ما جاء في 'سيلفي': الحكاية التي فهمها الجميع

عيد الظفيري               Sunday 26-06 -2016

يُنسب للروائي الروسي العظيم ليو تولستوي هذه المقولة الرائعة وهي “أننا حينما نقول بأن هناك عملا فنيا جيدا لكن لا يفهمه عامة الناس، هو كأننا نقول إن هناك أكلا جيدا لكن معظم الناس لا يستطيعون أكله”.
ظلت هذه العبارة عالقة في ذهني منذ زمن بعيد لأنها تحمل في طياتها بعداً فلسفياً واضحاً يلخّص أهمية الفن في حياة الأمم باعتباره الوعاء الذي تصب فيه القضايا الاجتماعية والدينية والثقافية بحيث يتجرد من خلاله الفنان من شخصيته كي يتقمص شخصيات من حوله بكل سلبياتهم وإيجابياتهم. لكن من الضروري جداً كي ينجح الفنان في إجادة تقمصه للأدوار التي تسند إليه، أن يمتلك وعياً وإدراكاً يساعدانه على أن يكون في منتصف المسافة من الجميع، بمعنى أن يحيّد قدر الإمكان سطوة الأيديولوجيا على أدائه أثناء تقمصه لبعض الشخصيات التي قد لا يتوافق معها عقائدياً وفكرياً.

لذلك أكّد تولستوي في مقولته السابقة أن قيمة العمل الفني يحددها مدى فهم عامة الناس له؛ أي أن الفن الحقيقي هو الذي يستمد من تجارب البسطاء ويحكي عن أفراحهم وأحزانهم إلى الدرجة التي تجعلهم يتخيلون بأنهم يشاهدون أنفسهم في حالات متفاوتة تعكس طبيعة النفس البشرية التي لا تخلو من التناقض والغموض في بعض المواقف والأحداث. وأعظم ميزة يمتاز بها الفن الحقيقي هي قدرته على التأثير في سلوك وفكر المشاهدين من خلال وضوح فكرة العمل وبُعد الممثل عن التكلف في أداء المشاهد التمثيلية وانحيازه التام إلى الإبداع الحقيقي لا إلى التهريج والإسفاف والتسطيح من أجل إضحاك المشاهدين وتحقيق أكبر نسبة متابعة على حساب القيمة الفنية للعمل.

أجدني الآن بعد مشاهدتي لحلقات من مسلسل “سيلفي” أتفق تماماً مع ما ذهب إليه الكاتب العظيم تولستوي قلباً وقالباً، فرغم أن القضايا التي تطرّق لها الفنان ناصر القصبي في “سيلفي” تعتبر بكل المقاييس قضايا شائكة وليس بالإمكان تناولها بهذا الوضوح والبساطة الخالية من التعقيد ما لم يكن هناك فريق عمل يحمل من الوعي والإدراك ما ينأى بالعمل عن السقوط في وحل الطائفية المقيتة أو حتى الانتماء المناطقي والقبلي على حساب القيمة الفنية للعمل، وبذلك يكون الفن مرآة تعكس كل ما في زوايا المجتمع من إشكالات وظواهر اجتماعية قد يستعصي علينا فهمها في بعض الأحيان، طالما أننا ننطلق في تحليلنا وتفسيرنا لها من منطلقات راسخة في بواطن عقولنا دون أن يكون للتجربة والمعايشة دور في إصدار أحكامنا القطعية تجاهها.

خذ على سبيل المثال، أنّ المقارنة بين ما يراه السنّي في الشيعي من عيوب ومثالب هي ذات العيوب والمثالب التي يراها الشيعي في السنّي، وإن اختلفت المسميات وتفاوتت الحجج والمبررات بين موقف وآخر، فكلاهما ينطلق من قناعاته التي تشكلت على امتداد سنوات طويلة من الانعزال والتقوقع حول الذات، الأمر الذي رسّخ في ذهن كلا الطرفين بحتمية الصراع فيما بينهما بفضل سيل الأحكام والفتاوى التي أصدرتها مرجعياتهما على مدى قرون من الكراهية والبغض.

فكل تهمة يوجهها السنّي إلى الشيعي تقابلها تهمة مماثلة من الشيعي إلى السنّي، وبذات الانتقاص والازدراء الذي يبديه الطرف الأول إلى الطرف الثاني، إضافة إلى أن الاستعداد النفسي للسبّ والشتم يصل إلى أقصى مراحله بمجرد استدعاء الحوادث التاريخية في سياق حديث عابر في مقابلة تلفزيونية أو برنامج حواري، مما يجعل النقاش عبارة عن صراخ وملاسنات بين أيديولوجيتين مثقلتين بأحمال الماضي البعيد، والتي لسوء حظ الأجيال المعاصرة أنها انعكست بكلّ ما فيها من مآس وكوارث على حاضر الأمة الإسلامية، بحيث أنها جعلتنا ندور في فراغ من العتمة والظلام لا نعرف متى سنخرج منه إلى نور الحضارة الإنسانية المعاصرة؟
لقد أحدث “سيلفي” شيئاً من الاتزان والعقلانية في عقولنا حينما سخر بقالب كوميدي من أوهامنا وصراعاتنا التي نجترّها خلفنا لأكثر من ألف سنة وكأنها قدر يورّثه جيل إلى الجيل الذي يليه بنفس المنطق والحجج التي ساقها من أفضوا إلى ربهم وهم مختلفون، دون أن نسأل أنفسنا لماذا نحن نكمل مسيرة تلك الخلافات التي لم يكن لنا فيها مثقال ذرة من الاجتهاد؟

إن العقل إذا استولت عليه الأفكار الماضوية، سيصبح مكبلاً بسلاسل من الماضي تمنعه من الانطلاق نحو إيجاد حلول لإشكاليات الحاضر الذي يعيش فيه، وسينتهي به المطاف بأن يجد نفسه في قطيعة تامة مع منجزات الحضارة الإنسانية المعاصرة. أتمنى أن يستمر طاقم عمل “سيلفي” بذات الأداء والأفكار الخلاقة التي استطاع من خلالها تسليط الضوء على قضايانا المعقدة والشائكة بقالب كوميدي خفف من وطأة المقارنات بين المذهبين الشيعي والسنّي بصورة متوازنة.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=29136