المسلمون؟ ولماذا عجزوا عن ذلك كله وفيهم كتابات آلاف الباحثين والدارسين والشيوخ والوعاّظ ومحترفي الفتاوى الذين ينطلقون من الإسلام وإليه ينتهون، من حسن البنا إلى سيد قطب إلى يوسف القرضاوي إلى مصطفى السباعي إلى أسامة بن لادن؟ أليس في هذه الوقائع إقرار بالعقم العربي وبحاجة العرب دائماً إلى من يبتكر لهم نموذجاً يقلّدونه من أجل أن يبصروا الصراط المستقيم؟ وإنني لأشعر بالعار من أن تكون نخبةٌ من هذه الأمة التي أنتمي إليها يؤمنون بأنها عاقراً كانت وعاقراً تظلّ. لقد كنا نثور غضباً حين ذهبنا إلى أوروبا للدراسة فوجدنا مستشرقين بارزين ينكرون فضل العرب وإسهامهم في إثراء الحضارة والمعرفة، ويقولون إن كل ما للعرب من فضل هو أنهم حفظوا بعض تراث اليونان من الضياع بترجمتهم له (وكان من هؤلاء فالتزر وستيرن من أساتذتنا في جامعة أوكسفورد). وكنا نفعل أعظم ما نستطيع لتفنيد آرائهم وإظهار الإبداع العربي بصورة مشرقة. ولقد كان ذلك أحد الأسباب التي دفعتني شخصياً لنذر سنوات الشباب لكشف العمل العظيم الذي قام به عبد القاهر الجرجاني في دراساته، وللتركيز على إبراز بعض من أعظم الكنوز الإبداعية في التراث العربي بعد ذلك.
لكنّ المهللين للنموذج التركي الآن يبرهنون أنني كنت على ضلال، ويقدّمون دليلاً معاصراً مفحماً على صدق رأي المستشرقين في كون الثقافة العربية لا تملك بذرة الإبداع ولا القدرة على ريادة الآفاق البكر والاكتشاف والتجاوز. بل إنهم ليعزّزون آراء الذين يقولون (مستشرقين وعرباً) إن كل الحركات الإبداعية والتحديثية في التاريخ العربي، من الأدب إلى السياسة، قام بها أشخاص من أصول عرقية غير عربية مثل الفرس والأتراك، من أبي نواس إلى الفارابي إلى مسكويه. وإن هذه لضلالة ما بعدها ضلالة.
3
في خضم الصراع الفكري الذي كان يدورفي نهايات القرن الماضي حول سياسيات الهوّية، ويلعب فيه إدوارد سعيد دوراً ريادياً بارزا،ً ألقيتُ عام 1991 محاضرة عامة في جامعة كولومبيا في نيويورك- أكرمني إدوارد بتقديمي فيها وبإدارتها- حول ما أسميته 'الثقافة العربية وإشكالية المثال'. وكانت المحاضرة مبنية على بحث مطوّل كنت قد نشرته في مجلة مواقف في الثمانينات من القرن العشرين. وجوهر الأطروحة التي كنت أقدّمها هو أن الثقافة العربية تبلغ ذروة حيويتها وقدرتها على الإبداع في مواجهة أنموذج أو 'مثال' أعلى تصطدم به، وأنها تسعى أولاً إلى تمثل المثال، ثم مضاهاته ثم تجاوزه. وقد برزت حيوية هذه الثقافة أولاً في مواجهة النموذج اليوناني والبيزنطي. أما حين لا يكون ثمة مثالٌ نصب عينيها فإن هذه الثقافة تمرّ بعهود من الركود وضمور القدرة على الابتكار والإثراء والاكتشاف. وقد قلتُ إن العصور العثمانية الأربعة لم تقدّم للعرب مثالاً أعلى حضارياً، فقد كان التفوق العثماني عسكرياً خالصاً، ولذلك لم تغنِ العلاقةُ مع العثمانيين الثقافةَ العربية، ولم تعزِّز فيها طاقات الإبداع والسعي إلى التجاوز. وابتداء من القرن التاسع عشر غذّتْ تجربة الاصطدام بالعالم الغربي هذا الدافع التحريضي الداخلي في الثقافة العربية، فبدأت تتغير وتتطور من أجل تمثُّلِ الغرب ومضاهاته ثم تجاوزه، لكن هذه العملية مرت بمراحل صعبة، واعترضتها عقبات كأداء، فلم يتحْ لها الاكتمال حتى الآن، مع أنها أدّت إلى نتائج إخصابية بالغة الأهمية، وإلى تغييرات تكاد تكون بنيوية على مستويات متعددة. واقترحتُ أن العالم العربي في المرحلة التي كنت أدرسها يعوم في حالة من التيه الثقافي والحضاري تعود إلى انهيار الغرب كمثال أعلى في نظر الثقافة، وإلى عدم تبلور مثال جديد في وعيها لنفسها وللعالم الخارجي. وبعد أن نشرت البحث بفترة قصيرة بدأ العرب يسعون إلى تقليد الغرب من جديد (مع طغيان النموذج الذي مثلته مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان، ومع انهيار الاشتراكية والاتحاد السوفييتي)، في السياسات الاقتصادية، مثل التخصيص وتفكيك القطاع العام، ثم قرروا اقتفاء خطى النظام الرأسمالي الغربي وفتح الأسواق للاستثمارات الخارجية واقتصاديات السوق وتشكيل الأسواق المالية (البورصات) إلخ، ثم بدأوا على الصعيد السياسي يقلّدون الدعوات الصاعدة إلى الحرية والديمقراطية بعد أن ظلوا لعقود عديدة يحاربون الديمقراطية والحرية حرباً شعواء متبنين أنموذج الثورة اليسارية والانقلاب العسكري في طرف، والدعوةَ إلى حكم ديني لا مكان فيه للديمقراطية والحرية والاشتراكية بحجة أنها مفاهيم دخيلة على الإسلام، في طرف آخر.
اليوم، وبصورة مفاجئة ومبلبلة، يبصر بعض العرب أنموذجاً جديداً يتشابك سطحياً مع الديمقراطية الغربية وتبجيل الحرية، ويعتبر نفسه إسلامياً، فتهتاج قوى الحيوية فيهم، ويسمّونه 'النموذج التركي للإسلام'، ثم تهدر الدعوات الإسلامية إلى تطبيق هذا النموذج، دونى أدنى درجة من التمحيص واليقظة والتفكير النقدي، ودون أن يسألوا عن معنى الحرية والديمقراطية في نموذج تركي يقصف قرى الأكراد بالطائرات، وينكر عليهم ثقافتهم ولغتهم وحقوقهم، ويعتقل مئات الكتّاب والصحفيين والضباط الأتراك، ويقيم مع إسرائيل علاقات حميمة كشريك في الهيمنة، ويتحالف مع قوى الناتو في كل شرّ تقوم به في العالم، ويحالف النظام السوري لسنوات حين يرى ذلك في مصلحته التجارية ويخدم سعيه للعب دور الزعامة إسلامياً، ثم ينقلب عليه حين تبدو له الزعامة سنيّاً أكثرَ مربوحية اقتصادياً وسياسياً، ويغذّي جحيم الحرب الأهلية الطائفية في سورية، ويُعِدّ العدة لغزوها عسكرياً. ويفوز الإسلامويون في الانتخابات في كل مكان، ويثورون لتحطيم الأنظمة (باستثناء فاضحٍ للأنظمة الإسلامية السنية التقليدية الملكية المشيخية منها) وإلى إقامة أنظمة مستعارة جديدة لا ملامح واضحة لأي منها سوى ما توهم به بلاغياتها الدينية وخطابها الغامض الذي يردد عبارات وشعارات لا مداليل حقيقية لها من مثل: 'الإسلام هو الحل'.
4
غير أن النتائج التي عرضتُها في بحثي المذكور لا تشجّع كثيراً على التفاؤل بأن العرب سينجزون الكثير عن طريق تقليدهم للنموذج التركي للإسلام. وأهم تلك النتائج أن المثال الأعلى لا يحرّض في الثقافة العربية قوى الحيوية والخلق إلا حين يتوفر فيه شرطان: أولاً أن يكون مثالاً خارجياً لا ينتمي أصلاً إلى هذه الثقافة، ثانياً أن يكون أنموذجاً حضارياً شاملاً، بما تعنيه كلمة الحضارة من اتساع. وبين هذه النتائج أن العودة إلى أنموذج داخلي إسلامي لم تؤدِّ في أيّة مرحلة سابقة إلى إحداث استجابة فعّالة خلاّقة، وانبعاث للقوى الإبداعية، وتفتيح لطاقات الاكتشاف والتجاوز في هذه الثقافة. ويرجّح أنها لن تؤدي إلى مثل ذلك في المستقبل.
ومن هذا المنظور، لا يصلح نموذج أردوغان للعب دور المحرِّض الإبداعي لأنه لا يجسّد مثالاً حضارياً، من جهة، ولأنه داخلي من صلب الإسلام، من جهة أخرى. ولذلك لن ينجح تقليده في الوصول إلى مراتب عليا متقدمة من التطور الحضاري في العالم العربي.
وقد أكون في كل ذلك مخطئاً ، لكنني قد لا أكون. وفي كلتا الحالتين أكون قد قّدمت شهادةً مخلصة على ما أراه حقيقة واقعة في هذا الزمن العربي القبيح، ونذيراً بما سيأتي من قباحة أعظم، دون أن أكون متحيّزاً لمذهب على مذهب، ومعتقد على معتقد. وإنما أكتب حرصاً على مصير أمة إليها أنتمي وأنا أراها تنزلق إلى غياهب الانحطاط باستمراء مرعب لسقوطها، وهي صمّاء بكماء عمياء لا تفقه.
وليس ثمة من حَكَم فاصلٍ في ما أقوله سوى التاريخ الآتي. فلعلّ رائياً يرى، ولعل بصيراً يبصر.

' كاتب سوري


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=25201