دورة تدريبية

رغداء زيدان               Thursday 28-09 -2006

عندما كنا صغاراً كنا نفرح بقدوم رمضان لما يرافقه من مظاهر جميلة, كانت تسعدنا وتشعرنا بتغيير في روتين حياتنا, فبالإضافة إلى الطعام الطيب والمتنوع, كان هناك التلفزيون وما يُعرض فيه من مسلسلات وبرامج, وفوق كل هذا ما كنا نسميه تسالي رمضان من ألعاب وغيرها.
كنا كأطفال لا ننزعج من ترك الطعام والشراب طوال اليوم, بل كنا نجد في هذا تحدياً نثبت فيه قدرتنا على التحمل, وكثيراً ما فقدنا عزمنا, وعطشنا وجعنا ولكننا لم نفكر إلا بما وعدنا به أهلنا من مكافأة مجزية لقاء صيامنا هذا.

لم يكن رمضان بالنسبة لنا كأطفال أكثر من شهر مختلف, احتفالي, كنا نسمع أن الله سيدخلنا الجنة, وأن أجرنا كبير, ولكننا في تلك السن الصغيرة لم نكن نستوعب لماذا أمرنا الله بهذا, كنا نفكر أحياناً ببراءتنا هل الله يفرح إذا جعنا؟ وهل الجنة لا تفتح أبوابها لنا إلا بعد أن نتعذب؟ هذه الأسئلة لم تكن لتخطر على بالنا لولا أننا كنا نسمعها من بعض الكبار حولنا. هؤلاء الذين كنا كصغار لا يؤبه لنا نراهم وهم يأكلون ويشربون سراً, ويمثلون أمام الناس أنهم صيام جائعون.

مرت الأيام, وكبرنا, ومازال السؤال يكبر في أذهاننا لماذا الصوم؟ لماذا أمرنا الله بترك طعامنا وشرابنا؟ ماذا سيغير فينا الصوم؟ .

لم تتغير مظاهر رمضان, التي صارت بحكم الطقوس في مجتمعاتنا, مازال رمضان شهر الطعام, ومازال شهر المسلسلات والبرامج الفكاهية والمسابقات, مازال رمضان شهر مختلف, احتفالي, نمضيه في النهار بالعمل القليل والنوم, وفي الليل بالطعام والشراب والمسلسلات, مع قليل من العبادة.
معظمنا لم يجد الجواب الشافي عن سؤال لماذا نصوم؟ نسمع إجابات كثيرة: الصوم فرض, ركن إسلامي, من أهمله خسر وندم, الصوم صحة, الصوم تعليم للإرادة والصبر, الصوم وسيلة لتشعر بشعور الفقير فتبادر إلى مساعدته...........إلخ من هذه الإجابات التي نكررها في كل سنة, ترغيباً وترهيباً لأنفسنا حتى نمضي في الصيام.

في القرآن الكريم جاء قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة:183) , ليبين لنا أن الصيام كُتب علينا لنتقي. والتقوى في اللغة هي الصيانة والستر والحماية, فهو صيانة وستر وحماية من نواقص وأمراض كثيرة في كل مجالات حياتنا, سواء منها الاجتماعية أو الصحية أوالنفسية, أو الاقتصادية..........إلخ.
فالصيام بهذا المعنى دورة سنوية لصيانة النفس الإنسانية وحمايتها وحفظها من جهة, ودورة لصيانة المجتمع وحمايته ككل من جهة أخرى, دورة تساعد على زيادة الفاعلية الفردية والمجتمعية.

يقضي أحدنا عامه بطريقة ترهق جسده ونفسه, طريقة تفقده حماسه ورغبته في العمل والتزكية, فيأتي رمضان ليكون شهر صيانة وإصلاح, شهر حماية وترميم لهذه النفس المتعبة ولهذا الجسد المنهك ولهذا العقل التائه, ليعيد للإنسان فاعليته, واندماجه في المجتمع.

لذلك لم يكن الصيام عبادة فقط, ولكنه كان أسلوب عقاب أيضاً, وهنا نحتاج إلى وقفة صغيرة عند مفهوم العقاب في الإسلام. هو ليس أسلوب انتقام, ولكنه أسلوب إصلاح, وأسلوب حماية "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"(البقرة:179) .
فالعقاب ليس للتشفي ولكنه لمعالجة خلل حصل, خلل تختلف طريقة معالجته على حسب ما تركه من أثر في المجتمع ككل. فكان الصيام في حالات عديدة إحدى طرق العلاج لهذا الخلل, فهو كفارة لذنوب يرتكبها الإنسان, كالحنث باليمين, أو القتل الخطأ, أو الإنسياق وراء الشهوة, وغير ذلك من الأمور التي تستدعي إصلاح هذا الإنسان, تستدعي علاجاً فاعلاً, يرمم ما انحرف من هذه النفس الإنسانية, حتى تعود لتأدية واجبها في المجتمع.

في دورة رمضان يتعلم الإنسان ضبط نفسه وشهواته, يتعلم الحلم والتحلي بالأخلاق الكريمة, يتعلم التعامل مع الناس والصبر على أذاهم, يتعلم قبول الآخر, ومسامحة المخطئ, ومساعدة المحتاج, يرتقي بنفسه ويغير من سلوكه على كافة الأصعدة, فينظم أكله, ونومه, وعمله, وعبادته, وحياته كلها.

ولكننا نتساءل لماذا لا نجد أثر هذه الدورة الرمضانية تغييراً على أرض الواقع؟ تغييراً لسوء التعامل بين الناس, تغييراً للتعصب وسوء الخُلق وعدم التسامح؟ تغييراً لأمراضنا الاجتماعية والخُلقية؟
أليس لأننا لم نستوعب حكمة الصوم؟ أليس لأننا حوّلنا رمضان إلى شهر لعب وأكل وكسل؟ أليس لأننا استخدمنا هذا العلاج بطريقة خاطئة أبطلت مفعوله؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع, ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ". أمثال هذا الذي ليس له من صيامه إلا الجوع هم من دخلوا مدرسة الصيام فلم يفهموا منها إلا ترك الطعام, ولم يستفيدوا من دروسها الكثيرة, بل رأوا فيها فرضاً يجب تأديته, دون أن يفطنوا إلى أنهم مطالبون بالتطبيق, مطالبون بالتغيير, مطالبون بالصيانة. فليسأل كل واحد منا نفسه هل فهمتُ حكمة الصيام؟
هدانا الله وإياكم إلى سواء السبيل, وأعاننا على تزكية أنفسنا, وأعاننا على تغيير ما في مجتمعاتنا من سلوك انحطاطي وموات حضاري, حتى نعود كما يجب أن نكون أمّة وسطاً بين الناس, أمة حضارة وعلم ورحمة.
وكل عام ونحن وأنتم أكثر معرفة وفاعلية في مدرسة رمضان.


[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=3364