علـم الاقتصـاد السيـاسـي

سلمان بارودو               Thursday 16-05 -2019

لم يتفق علماء الاقتصاد على تعريف واحد لعلمهم، حيث أن كلا منهم يركز على ناحية معينة، فقد كان آدم سميث وجون ستيوارت ميل وغيرهما يعتبر أن علم الاقتصاد هو علم الذي يدرس قوانين زيادة الثروة، في حين يعرفه الاقتصادي الانكليزي الفرد مارشال بانه "من ناحية دراسة الثروة، ومن ناحية أخرى أكثر أهمية، هو جزء من دراسة الإنسان" فالاقتصاد عند جون ستيوارت ميل إذن هو دراسة للسلوك الإنساني في محيط الجماعة ولكن من أجل الحصول على الثروة، بينما يرى آخرون أن الاقتصاد السياسي هو العلم الذي يدرس الرفاه الاقتصادي ( (Le Bien-eteeويعرف الاستاذ بيغو "Pigou" الرفاه الاقتصادي بأنه جزء من الرفاه العام يمكن قياسه مباشرة (عدد الوحدات) أو عن طريق غير مباشر (بالمقياس النقدي) ولكنه يشكل أساس الرفاه العام، بحيث أن الرفاه الإنساني يزيد أو ينقص بزيادة أو نقص الرفاه الاقتصادي وبالنسبة نفسها.
ويرى آخرون بأن الاقتصاد السياسي هو علم دراسة السلوك الإنساني كعلاقة بين أهداف وبين وسائل نادرة ذات استعمالات مختلفة، وبمعنى آخر فأن الاقتصاد السياسي عند هؤلاء هو علم الاختيار في ضوء الموارد المتاحة، بحسب هؤلاء فأن " الاقتصاد هو دراسة تأثير الندرة على السلوك الإنساني في ظل الظروف التي يكون للأفراد والجماعات فيها حرية الاختيار في تخصيص الموارد النادرة ذات الاستعمالات البديلة وبين الأهداف المتعددة والمتنافسة".
ولقد طور كارل ماركس مفهوم الاقتصاد السياسي في كتابه "نقد الاقتصاد السياسي" ليحوله إلى علم دراسة قوانين تطور المجتمع، ذلك أنه بتطبيق قوانين المادية الجدلية على حركة التاريخ صاغ قانونية تطور المجتمعات من نظام اقتصادي إلى آخر فيكون علم الاقتصاد السياسي قد انتقل على يد ماركس إلى علم القوانين الاجتماعية التي تحكم انتاج السلع والخدمات وتوزيعها على المستهلكين، أي أولئك الذين يستخدمون السلع لإشباع حاجاتهم الفردية أو الجماعية، وبكلام آخر فأن الاقتصاد السياسي كما يقول عنه أوسكار لانج: " هو علم قوانين النشاط الاقتصادي الاجتماعية".
وفي ضوء ما سبق يمكننا القول إن هناك اتجاهين في تعريف الاقتصاد السياسي:
الاتجاه الأول: وينظر إلى الاقتصاد السياسي كعلم يبحث في سلوك الإنسان الاقتصادي بصرف النظر عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي تحيط بهذا السلوك، ويرى أنصار هذا الاتجاه بأن السلوك الاقتصادي يخضع لقوانين عامة وواحدة في جميع المجتمعات.
إنهم ينظرون إلى الاقتصاد السياسي كعلم مجرد عن الشروط المحيطية وكتقنية اجتماعية مهمتها زيادة الرفاه الاقتصادي.
الاتجاه الثاني: يعتبر الاقتصاد السياسي علم دراسة الظواهر والعلاقات الاقتصادية باعتبارها ظواهر وعلاقات ذات طبيعة تاريخية واجتماعية، وبمعنى آخر فإن علم الاقتصاد السياسي كتقنية اجتماعية يتغير من نظام اقتصادي اجتماعي إلى آخر.
ونعتقد أن التطورات التي لحقت بمفهوم الاقتصاد السياسي كعلم تجعل بالإمكان، في إطار التفريق بين النظرية والمذهب: "فالنظرية هي عبارة عن تصنيف وترتيب الظواهر وتحديد القوانين فيما بينها أنها عبارة عما هو كائن وليس عما يجب أن يكون، وبمعنى آخر فإن النظرية لا تكون "ملتزمة"، بينما يكون المذهب عكس ذلك أي عبارة عن مجموعة مبادئ التي يجب تطبيقها لحقيق أهداف معينة، أي أن المذهب هو عبارة عما يجب أن يكون، مع ملاحظة أن المذهب قد يقود إلى نشوء نظرية أو نظريات جديدة.
إذن، الاقتصاد السياسي هو علم تحديد الاختيارات المطبقة لتعظيم الدخل الحقيقي في إطار توزيع هذا الدخل وفقاً لمبدأ العدالة الاجتماعية.
وقد يعترض أحدهم فيقول إن هذا التعريف يتفق مع أسس النظام الاقتصادي الرأسمالي ولكنه لا يتفق مع مبادئ الاقتصاد الاشتراكي، غير أن التحليل العلمي الدقيق والمعمق للمنهج الذي أتبعه كارل ماركس في التحليل الاقتصادي وتبيان مرحلية الأنظمة ما قبل النظام الاشتراكي يؤكد أن ما كان يقصده ماركس في التناقض بين علاقات الانتاج ومستوى تطور القوى المنتجة ما هو إلا العقبة التي تقف في طريق تعظيم الدخل الحقيقي، وإنه عالج مسألة التوزيع كعلاقة تبعية لتلاقي حدوث الازمات الاقتصادية التي تؤدي إلى عرقلة نمو القوى المنتجة.
إننا نعتقد أن هذا التعرف يتفق تماماً مع المفهوم الماركسي للاقتصاد السياسي على أنه علم اكتشاف قوانين تطور المجتمع لأنه تعظيم الدخل الحقيقي يستوجب بالضرورة تحقيق التوافق بين علاقات الانتاج ومستوى تطور القوى المنتجة الذي يشكل فقدانه السبب الرئيسي في تهديم النظام الاقتصادي الاجتماعي.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=29529