العلم والأدب.. تفاعل مثمر

د.أحمد الخميسي               Wednesday 08-06 -2016

قدر عالم وفنان ضخم هو «ليونارد دافنشى» أن دور العلم هو الوصول إلى القوانين الكلية للأشياء ، أما الأدب فسيظل مهتماً بالخصائص الكيفية للأشياء. وهو تقسيم صحيح، لكنه لا يعنى أن العلم والأدب جزيرتان منفصلتان، لا تتبادلان التأثير. بل إن علاقة التفاعل بين المجالين أقوى بكثير مما تبدو لنا على سبيل المثال فقد كانت «قنديل أم هاشم» ليحيى حقى تعبيراً بشكل ما عن درجة التخلف العلمى فى الطب، إلا أن انتشار طب العيون أدى إلى انتفاء أى إمكانية فعلية لظهور بطل من نوع «الدكتور إسماعيل» ورواية مثل قنديل أم هاشم. وفى القرنين 18و19، شكلت الروايات المكتوبة فى شكل رسائل متبادلة علامة فى الأدب الأوروبي، لكن اكتشاف التليفون دفع إلى الخلف بأهمية الرسائل، وهكذا كتبت الروائية المعروفة «جين أوستن» روايتها الشهيرة «العقل والهوى» بداية فى شكل رسائل ثم غضت النظر عن ذلك وكتبتها بطريقة أخرى.
وهناك مثال آخر ساطع على التفاعل المثمر بين العلم والأدب، فقد عرف تاريخ الأدب عشرات أو مئات الروايات التى قامت عقدتها على مأساة البطلة التى فرطت فى أعز مالديها، كما هى الحال مع « هنادى» فى دعاء الكروان لطه حسين، وفى «مدام بوفارى» لجوستاف فلوبير، لكن اكتشافاً علمياً بسيطاً مثل حبوب منع الحمل أدى إلى منع تلك المآسى داخل الأدب.
وقد حفل الأدب الرومانسى بعشرات الأبطال الذين يعانون من مرض السل، ويحبون، ويرحلون فى نبل، مثل «مارجريت» التى تموت بداء السل فى «غادة الكاميليا»، إلا أن اكتشاف البكتيريا المسببة للمرض فى 1882 ثم الدواء قضى على ذلك النوع من الشخصيات وأخرجها من دائرة الإبداع.
وأدى اكتشاف التليفون وحده إلى تنحية كل العقد الأدبية التى قامت على ضياع الخطاب المرسل من العاشق إلى حبيبته وما ينجم عن ذلك من مصائر مأساوية! وقد أقام محمد المويلحى عمله البديع «مقامات عيسى بن هشام» 1907 على أساس نزهة يقوم بها عيسى والباشا فى مصر للتعرف إلى أحوالها، لكن اكتشاف التليفزيون جعل من المستحيل ظهور شخصية كتلك بعد أن أصبح بوسع أى إنسان أن يتعرف إلى أى مكان فى العالم وهو جالس فى بيته! وقضى العلم برسم خريطة جغرافية واضحة لمعالم الأرض والبحار على كل روايات السفن المغامرة المبحرة لاستكشاف عالم مجهول. ودفن ظهور الهاتف المحمول شخصية «روبنسون كروزو» إلى الأبد، فلم يعد من المحتم الآن على رجل سقط على جزيرة أن يعيد بناء العالم بمفرده، بعد أن أصبح من الأسهل بكثير أن يجرى اتصالاً بالمحمول بأى نقطة فى العالم.
ومن غير المعروف بعد الأثر البالغ الذى سيتركه ظهور «الهندسة الوراثية» عندما يصبح من الممكن مستقبلاً وضع بطاقة شخصية لكل فرد بالعوامل الوراثية الخاصة به وما يمكن تفاديه منها وما يمكن تعديله! المؤكد فى كل الحالات أن التفاعل بين المجالين يسفر عن بلورة الحقيقة بدقة أكبر.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=29057