اللجوء حول العالم .. «تاريخ» يعيد تشكيل الجغرافيا

محمد طيفوري               Sunday 28-08 -2016

ظاهرة اللاجئين قديمة قدم التاريخ المكتوب، فالتوراة؛ بحسب مشيال ربوبورت Michel Rapoport في كتابه "les Réfugiés. Parias ou citoyens" (1998) تذكر أن أول اللاجئين في التاريخ البشري هم أولاد أرض كنعان، الذين دفعت بهم المجاعة إلى اللجوء لأرض مصر. وقد لا يكون الأمر كذلك فما أكثر الروايات بهذا الشأن، بيد أن قطع الشك باليقين قائم لجهة قدم هذه الظاهرة التي رافقت تطورات الحياة البشرية على وجه البسيطة.

ظاهرة اللجوء
اصطلاحا يُعرف اللجوء بتلك الصفة القانونية التي تمنح الحماية لفرد غادر وطنه الأصلي، للإقامة في بلد آخر خشية اضطهاد أو تنكيل أو قتل لسبب من الأسباب. ما يُفيد بأن اللجوء يمكن أن يكون سياسيا بسبب الاضطهاد السياسي من النظام الحاكم، ويمكن أن يكون دينيا بسبب الاضطهاد القائم على أسباب دينية في بلده الأم، ويمكن أن يكون لجوءا إنسانيا بسبب الحروب أو النزاعات الإثنية أو العرقية.

وجب التنبيه هنا إلى الخلط الذي يقع عادة بين مصطلح "اللاجئين" و"النازحين"؛ فالمصطلح الأول ينصرف إلى الذين هجروا بلدهم إلى بلد آخر، أما الثاني؛ أي "النازحين" فهم الذين انتقلوا داخليا في بلدهم من منطقة إلى أخرى.

قانونيا تم التنصيص على منح "حق اللجوء" ضمن بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، قبل أن تتولى معاهدة جنيف ثلاث سنوات بعده، تفصيل مقتضيات هذا الحق وحيثيات صفة اللاجئ، التي دخلت حيز التنفيذ في 22 نيسان (أبريل) 1954. ومن بين ما جاء فيها التفصيل في مختلف أنواع اللجوء والأشخاص المشمولين بها، حيث استثنت منهم المتابعات المترتبة على جرائم الحق العام.

في سياق متصل نسجل قصور هذه المعاهدة عن تغطية مختلف أشكال اللجوء، إذ ظهرت أصناف جديدة منه في العقود الأخيرة؛ منها "اللجوء الاقتصادي" الذي ارتبط بظاهرة "الهجرة غير النظامية"، وكذا "اللجوء المناخي" ذي الصلة بالتغيرات المناخية على كوكب الأرض، فثمة مناطق عديدة في العالم لم تعد صالحة للعيش جراء ارتفاع منسوب البحار والمحيطات أو معدلات درجات الحرارة وانتشار الجفاف، لكن وحتى اللحظة لا تعترف التشريعات الدولية بهذه الأصناف بدعوى شمولية مفهوم "اللجوء الإنساني".

حفريات تاريخية
عودا إلى التاريخ، تؤكد مصادره على أقديمة حق اللجوء؛ إذ تعود أصوله البعيدة إلى العهد الإغريقي عندما كانت الدولة تمنحه لمرتكبي جرائم معينة، وفي العصر الروماني اعترفت به السلطات بشكل محدود.
تجدد انتشار المفهوم في القرون الأولى للحقبة المسيحية، جراء تواتر لجوء الأشخاص إلى الكنائس هربا من بطش الإمبراطورية الرومانية. ما حفز رجال الكنيسة على استصدار قانون للجوء عُرف بـ "قانون اللجوء المسيحي".

وفي التراث الإسلامي نجد مفهوم "الأمان" كمرادف لصفة اللاجئ، إذ بموجبه يسمح لغير المسلمين بدخول البلاد وضمان أمنهم فيها. ونسجل في هذا الصدد حادثة الهجرة من مكة إلى الحبشة كأول عملية لجوء جماعية دفع إليها المسلمون بسبب الاضطهاد الديني. وقد أمكن التكلم عن "أول مليون" من اللاجئين في تاريخ البشرية على إثر حروب الدين التي شهدتها أوروبا في القرن السادس عشر، التي بدأت عمليا مع طرد الملوك الكاثوليك يهود إسبانيا في 1492، وبلغت أوجها مع اضطهاد البروتستانتيين على جراء إلغاء مرسوم نانت الذي كان يسمح بحرية المعتقد الديني عام 1658.

تباعا توالت موجات اللجوء فاندلاع الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر كان سببا لهجرة ما يفوق 150 ألف فرنسي "نحو 6 في المائة من السكان" إلى بلدان الجوار. ثم تلتها موجة جديدة خصوصا في أوروبا الوسطى والبلقانية مع ثورات منتصف القرن التاسع عشر "ثورات 1848" التي آلت معظمها إلى الفشل وما أردفها. ما حرك مئات الألوف من المسلمين كلاجئين إلى القسطنطينية، ودفع في الطرف الآخر بالمسيحيين من رعايا السلطان إلى الدول المجاورة.

بحلول القرن العشرين تحولت ظاهرة اللجوء إلى فاجعة كونية كبرى يعد ضحاياها بعشرات الملايين. فالأرقام تؤكد أن الحقبة ما بين 1917 و1947 عرفت تغيير ما يفوق على 27 مليون إنسان لبلد إقامته.

بعدها انتشرت الظاهرة في الأركان الأربعة للعالم، فحصاد الحرب العالمية الثانية قدر بنحو 18 مليون لاجئ، والصراع الهندي الباكستاني بلغ رقم 14 مليون لاجئ على حدود الدولتين، والثورة الإيرانية شردت مليوني لاجئ إيراني عبر العالم، والحرب الأهلية الإسبانية خلفت 300 ألف لاجئ، وقبل كل ذلك ارتبط اللجوء والنزوح معا بالفلسطينيين منذ عام 1948 وهلم جرا، قبل أن ينتشر في بلاد الشام كلها وبالأخص لبنان. أما القارة السمراء فكان لها حظ احتلال الصدارة من حيث عدد اللاجئين هربا من الحروب الاثنية والعرقية طوال عقد التسعينيات من القرن الماضي.

أزمة متجددة

بداية الألفية الثالثة، وتحديدا في 4 من كانون الأول (ديسمبر) عام 2000 تبنت منظمة الأمم المتحدة القرار رقم 55/76، وأقرت بموجبه يوم 20 حزيران (يونيو) من كل سنة يوما عالميا للاجئين.

تبقى التقارير الصادرة عن المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة صادمة، فسنة بعد أختها تتصاعد الأرقام وتتزايد الأعداد بشكل مذهل. والأدهى والأمر أن البلدان العربية والإسلامية تأتي على رأس قائمة مصدري اللاجئين. وفي رقم دال غني عن كل تعليق تقول المفوضية "إن شخصا واحدا على مستوى العالم من بين كل 122 شخصا إما لاجئا أو نازحا داخليا أو طالب لجوء".

وبلغة التوطين على الخريطة تشير المفوضية إلى سورية، العراق، اليمن، ليبيا، مالي، جنوب السودان، شمال مالي، ساج العاجل، إفريقيا الوسطى، جمهورية الكونغو، أوكرانيا، بورما، أفغانستان، وباكستان... وتبقى شعوب ثلاث دول "سورية، أفغانستان، والصومال" في طليعة الجماعات الأكثر تضررا وفق تقرير السنة الماضية.

صفوة القول إن هذا السرد الكرونولوجي للتحولات التي عرفتها جغرافية اللجوء عبر التاريخ يرمي إلى خلاصتين أساسيتين:

الأولى متصلة بحركة اللجوء وما يتبعها، فلاجئو أوروبا في أغلب الأوقات هم لاجئون مؤقتون.

بينما يتحول لاجئو إفريقيا وآسيا إلى لاجئين مزمنين أو مشروع مواطنين تراهن عليهم الدول الأوروبية باعتماد مقاربة إدماجية للقادمين الجدد كحل جزئي لمشكلات شيخوخة الهرم السكاني والشغل في بعض القطاعات...

والثانية متعلقة بالتغيرات النوعية التي ستلحق التركيبة السكانية لبعض الدول الأوروبية على المدى المتوسط في ظل سياسات تحديد النسل واتساع دوائر مناهضي فكرة الأسرة. ما يعني أننا سنكون على موعد مع خريطة جديدة لتوزيع الأعراق البشرية في العقود القليلة المقبلة.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=29482