الأسرى الفلسطينيون والحقائق المنسية

ايزابيل همفريز               Sunday 17-09 -2006

مع كون ما يقرب من 20% من سكان فلسطين، قد اعتُقِلوا على أيدي “اسرائيل” مرة أو أكثر، يجد المرء نفسه مدفوعاً للبحث عن عائلة فلسطينية لم تتأثر بذلك. وبينما يُدين الغربيون استمرار حجز أحد الجنود “الاسرائيليين” في غزة، يتجاوزون بارتياح كون ألوف عديدة من الفلسطينيين ظلّوا في الأسر لدى “اسرائيل” على مدى عقود من الزمن.ويجري احتجاز العديد منهم دون محاكمة ضمن ما يُعرَف باسم “الاعتقال الإداري”، ولا يُسمح لهم حتى بالوصول الى النظام القضائي “الاسرائيلي”، ناهيك عن احتجازهم في ظروف تفي بالقانون الدولي.

عندما تشتكي حتى منظمات حقوق الإنسان “الاسرائيلية” من الصعوبات في الحصول على إحصاءات من المصادر الرسمية “الاسرائيلية” فيما يتعلق بالأعداد الدقيقة للفلسطينيين المحتجزين، يصعب على الصحافيين الأجانب تتبُّع الاحصاءات الحديثة. وحسبما ذكرت منظمة بتسيلم، “الاسرائيلية” غير الحكومية، في يناير/ كانون الثاني ،2006 فإن أكثر من 8200 فلسطيني يقبعون في السجون “الاسرائيلية”. ويمكن تفصيل هذا العدد على النحو التالي: ،3111 معتقلون من قبل الجيش (741 منهم في الاعتقال الاداري)، و 5127 في السجون “الاسرائيلية” (53 في الاعتقال الاداري). ويذكر البعض ان الأعداد أكبر من ذلك، وأنها ينبغي ان تشمل السجناء السياسيين الفلسطينيين، الذين يحملون جوازات سفر “اسرائيلية”. ولا توفر الجنسية “الاسرائيلية” حرية الكلام السياسي للعديد من المواطنين الفلسطينيين.

وطِبْقَ ما ذكرته جمعية السجين الفلسطيني، في مارس/ آذار 2005 (التي استشهدت بها سمر أسعد، من المركز الفلسطيني، في الولايات المتحدة الأمريكية)، فإن 19سجيناً كان يقضون أحكاماً بالسجن مدتها 20 عاماً، و140 يقضون أحكاماً بالسجن 15 عاماً أو أكثر. ويذكر تقرير صادر عن وزارة شؤون الأسرى والمحرَّرين التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، أن 400 من هؤلاء الأسرى كانوا قد صدرتْ عليهم أحكام قبل اتفاقات أوسلو؛ وهي الاتفاقية التي يُفتَرَض أنها ضَمِنتْ الافراج عنهم.

ما هو الاعتقال الإداري بالتحديد؟ إنه السجن من دون محاكمة أو استمرار الحبس بعد قضاء مدة الحكم. ويخوّل الأمر العسكري “الاسرائيلي” رقم 1229 (1988)، الجيش احتجاز الفلسطينيين في المناطق المحتلة الى ما يبلغ ستة أشهر من دون محاكمة، ويمكن تجديد ذلك مرات كثيرة. ويتخذ القضاة القرارات المتعلقة بأوامر الاعتقال بناءً على مادة تراجَع في السرّ، ولا تُعْرَض على المعتقل أو محاميه (وهي سياسة آخذة على نحو مثير للقلق، في أن تصبح مقبولة في العالم الغربي في مرحلة ما بعد 11/9).

وليس الاعتقال الاداري جديداً على الفلسطينيين فهو مستخدم من قِبَل “الاسرائيليين” منذ تأسيس دولتهم، أولاً داخل المناطق المحتلة سنة ،1948 بالنسبة الى الفلسطينيين القلائل الذين تمكنوا من أن يظلوا مواطنين “اسرائيليين”، ثم منذ 1967 من أجل الحفاظ على حكم حديدي على الضفة الغربية وغزة. وبوصفي كاتبة بريطانية، أجد لزاماً علي الاشارة الى ان اجراءات الطوارئ، التي تمكّن القوات “الاسرائيلية” من القيام بمثل تلك الاعتقالات، تنبع من قوانين الانتداب التي وُضعتْ من اجل منع كل من العرب واليهود من إطاحة الاحتلال الاستعماري البريطاني. وفي ظل النظام البريطاني، اشتكى الصهاينة اليهود مرّ الشكوى من انتهاك حقوقهم الأساسية من قبل المحتلين. ولكن، ما إن استولوا على السلطة، حتى قرروا الاستفادة من اجراءات “الطوارئ” أو الاجراءات “الأمنية” تلك، ولكن لتطبيقها على العرب فقط. تنشر المنظمة الدولية للدفاع عن الأطفال أحدث الاحصائيات: ففي أواخر شهر يونيو/ حزيران، كان هنالك 388 طفلاً فلسطينياً معتقلين لدى “اسرائيل”. وهنالك مئات عديدة أخرى من السجناء الذين بلغوا سن الرشد الآن، ولكنهم كانوا قد اعتُقلوا وهم أطفال. وتقول وزارة شؤون الأسرى والمحررين، التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، ان أكثر من 3000 طفل قد دخلوا السجون “الاسرائيلية” منذ سبتمبر/ أيلول ،2000 وقد اعتُقلت غالبيتهم بزعم قيامهم بقذف الحجارة. وحسب القانون “الاسرائيلي”، ينبغي ان يكون الأطفال بالغي سن السادسة عشرة قبل توجيه الاتهام اليهم والحكم عليهم، ولكن في الواقع العملي، يجري تقديم مَن هُم في الثانية عشرة الى المحاكمة.

وسياسة “اسرائيل” نحو الصبيان، لا تنتهك قوانينها وحسب، بل وتنتهك القانون الدولي الذي يشترط ان الشخص لا يعتَبَر بالغاً إلا في سن الثامنة عشرة. ولا تقتصر “اسرائيل” على المراهقين. فقد ذكرت المنظمة الدولية للدفاع عن الأطفال، في شهر مايو/ أيار الماضي، ان طفلاً لا يتجاوز السنة الخامسة من العمر، قد انتُزِع من بين ذراعيْ والده واعتُقِل مدة ست ساعات ونصف بزعم قذفه الحجارة. تقوم كل من المنظمات الفلسطينية والدولية لحقوق الانسان، بتوثيق استخدام “اسرائيل” الروتيني للتعذيب، صيغةً لإهانة المعتقل وحمله على الانهيار. ويذكر 85% من التقارير الفلسطينية الإيذاء المنظم بما فيه تكبيل اليدين في أوضاع ملتوية، والضرب المبرح، والحجز الانفرادي، والممارسات الكريهة المثيرة للاشمئزاز مثل وضع أكياس مغطاة بالغائط على رأس السجين.

ولا تلبّي معايير السجون “الاسرائيلية” أدنى قوانين حقوق الانسان الأساسية، التي تطالب بالعناية الطبية للمعتقلين. ولنأخذ مثلاً قضية سليمان دارجة (53 سنة) من قرية الطيبة في الضفة الغربية. فقد تحدّث للسلطات عن آلام في صدره في سجن شارون، في 25 ابريل / نيسان، وطلب مقابلة طبيب السجن. وبدلاً من إجراء فحص طبي ملائم، اكتفى الطبيب بإعطائه مسكّناً وأعاده الى زنزانته. وقضى نحبه في الليل، وكان ترتيبه الثالث عشر، فيمن ماتوا في المعتقل منذ بدء الانتفاضة الثانية. وبينما يشكل الرجال الغالبية العظمى من السجناء، هنالك أكثر من 100 امرأة معتقلة من قبل “اسرائيل”، ومنذ سبتمبر/ أيلول ،2000 حدثت هنالك حالتا ولادة على الأقل في المعتقلات “الاسرائيلية”. وبينما تحدّث الرجال عن أشكال من التعذيب الجنسي في السجن، فإن السجينات بوجه خاص، يتعرضن لذلك، كنوع من الإذلال من قبل سَجّانيهن. وتُجبَر النساء على التجرد من ثيابهن أمام حرّاسهن، الذين يكون كثير منهم ذكوراً، ويتعرضن لعمليات تفتيش جسدي فظة. وذكرت كثير من السجينات تفاصيل اعتداءات جنسية من قبل الجيش “الاسرائيلي” وهيئة المشرفين على السجن. وفي بعض الحالات، تُعتَقَل النساء، ضمن أسلوب لتهديد أفراد ذكور في الأسرة، والضغط عليهم.

لا يمكن التقليل من قيمة الأثر بعيد المدى لمثل عمليات الاعتقال هذه التي تجرى على نطاق واسع. ويدلّ وجود وزارة مخصصة للأسرى والمحرَّرين لدى السلطة الوطنية الفلسطينية على سبب القلق. وعلى سبيل المثال يتحدث العاملون في مشروع الصحة العقلية للمجتمع في غزة، عن أعداد هائلة من الناس الذين يعانون من الأضرار البعيدة المدى التي خلفها التعذيب والحبس عليهم. فكيف يتسنى للمنظمات غير الحكومية، والحكومة التي تعجز عن مجاراة الأضرار المباشرة للهجوم العسكري، أن تتعامل مع الآثار النفسية على الأسرى وعائلاتهم، خلال فترة الأسر وبعدها؟

خلافاً لأفراد الجيش “الاسرائيلي”، لم تكن الغالبية العظمى من المعتقلين الفلسطينيين الذين يجري الاحتفاظ بهم في الأسر، قد لجأت الى المشاركة في العنف لحل الصراع.



* كاتبة تجري دراسة لنيل شهادة الدكتوراه على اللاجئين الفلسطينيين داخل فلسطين، في جامعة سوراي، في بريطانيا. وتقيم في مدينة الناصرة من أجل هذا الغرض. والنص من موقع بيدوليبالستاين.


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=3220