أمريكا والرياء التجاري الجديد

جوزيف ئي ترجمة: إبراهيم محمد علي               Saturday 15-07 -2006

مع انتقال »جولة التنمية« الحالية في محادثات التجارة إلى مرحلتها الأخيرة، بات من الواضح على نحو متزايد أن الهدف من تشجيع التنمية والترويج لها لن يتحقق، وأن النظام التجاري التعددي سوف ينهار لا محالة. ولن نجد على هذا دليلاً أوضح من الفقرة التي من المفترض أن تمنح الدول الأقل تقدماً حق عرض سلعها في أسواق الدول المتقدمة مع شبه إعفاء من الرسوم الجمركية.

منذ عام واحد تعهد زعماء أكثر دول العالم ثراءً بالالتزام بتخفيف المحنة التي يعيشها أكثر سكان العالم فقراً. وفي الدوحة أثناء شهر نوفمبر 2001 تعهد هؤلاء الزعماء بمنح فقراء العالم ما هو أكثر قيمة من المال: ويتلخص ذلك الشيء في إتاحة الفرصة للدول الفقيرة لبيع سلعها واكتساب ما يجعلها تخرج من مستنقع الفقر. وفي استعراض فخيم بدت الدول المتقدمة لبرهة من الزمن وكأنها ستفي حقاً بوعودها، حيث قدمت أوروبا مبادرة »كل شيء إلا الأسلحة«، والتي ألزمت نفسها بموجبها بفتح أسواقها لأكثر دول العالم فقراً.
لكن هذه البداية كانت أقل شأناً مما بدا. فالشيطان في التفاصيل، كما يقولون وكما تبين للعديد من الدول الأقل تقدماً والتي اكتشفت أن القواعد المعقدة الخاصة ببلد المنشأ، والتي انطوت عليها مبادرة »كل شيء إلا الأسلحة«، علاوة على القيود التي فرضتها المبادرة على جانب العرض، كانت تعني في نهاية المطاف أن فرصة الفقراء في تصدير منتجاتهم التي تحررت حديثاً باتت ضئيلة للغاية.
لكن رصاصة الرحمة جاءت من جانب أكثر دول العالم ثراءً، ألا وهي الولايات المتحدة التي قررت مرة أخرى أن تستعرض رياءها ونفاقها، فوافقت ظاهرياً على فتح 97% من أسواقها أمام أكثر الدول فقراً. وكانت الدول النامية مخيبة الرجاء بسبب النتائج التي انتهت إليها المبادرة الأوروبية »كل شيء إلا الأسلحة«، فردت أوروبا على ذلك بإلزام نفسها بالتعامل مع جزء من المشكلة على الأقل، وهو ذلك الجزء الناشئ عن القواعد التي تحكم الاختبارات الخاصة ببلد المنشأ. أما نوايا أمريكا فكانت على العكس تماماً من ذلك، حيث حرصت على أن تبدو وكأنها تفتح أسواقها للفقراء، بينما كانت تعتزم في واقع الأمر ألا تفعل أي شيء من هذا القبيل. فقد تبين في النهاية أن تعهد الولايات المتحدة يسمح لها باختيار نسبة الـ 3% على نحو منفصل لكل دولة على حدة. وكانت النتيجة ما يطلق عليه بعض المحللين الساخرين »كل شيء إلا المنتجات": فالدول النامية سوف يسمح لها في واقع الأمر بتصدير كل شيء إلا ما تنتجه بالفعل. فبوسع تلك الدول النامية تصدير محركات الطائرات النفاثة، وأجهزة الحاسب الآلي الخارقة، والطائرات، ورقائق الكمبيوتر من كل الأنواع! ـ لكنها لا تستطيع تصدير المنسوجات، أو المنتجات الزراعية، أو الأغذية المعالجة، أو باختصار كافة المنتجات التي تستطيع إنتاجها والتي تنتجها بالفعل.
ولنذكر هنا على سبيل المثال بنجلاديش. فخلال عام 2004 صدرت بنجلاديش إلى الولايات المتحدة 409 بند تنطبق عليها التعريفة الجمركية، وكان إجمالي ما اكتسبته من ذلك حوالي 2.3 مليار دولار أمريكي. أما أهم 12 بنداً لدى بنجلاديش ـ والتي تدخل ضمن نسبة الـ 3% ـ فقد شكلت 59.7% من إجمالي قيمة صادراتها إلى الولايات المتحدة خلال ذلك العام. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع أن تنصب الحواجز أمام ما يقرب من ثلاثة أخماس صادرات بنجلاديش. أما في حالة كمبوديا فإن النسبة تصل إلى 62%.
ولن يتحسن الموقف إذا ما تم تطبيق قاعدة الـ 3% على البنود التي تنطبق عليها التعريفة والتي تستوردها الولايات المتحدة من بقية دول العالم (وليس البنود التي تصدرها الدول الفقيرة كل منها على حدة إلى الولايات المتحدة). حيث أن ذلك يعني أن الولايات المتحدة تستطيع استبعاد حوالي ثلاثمائة بند من الإعفاءات الجمركية والإعفاءات من القيود المفروضة على الحصة. ويعني ذلك بالنسبة لبنجلاديش أن 75% من بنودها التي تنطبق عليها التعريفة، والتي تشكل ما يزيد على 90% من قيمة صادراتها إلى الولايات المتحدة، يمكن استبعادها من قاعدة الإعفاء الجمركي. وقد يصل الاستبعاد من قائمة البنود التي تستفيد من الإعفاء الجمركي إلى 100% بالنسبة لكمبوديا، التي صدرت 277 بنداً فقط إلى الولايات المتحدة خلال عام 2004 .
والحجة الرسمية فيما يتصل بمسألة استثناء الـ 3% هي أنها توثر على »منتجات حساسة«. أو نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن الولايات المتحدة تلقي على الدول النامية المحاضرات بشأن الحاجة إلى تحمل الآلام المترتبة على التكيف السريع مع عملية تحرير التجارة، لكنها ترفض في ذات الوقت أن تفعل المثل. (الحقيقة أنها كان لديها ما يزيد على 11 عاماً حتى تتكيف مع مسألة تحرير صناعات النسيج). لكن المشكلة الحقيقة أشد سوءاً، ذلك أن استثناء الـ 3% يؤدي إلى تضخيم شبح سياسية الانقسام والقهر البغيضة، التي تدعو الدول النامية إلى التنافس فيما بينها لضمان عدم استبعاد أمريكا لمنتجاتها الحيوية التي تندرج تحت قاعدة الـ 3%. والحقيقة أن مسألة الاستثناء برمتها تؤدي ببساطة إلى تقويض نظام التجارة المتعدد.
وقد تكون هناك أجندة خفية وراء اقتراح نسبة الـ 97%. فأثناء اجتماع منظمة التجارة العالمية الذي عقد في كانكون عام 2003، وقفت الدول النامية وقفة واحدة في مواجهة الجهود الرامية إلى صياغة اتفاق تجاري يكاد لا يقل ظلماً عن نظريه الذي شهدته جولة أوروجواي، والذي أصبحت الدول الفقيرة بموجبه أسوأ حالاً في واقع الأمر. وكان من الضروري أن يتم تدمير هذه الوحدة. فقد كان الغرض الأساسي من الإستراتيجية التي تبنتها الولايات المتحدة بشأن عقد الاتفاقيات التجارية الثنائية يتلخص في السعي إلى تحقيق ذلك الهدف بالتحديد، لكنها لم تنجح إلا في تجنيد عدد ضئيل من الدول التي تمثل قسماً ضئيلاً من التجارة العالمية. والحقيقة أن صيغة الـ 97% تحمل في طياتها احتمالات انتشار هذا النوع من التشظي والانقسام في منظمة التجارة العالمية ذاتها.
لقد صادفت الولايات المتحدة بعض النجاح في تأليب الدول الفقيرة على بعضها البعض. ذلك أن وصول الدول الأفريقية إلى أسواق الدول المتقدمة على نحو تفضيلي، طبقاً لقرار النمو الإفريقي والفرصة (AGOA)، فضلاً عن مبادرات أخرى أحدث عهداً، يبدو إلى حد كبير وكأنه مجرد انحراف تجاري بحت ـ حيث من المحتم أن يؤدي إلى سلب التجارة من بعض الدول الفقيرة وإعطائها لدول أخرى. على سبيل المثال، انحدرت حصة بنجلاديش في سوق الملابس في الولايات المتحدة من 4.6% في عام 2001 إلى 3.9% في عام 2004 . وأثناء نفس الفترة ارتفعت حصة الدول التابعة لقرار النمو الإفريقي والفرصة في قطاع الملابس في الولايات المتحدة من 1.6% إلى 2.6%، ومن المرجح أن يستمر هذا الارتفاع حين تبدأ الدول التابعة لقرار النمو الإفريقي والفرصة في الاستفادة بشكل كامل من الإعفاء الجمركي.
اشتمل قرار النمو الإفريقي والفرصة على فقرة خاصة بانتهاء العمل به في تاريخ محدد، ولكن إذا ما أصبحت الإعفاءات الجمركية دائمة بالنسبة للدول الإفريقية الأقل نمواً ـ طبقاً لما نص عليه اجتماع هونج كونج ـ فلسوف تستمر الدول الفقيرة في آسيا في خسارة حصتها في سوق الولايات المتحدة. ومن المفترض أن تحرص منظمة التجارة العالمية على منع مثل هذه الاتفاقيات التجارية المنحرفة، لكنها لم تنجح حتى الآن في إحداث أي تغيير.
ولكن حتى إذا ما نجحت أمريكا في إحداث الانقسام والفرقة بين الدول النامية، فقد يؤدي هذا إلى إيجاد نوع آخر من الوحدة في مكان آخر. ذلك أن الملتزمين حقاً بتحرير التجارة في إطار نظام تعددي متكامل، وأيضاً الملتزمين بمساعدة الدول النامية، سوف ينظرون إلى الإستراتيجية الجديدة التي تبنتها أمريكا بكل اشمئزاز ومقت.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=2552