ضوابط الأمانة في البحث العلمي ..ماذا لدينا بشأنها؟

أ.د.سعد علي الحاج بكري               Thursday 21-07 -2016

تحدثنا في مقال سابق عن "بؤر العبث بالمعرفة والحاجة إلى ضوابط لحمايتها"، وشمل ذلك "المعرفة العامة" المتاحة للجميع على الإنترنت، و"المعرفة الخاصة" الناتجة عن إبداعات البحث العلمي وابتكاراته. وقد بين المقال الحاجة إلى ضوابط ذاتية، وضوابط تنظيمية، إضافة إلى ضوابط تقنية، باتت متاحة أيضا للاستخدام، من أجل الحد من العبث بالمعرفة. واهتم المقال بضرورة بناء ضوابط ذاتية في المجتمع عموما، وبين الباحثين خصوصا، تحمي المعرفة من أي عبث.
لقي المقال استحسانا، كما لقي ملاحظات ومقترحات من زملاء أعزاء. الأستاذ الدكتور عبد اللطيف الحسين والدكتور حمد البدر استحسنا المقال وأهمية موضوعه وطالبا بمزيد حوله في المستقبل. ثم كان هناك مقترحات محددة مهمة من زميلين آخرين أرى أنه من المفيد طرحها هنا على القارئ الكريم.

اهتم الزميل العزيز الأمير الدكتور بندر المشاري آل سعود بموضوع الضوابط الذاتية وطرح فكرة وضع "ميثاق وطني لحماية المعرفة"، يمكن أن يمتد ليكون "ميثاقا عالميا"، لأخلاقيات التعامل مع المعرفة وضرورة الالتزام بها على كل من المستوى العام، ومستوى البحث العلمي، كما طرح الحاجة إلى تبني مثل هذا الميثاق وتدعيمه من قبل "مؤسسات التعليم ومنابر الإعلام والتوجيه الاجتماعي والأسري والديني". ولا شك أن هذا الأمر يحتاج إلى أن يبحث، وأن تتحمل المؤسسات المعنية مسؤولياتها تجاهه.

وكان هناك أيضا عتاب رقيق من الزميل العزيز الدكتور دحام العاني على عدم تطرق المقال لضوابط الأمانة العلمية وأخلاقيات البحث العلمي التي وضعتها بعض المؤسسات المعرفية في المملكة، وعلى رأسها "مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية". ولا شك أن الموضوع واسع، ومتعدد الجوانب والأطراف، ولا يمكن لمقال واحد استيعاب جوانبه المختلفة. ولعلنا نخصص ما سيأتي من هذا المقال "لضوابط الأمانة العلمية" التي وضعتها "المدينة" للأبحاث التي كانت تمولها في إطار "الخطة الوطنية للعلوم والتقنية والابتكار"؛ وكان على الباحثين ومحكمي البحوث التعهد بالالتزام بهذه الضوابط.

شملت "ضوابط الأمانة العلمية"، التي حددتها "المدينة" للأبحاث الممولة من قبلها "17 مادة"، لكل منها مجموعة من الضوابط. بينت المادة الأولى أن مجال تطبيق الضوابط المطروحة محدد بالأبحاث الممولة، ضمن إطار "الخطة الوطنية للعلوم والتقنية والابتكار". وتم تقسيم باقي المواد وضوابطها إلى خمس مجموعات، كما هو موضح فيما يلي.

قدمت المجموعة الأولى "ضوابط عامة"، في إطار"أربع مواد"، شملت "25 ضابطا". اهتمت المادة الأولى منها بـ "المبادئ العامة"، مثل عدم تعارض العمل البحثي مع القيم والأخلاقيات الإسلامية. وركزت المادة الثانية على "المبادئ المهنية"، مثل الدقة والمصداقية في البحث. وتطرقت المادة الثالثة إلى "سلوك الباحث"، مثل الحرص على جودة الأداء. ثم طرحت المادة الرابعة موضوع "فريق العمل" الذي يتضمن تشجيع العمل الجماعي.

وأعطت المجموعة الثانية ضوابط تختص بـ "التأليف والنشر"، من خلال "مادتين"، شملتا "11 ضابطا". ركزت المادة الأولى على موضوع "الإعداد والنشر"؛ ومن أمثلة الضوابط المرتبطة بها: ضابط عدم الاقتباس الذي يقضي بتحديد مراجع العمل البحثي والإشارة إليها؛ وضابط عدم نشر الورقة العلمية الواحدة في أكثر من مجلة. أما المادة الثانية، فاهتمت"بحقوق الآخرين"، ومن أمثلة ضوابطها عدم إغفال اسم أي مشارك في البحث، أو إضافة أي اسم لم يشارك فيه.

وكان موضوع المجموعة الثالثة هو "ضوابط التحكيم"؛ وتضمنت "مادة واحدة" شملت "8 ضوابط". ومن أمثلة هذه الضوابط: النزاهة؛ والسرية، وعدم تحكيم أعمال كان للمحكم دور فيها، وغير ذلك مما يرتبط بالتحكيم.

تأتي بعد ذلك المجموعة الرابعة التي تختص بأنواع "الممارسات المخالفة للأمانة العلمية". ولهذه المجموعة "سبع مواد" لكل منها "ضابط واحد" يحدد نوعا واحدا من المخالفات. وتتضمن هذه المخالفات: "اختلاق أو تأليف نتائج علمية لا أساس لها؛ وتحريف النتائج التي تم التوصل إليها؛ والمبالغة في عرض دلالاتها؛ والانتحال أو السرقة العلمية؛ وعدم تحري الدقة في الإسناد إلى المراجع؛ وعدم الاستغلال الفكري، بمعنى ضرورة الإشارة إلى جهود كل من شارك في العمل؛ إضافة إلى عدم التضليل في كتابة السيرة الذاتية.

ونصل أخيرا إلى المجموعة الخامسة والأخيرة التي تهتم "بالإجراءات المتخذة حيال المخالفات"؛ ولهذه المجموعة "مادتان" شملتا "أربعة ضوابط أو إجراءات". تحدد المادة الأولى ما يجب عمله تجاه الاشتباه بوجود مخالفات، وتقضي بتشكيل لجنة لدراسة أمر كل اشتباه. وتركز المادة الثانية على ما يجب عمله عند التأكد من وجود مخالفة. ومن أمثلة ما تم تحديده في هذا المجال، وقف التعامل مع المخالف لمدة تراوح بين سنتين وخمس سنوات، وإبلاغ الجهة التي ينتمي إليها بما فعل. وتجدر الإشارة إلى أن كامل وثيقة "ضوابط الأمانة العلمية" سابقة الذكر متوافرة على موقع المدينة: www.kacst.edu.sa

أجرت المدينة دراسة لمخالفات الأمانة العالمية في "المشاريع البحثية" المقدمة إليها للدعم، في إطار الخطة الوطنية للعلوم والتقنية والابتكار. وشملت الدراسة "5131 مشروعا"، كان بينها "190 مشروعا مخالفا" أي بنسبة قدرها "3.7 في المائة". وقارنت الدراسة هذه النسبة بنسب المخالفات في الدول الأخرى، ووجدت أنها تقل عن النسب التي وجدت في اليابان وكانت "5.65"، وفي البرازيل "8 في المائة"، وبلغاريا "20.43 في المائة"، وكثير من الدول الأخرى؛ لكنها تزيد على دول مثل ألمانيا "3.22 في المائة"، وأمريكا "1.82 في المائة". وتجدر الإشارة إلى أن إحصائيات الدول المختلفة مأخوذة من "المجموعة الأمريكية للتقدم العلمي AAAS، وموجودة على موقعها:www.sciencemag.org/news".

وللمدينة، إضافة إلى "ضوابط الأمانة العلمية" سابقة الذكر، "نظام لأخلاقيات البحث على المخلوقات الحية"، "وسياسة شاملة للملكية الفكرية". وللجامعات أيضا اهتمامات بمثل ذلك، وقد أصدرت جامعة الملك سعود "قواعد منظمة لأخلاقيات البحث العلمي"، ولا شك أن للجامعات الأخرى جهودا في هذا الشأن. وسنعود إلى هذا الموضوع في مقالات قادمة بمشيئة الله.

لعله من المفيد أن نرى توحيدا "للضوابط والأخلاقيات المعرفية" على المستوى الوطني، في إطار "ميثاق وطني متكامل". وتجدر الإشارة هنا إلى أن فوائد طرح "الضوابط والأخلاقيات" لا تقتصر على "الكشف عن المخالفين" ومعاقبتهم، بل تشمل "التعريف بها" وتوسيع دائرة "التوعية" بشأنها. صحيح أن هذه الضوابط ترتبط في جوهرها، بأخلاقيات الإنسان، ولكن قد يكون فيها بعض التفاصيل التي قد يغفل عنها بعض الباحثين الملتزمين. وعلى ذلك لا بد لكل باحث من الاطلاع على مثل هذه الضوابط واستيعاب مضامينها؛ ويبقى الالتزام الطوعي الذاتي بها دليلا حضاريا نأمله من الجميع.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=29280