أنا وبيل غيتس...

د. ريمه الخاني               Tuesday 02-08 -2016

قالوا عني أنني متسرعة...نعم هذا ما حصل...
حتى رغم أنني مهندسة وناجحة مجتمعيا وعمليا كما يقال أيضا...
لكنني قلتها لهم بلا حياء:
-أريد أن أصطاد الأمور طازجة دوما
فعلا هذا ما حصل..
إلى هناك وصلت بعد عراك مع الزوج...مرير جعله عنادي يستسلم لمرادي..
هناك في هولندا تعلمت الهولندية، و عملت في مدرسة من بلادنا وابتلعت تأخر الراتب ثلاثة شهور، ونلته بعد طول الرجاء..
خرجت من السكن العام حينئذ، غير آسفة على العمل.. حيث ان المؤسسة كانت من إنشاء بني جلدتي...
لقد تقاطع الحلم بالحلم حتى صرت أرى الكوابيس...تعاكسني وتقطع علي تفكيري..
امتزجت بشكوى مسلمين هناك التقيتهم ، تمازجت أعراقهم حتى غدا ديننا انكليزيا لتعثرهم بالعربية..
كيف سمعنا معا تسبيح الزهور والشجر.. كيف يتلهفون على سماع حديث رسول الله ولا يعرفونه جيدا، ولا يفهمون حتى نصف ما يجب أن يعرفوا ..لتباعد المسافات واختلاف الظروف والتقائهم ، بصعوبة...ونحن نؤجل ذكرا يروح على القلوب ويسري النفس القلقة...
هذا ما كان يمنحني الصبر على المشقة...باب العطاء الجميل ..الذي جعلني انبش في عمق الذاكرة ..لأقدم ما لدي ، عند لقاءات المساجد..
وصرت أسأل نفسي :
-كيف فرطت بعمل في وطني كان يسد رمقنا في البلاد؟.
هل أعجبك حديث الجيران من حولي هناك، ومغامراتهم الخائبة في الغربة؟، هل أنت الأفضل؟. والأكثر ذكاء؟
قالها بيل غيتس قديما:
-أحب الأغبياء، لأنهم كسالى.. يبحثون عن أقصر الحلول.. بينما الأذكياء.. دائما حلولهم التقنية معقدة لا تسعفنا.. ولا توصلنا لبغيتنا بسرعة..
فأين أنا الآن؟؟
-بيل غيتس أجبني...أين أنا الآن في قائمة حساباتك؟..
هل ما أفعله هو الصواب؟
يا للخيبة...
طلبتْ مني المترجمة حينها، و التي نمتُ في دارها مؤقتا.. استدانة مبلغ ما. فقدمت ما بقي معي لقضاء الحاجة.. سافرت وسافرت معها قطعي الذهبية التي اكتشفت أخيرا أنها اختفت....
عدت مسرعة لوعكة خبيثة ألمت بزوجي....حين واجهني بابتسامة عريضة أدت لحمل جديد بعد أربعة أولاد يافعين...
-نعم نريدك أن تعودي ولن نأت إليك...
أذهب الآن إلى الجمعية الخيرية...أطلب المساعدة.. فزوجي بلا عمل منذ زمن...
تجلس قبالتي قبل أن يأت دوري امرأة منحنية الظهر، مبتسمة المحيا، تقول للمشرفة بسعادة:
-ابني حصل البارحة على مرحبا..
-عفوا؟
-هذه الورقة انظري..
-إنها مرحى، يعني ثناء كتابي حصيلة نتائجه الموفقة في المدرسة..
-أي والله...أعجز عن الشكر لأنكم ساعدتموني في شراء خزان للماء، مستعمل وقديم، المهم انني لم أعد أملأ الجرادل بالماء من عند جارتي.. فقد ولد هذا ألما في كتفي مبرحا...
أنا سعيدة الآن...سعيدة جدا.
نعم .فولدي سافر للخارج ..وبات يأكل جيدا.. لقد سلق البطاطا مؤخرا.. ومازال يشتهي الباذنجان المقلي من يدي هاتين، مع الفتوش..
أنا سعيدة جدا.. فقد بت أغلق عليَّ داري وأنا لست بحاجة لأحد الآن أبدا...
صحيح إنني أعمل أربع وعشرون ساعة في الخياطة وتركيب الأزرار وغيرها من الأعمال للمحال التجارية ولا أنام إلا قليلا...
لكنني سعيدة جدا.. فأنا لست بحاجة لأحد...
نعم لم أعد بحاجة لأحد...
نظرت في نفسي.. نظرت في ملابسي...وقلت في نفسي:
-كان بإمكاني العمل في بلادي ولو بما يسد الرمق...
ولكن.. هل وصل بي الأمر أن أبحث عن مساعدة ؟..هل من المعقول ألا أجد عملا ما؟؟؟
للحياة عدة وجوه.. فمن أيها ننظر نظرت لنا...كلٌ لديه نقص ما في حياته.. وكل يستطيع العطاء...
فقد عرفت من جارتي، أن تلك المشرفة في تلك الجمعية ، مطلقة بعد شهر من الزواج...وقد تقدم عمرها الآن...هي مازالت جميلة...امتهنت العطاء.. لأنه أقصر السبل للسعادة...
الحل البديل ، دوما يمكث قريبا منا...
فلماذا ندق الأبواب ولا ننظر داخل أدراجنا ؟.
إن كلمة :
-مللت..
أقبح كلمات العربية قاطبة ...إنها جملة الفارغين اليائسين عجوزي التفكير...
مؤكد نحن نملك موهبة ومعرفة ما ..تخولنا لعمل شيء.. حتى تنظيف الجدران.. هو عمل أيضا...
نهضتُ من جلستي هذه...وأنا ما زلت أهمس لنفسي بنفسي...أنظر لمن هم حولي والدموع تكاد تتساقط من عيونهنّ...
نادتني المشرفة...وقد لفت نظرها همسي المتواصل ..وتمتمتي وكأنني أكلم أحدا ...
حتى نظراتي الفاحصة فضحتني.....
سألتني... عن أوراقٍ ثبوتية للتسجيل على قائمة الدعم الغذائي والدوائي.....
فقلت لها:
-نعم أستطيع القيام بأي عمل...لا أريد مساعدات..



د. ريمه الخاني
16-6-2016



تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=29372