في العمق

محمد أحمد عزوز               Saturday 02-06 -2012

«كرهت النقاب والمنقبات بسبب جارتي»، بهذه الكلمات المليئة بالحقد والكراهية على النقاب والمنقبات، بل وعلى الملتزمات، بدأت حديثها إليَّ، فتوجهت إليها سائلاً: لماذا كَرَّهَتْكِ جارتك في النقاب؟ فأجابتني ووجهها مليء بالغضب: كنت أحترم جارتي المنقبة، وأتعامل معها على أنها إنسانة متدينة وخلوقة، ولكن بعد فترة من الزمن حدثت مشاجرة بينها وبين إحدى الجارات في الشارع بسبب الأطفال، فسمعتها تنطق بكلام بذيء خارج عن الآداب، لا يليق بأي إنسانة عادية فضلاً عن منقبة تدعي التدين وتتفوه به.
قلت لها: النقاب لا يمثله فرد، ولا يتكلم باسمه، فلكل قاعدة شواذ، وليس معنى أنها منقبة وسيئة الخلق أن كل المنقبات سيئات الخلق، فهناك من المنقبات من يرتدين النقاب عبادة، وهناك من يرتدينه عادة، وكل إنسان مسؤول عن نفسه ويحاسب على ما اقترفت يداه، فكما يوجد منقبات سيئات الأخلاق، أيضاً يوجد كثيرات من المتبرجات سيئات الأخلاق.
فتوجهت إليَّ سائلة: وهل النقاب فرض أم سنة؟ فأجبتها بالقول: فيه اختلاف بين العلماء، ولكل فريق دليله من الكتاب والسنة. فقالت: أعرف أخوات كثيرات متدينات جداً ومع ذلك غير منقبات، ويكتفين بالحجاب، فهل هن آثمات؟ قلت لها: ليسوا بآثمات، ولكن الأفضل عليهن أن يرتدين النقاب، لأنه في كثير من الأحوال يكون وجه المرأة عورة، خاصة لو كانت على قدر كبير من الجمال، أو تعمل مع الرجال، مما يجذبهم للنظر إليها.
على الرغم من أنها متبرجة، إلا أنها تحاول استفزازي، لترى رد فعلي نحوها. فتوجهت إليَّ سائلة: وما حكمي أنا في الإسلام؟ فقلت لها: أنت مسلمة. فضحكت بصوت عال، وقالت: أعرف أني مسلمة، ولكن ألست بآثمة لعدم ارتدائي الحجاب؟ قلت لها: نعم، أنت آثمة. فقالت: وما مصيري في الآخرة؟ قلت لها: الله أعلم، فأنا لست بعالم دين لكي أجيبك على تساؤلك، فعسى الله أن يهديك إلى سواء السبيل. فقالت: أنا أعرف مصيري جيداً، إلى النار دون كلام. فقلت لها: يا أختاه، إذا كنت تعلمين أن مصيرك إلى النار، فلماذا تسأليني؟ قالت: لأن هناك من كفرني لعدم ارتدائي الحجاب. قلت لها: لا يجرؤ أحد أن يكفرك بارتكاب ذنب أو معصية، والذي كفرك مخطئ وآثم، فليس كل عاص كافراً، إلا إذا أشرك بالله متعمداً، كما جاء في الكتاب والسنة، ومن رحمة الله علينا أن فتح باب التوبة على مصراعيه ليتوب العاصي وينيب إليه، قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، أو تطلع الشمس من مغربها.
قالت: جارتي تتعامل مع الناس باستعلاء وتكبر، فهل هذا من الدين؟ قلت لها: الدين الإسلامي بريء من أفعالها، لأن الكبرياء لله وحده، وديننا يدعو إلى التواضع، والتعامل مع الناس بالحسنى، ويتجلى ذلك في قول المولى لرسوله الكريم: (ادعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، ولو كان الرسول متكبراً لما استطاع أن يبلغ رسالة ربه.
قالت: إذا كان النقاب فيه اختلاف بين العلماء، فلا داعي له، ويكفي الحجاب الشرعي، لأننا سنحاسب على ترك الفرض وليس السنة! قلت لها: إذا تركنا السنة فمن السهل علينا أن نترك الفرض، لأن ترك السنة من مداخل الشيطان، وإذا استطاع أن يثنينا عن السنة، فمن السهل عليه أن يثنينا عن أداء الفرض مستقبلاً. قالت: صدقت، وجزاك الله خيراً... انتهى.
وبدوري أتوجه إلى الإخوة والأخوات، الملتزمين باللباس الشرعي، أن يتقوا الله فيمن حولهم، وأن يتعاملوا معهم بالحسنى، ولا يكفروا أحداً مهما كان عاصياً، بل عليهم أن يساعدوه على ترك المعصية، ويعطوه الأمل في قبول التوبة، ليحببوه في الدين، لأن رمي الناس بالكفر يضر أكثر مما ينفع، ويجعل من حكم عليه بالكفر يزيد في طغيانه، بدلاً من رجوعه عن المعصية، لأن كثيراً من الناس يعصون الله دون علم، أو أغواهم الشيطان لبعدهم عن الدين.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=26207