الطريق...

رغداء محمد أديب زيدان               Sunday 24-03 -2013

كنت اليوم في إحدى الدوائر الرسمية التي اضطررت لدخولها من أجل إتمام معاملة رسمية, وقد امتنعت عن الذهاب لفترة طويلة حتى لم يعد بالإمكان عدم الذهاب.
طبعاً فإن السبب الأساس لامتناعي هو عدم رغبتي برؤية تلك الوجوه الكالحة للموظفين الذين يقومون بالإجراءات الروتينية البيروقراطية بطريقة استكبارية جلفة, ليس فيها شيء من الحس الإنساني أو الذوق البشري, فمجرد دخول المراجع لتلك الدوائر يشعر بأنه كاليتيم على مائدة اللئيم.
فطوال عمري المهني الذي اضطرني للتعامل مع كثير من دوائر الدولة لم أخرج يوماً بانطباع جيد عن موظف مجد يقوم بواجبه بإنسانية وباحترام, بل إنني, ويمكنني التعميم إلا ما ندر جداً, لم أقابل موظفاً مبتسماً في وجه مراجع, ولم أسمع كلمة طيبة أو رداً لطيفاً, بل دائماً هناك قلة ذوق, وقلة احترام, واستهتار بجهد المواطن وبوقته, وأتذكر كيف أنني في كل مرة وقبل دخولي لأي من تلك الدوائر كنت أقرأ المعوذات, والأدعية التي أرجو الله فيها أن يعطيني الصبر والتحمل حتى أستطيع قضاء عملي دون مشاجرة مع واحد من أولئك الموظفين التعساء.
ولكني وأنا في طريقي اليوم رحت أقول لنفسي ربما وبسبب ظروف البلد الصعبة يكون هناك تغير في طريقة تعامل الموظفين, وربما وبسبب هذه المصائب والصعوبات التي نعيشها جميعاً تكون نفوسهم قد استشعرت الخطر الذي يحيط بنا, والبلاء الذي يحيق بالعباد, مما ينعكس على سلوكهم كحس بالمسؤولية وأداء جيد يراعي وضع الناس وتنقلاتهم الصعبة وظروفهم الحرجة. ولكني وما إن دخلت حتى وجدت نفس الوجوه الكالحة, باستهتارها وتكبرها وقلة ذوقها ولا مسؤوليتها. بل إن الوضع أصبح أكثر تسيباً, كأن هؤلاء خارج نطاق الإنسانية.
موظف ترك مكتبه, ونحن ننتظر جنابه حتى ينهي فنجان قهوته في مكتب آخر, وعندما يأتي ينظر باحتقار لمن أزعجه, يلقي نظره ملؤها البغض إلى كومة الأوراق, ليقول جملته البغيضة
ـ (هاد مو شغلي روحي لعند فلان)
ـ لكن فلان طلب مني أن آتي لعندك!,
ـ (قلتلك هاد مو شغلي.. روحي... العمى!)
ـ طيب يا أخي ليش هيك عم تحكي؟
ـ (ما عجبك روحي اشتكي!) أو (بلطي البحر!)
وعلى هذا المنوال يجد المرء نفسه أمام خُشب مسنّدة, لا تفقه قولاً, ولا تستشعر خطراً, ولا تقرب للإنسانية والرقي والذوق بأية قرابة, كل واحد منهم يدفعك لغيره, حتى يصبح أقصى طموحاتك معرفة المسؤول عن قضاء حاجتك, حتى لو فعل بك الأفاعيل.
بلدنا الذي يعيش مخاض تغيير كبير محوره كرامة الإنسان ومحاربة الفساد, هل سيكتفي بإزاحة رأس النظام؟ أم أن جذور الفساد ستكون عميقة في المجتمع لدرجة ستتطلب ليس فقط إزاحة النظام ورموزه بل تغيير كامل وشامل لسلوكيات بغيضة خطيرة, تعمل هدماً وتنكيلاً في بلد يحتاج للكثير حتى يستطيع النهوض ويصبح بلداً يشعر المواطن فيه بأنه حر كريم له مكانته وأهميته؟
أظن أن العمل الذي ينتظر الفئة القدوة كبير كبير, ويحتاج لصبر طويل طويل, والمعين هو الله.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=28018