حكومة وحدة وطنية أم فرز بين المقاومة والتسوية !

د. عادل سمارة               Wednesday 15-11 -2006

لازال الجدل دائرا بين الفلسطينيين فيما إذا كان تشكيل سلطة فلسطينية في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة هو إنجاز فلسطيني ، أم صناعة أميركية – إسرائيلية . فوجود السلطة غيّر أموراً كثيرة في الأراضي المحتلة ، وخلق أولويات تنبع من المصالح أو المضار الطبقية لهذه الطبقة أو تلك ، بعد أن كان التحرير وحق العودة هما الأولوية . وهذا يعني ، أن السلطة نفسها لم تكن لكل الوطن ، أو لكل من هم في الوطن كما يسميها البعض " السلطة الوطنية الفلسطينية " هذا مع وجوب الإشارة إلى أن الوطن ليس الضفة والقطاع ، كما أن الاحتلال نفسه يسميها ، حسب أوسلو ، السلطة الفلسطينية ، بدون كلمة الوطنية.

تبين مجريات الأحداث ، وممارسات السلطة وشكل الحكم ، أن اتفاقات أوسلو كانت مثابة تسوية أو سلام رأس المال . أي لفائدة الرأسمالية الإسرائيلية وشرائح رأسمالية فلسطينية . وبعيداً عن تحرير الأرض ، أو تحرير المحتل عام 1948 ، فإن هذه السلطة لم تأت عبر التحرير ، بل أتت عبر مفاوضات إذعان واضح . بعبارة أخرى لم تأت هذه السلطة عبر فرض شروط على الاحتلال ، بل أتت عبر اقتناع الاحتلال أن قيادة منظمة التحرير في مأزق ، وأن تقديم سلطة ما لها ، سوف يضعها في موقع من يقدم تنازلات هائلة لأنه سيجد في تحقيق هذه السلطة قشة نجاة لهذه القيادة ، وبالتالي يمكن أن تفتح هذه السلطة باب الصراعات الداخلية الفلسطينية مما يقلل المقاومة ويعفي الاحتلال من كثير من مسؤولياته كقوة احتلال ، ويبرر للاحتلال قمعا لا سابق له لأنه كأنما يصارع دولة مستقلة أخرى . هذا ناهيك عن أن هذا السيناريو هو بمثابة انسداد لبديل ثوري لقيادة منظمة التحرير كان يمكن توليده من الانتفاضة الأولى ، وهذا ما حصل .

لو حاولنا تقييم السلطة الفلسطينية إلى ما قبل الانتخابات الأخيرة ، من باب ممارساتها ، لوجدنا أنفسنا أمام حالة لا ينقصها الشمول من الفساد ، والمحسوبيات ، أو ما نسميه " الاقتصاد السياسي للفساد " ، ناهيك عن غياب أي مشروع أو توجه تنموي لاقتصاد هو أحوج ما يكون للتنمية بالحماية الشعبية .

ولو حاولنا تقييم حكم السلطة الفلسطينية على أساس دور الاحتلال لوجدنا أن الاحتلال قد التهم مزيداً من الأرض ومارس أعمالاً متواصلة من القتل المفتوح ، والاعتقال ، ناهيك عن أن دوريات عساكره تجوب كافة نواحي الأراضي المحتلة 1967 ، دون أن تطلق عليها طلقة رسمية . وهو ما يشعر المواطن بأن البلد لاتزال تحت الاحتلال الإسرائيلي الكامل ، فما معنى وجود سلطة إذن ؟

وحين يشعر المواطن أنه يعيش في بلد مبتلى بالفساد ، ومحروم من التنمية ، وخاضع للاحتلال المباشر ، فما الذي يقنعه بضرورة هذه السلطة ؟

ومن جهة أخرى ، فإن القبول الفلسطيني بهذه السلطة ، هو مثابة إقناع وإغراء وتبرير للحكام العرب بوجوب وسهولة الاعتراف بإسرائيل رغم كل ما تقوم به من عسف .

لذلك ، يطرح المواطنون بشكل متواصل السؤال التالي : ما هي ضرورة وجود هذه السلطة ؟

وفي حين أن الشطب الكلي للسلطة لم يعد أمراً عملياً أو سهل التحقيق ، فإن الضغط باتجاه تقليص دورها إلى المستوى الخدماتي المحلي ، ومغادرتها زعم التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني ، يحرر هذا الشعب من هذه السلطة غير ذات سيادة ، وينيط الأمر بقيادة في الخارج قد تكون منظمة التحرير بعد تغييرات جوهرية فيها .

وعليه ، لاتعود حكومة الوحدة الوطنية هي المخرج من المأزق الحالي ، بمقدار ما ان برنامج هذه الحكومة هو الذي يجب ان يكون المخرج . وعليه فإن تجربة حكومة حماس الأخيرة ، تؤشر بدرجة كبيرة إلى وجوب تغيير دور السلطة من حالة سياسية تفاوضية إلى حالة حكم ذاتي خدماتي وترتيبي وتنظيمي وإن أمكن تنموي أو أن لا تكون السلطة عثرة في طريق التنمية بالحماية الشعبية . قد يكون هذا هو الدرس المستفاد . وإذا ما توصلت حماس إلى الاقتناع بهذا ، فيمكن عندها أن تقبل بحكومة ضمن هذا المنظور ، إلى جانب تجنيب نفسها الاعتراف بإسرائيل .

واليوم حيث تشير التقديرات بان حكومة الوحدة الوطنية على الأبواب ، منهية فترة التشدد التي مورست مع حكومة حماس ، فإن هذه الحكومة ، إذا تكونت من جهة ، وإذا مارست التفاوض السياسي والأمني مع الاحتلال من جهة ثانية ، فإنها لن تكون البديل المطلوب والمناسب للواقع الفلسطيني الذي يتطلب سلطة " لا سياسية " لأنها " لا سيادية " . بل ستكون هذه الحكومة :
أولاً : موجهة أمريكياً : لا يخفى على أحد أن الإدارة الأمريكية أعملت كل الجهد الممكن لكي لا تكون في الأراضي المحتلة حكومة لا تعترف بإسرائيل . هذا ما أكده مسؤولوها ، بدءاً من القنصل الأمريكي في القدس السيد جيكوب والس ، وانتهاء بجورج بوش ، مروراً بالطبع بمجيء السيدة رايس ولقائها مع مصطفى البرغوثي في القدس ، وهو عضو بمفرده في مجلس الحكم الذاتي " التشريعي " . ولذا ، بقدرة قادر أصبح وسيطا بين فتح وحماس ! وعليه ، فإن السلطة الفلسطينية التي هي صناعة أمريكية - إسرائيلية ، لا بد أن تكون حكومتها على الأقل أمريكية ، أو لنقل راضية عنها أمريكا . وما ترضى أمريكا عنه هو من يعترف بإسرائيل .

ثانياً : إن هذه الحكومة هي حكومة إدارة إحدى الأزمات الفلسطينية ، وهي أزمة تمويل الرواتب . وما نقصده أنها لن تتمكن من إدارة عدد كبير من الأزمات التي تحيق بذلك الجزء من شعبنا في الأرض المحتلة .

ثالثاً : حكومة انتقالية لانتقال ديمقراطي مزيف آخر : لقد بانت عورة الانتخابات التشريعية الأخيرة . فقد ذهب الناس إلى صناديق الاقتراع تحت وهم الديمقراطية . ومعروف أنها كانت تحت الاحتلال وبإذنه . وقال البعض ، ليكن، دعنا نجرب . وها قد جربوا ؟ وماذا كانت النتيجة ؟ فقد حرمت حكومة حماس من إكسير الحياة في عصر رأس المال ، أي المال ، وهاهي تحت ضغط القبول بشركاء في الحكومة تفرضهم أميركا وإسرائيل . المهم أن حاملي لواء الديمقراطية والحرية رفضوا نتائج الانتخابات التي أسموها حرة وديمقراطية ومثالية . وأثبتوا بالقطع أن هكذا ديمقراطية هي ديمقراطية وظيفية ، لوظيفة محددة هي الاعتراف ، والمزيد من الاعتراف بإسرائيل . وهذا يثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الديمقراطية في عالم رأس المال وصلت الحضيض الذي وصفها به سيفاندان :
" لقد دمر السوق الحر حقوق العمال ، وانتزع الحريات وحيّد الديمقراطية ، وكل ما بقي منها هي العملية الانتخابية " .

فأية رياضة اجتماعية مجانية هي المتبقية من النظام الحر ؟ لا شيء . لا بل إن ما يجري هم تطبيق سياسة وأيديولوجيا شمولية ( توتاليتارية ) ضمن وهم الحرية والديمقراطية أي ضمن حالة من التضليل والتلاعب على الصعيد العالمي ( كما يقول عنوان الأطروحة المميزة للصديق د . مفيد قسوم ) والهيمنة على المجتمع . وإذا كان هذا حال الغرب الرأسمالي المتقدم بتراث النضال الاجتماعي والسياسي ، فما هو حال الأراضي المحتلة ؟

إنه التضليل والتلاعب المطلقين . فالبلد تحت احتلال عسكري يمارس الذبح كتمرين رياضي يومي ، كما أن هذه الديمقراطية ممولة من الغرب الرأسمالي الذي دوره التاريخي نهب الأمم الفقيرة ، أما أن يمولها ، فسيكون المخفي أعظم ، وها هو اتضح ، بمعنى : أن المطلوب انتخابات تعطي النتائج التي نريد ، ولأنها ليست كذلك ، فقد ألغيت . أما لماذا كان سهلا إلغاء النتائج ، فذلك تطبيقا لقول سيفاندان ، لأن ما جرى كان مجرد عملية رياضة سياسية . ولأنها انتخابات بنتائج على الورق ، فلم تتمكن الحكومة الجديدة حتى من تحريك الأجهزة الأمنية القضائية لمحاكمة اللصوص الذين يتبخترون في الشوارع ويزايدون سياسياً على الحكومة التي حصلت على أكثرية مقاعد التشريعي . أي أننا أمام حالة كاريكاتورية باتجاه البكاء وليس الضحك . المهم أن مرحلة حكومة الوحدة الوطنية هذه ستكون مؤقتة للعبور إلى انتخابات مضمونة لمعسكر التسوية ، وليس وحسب ، بل لقوى ضد الممانعة فما بالك بالمقاومة .

رابعاً : لن تجلب المرحلة المؤقتة لهذه الحكومة اللبن والعسل للمواطنين ، ربما حلمت بحماس أن تجلب ذلك ، ولكن لم يسمح لها . هذه المرة سيكون قادة الفساد هم قادة البلد ، مدعومين من أميركا ، والقطاع الخاص الذي ابتلع البلد بتلزيمات لا غطاء قانوني لها ، وستكون شريحة التكنوقراط في خدمتها وكذلك فرق الانجزة ، وكل هؤلاء في النهاية ضمن خدمة أميركا .

لذا ، سوف يستمر الجداران الإسمنتي والمالي ، ربما تقدم بعض المرونات ، ولكن علينا التذكر أن المعسكر المعادي لم يتخلى عن أي سلاح جربه ضدنا ، وأثبت نجاعته ، أي الإضرار بنا . ستبقى المقتطعات التي سرقها الاحتلال بيده ، وسيفرج عنها تدريجياً وبثمن سياسي ، وسيفعل المانحون نفس الفعلة .

ولكن ، لماذا كل هذا التشدد المستميت لتشكيل حكومة جديدة ، والإطاحة بحكومة حماس ؟

لا يمكن قراءة هذا الأمر بعيداً عن الساحة الإقليمية والعالمية . فعلى الصعيد الإقليمي والعربي ، أصاب انتصار المقاومة في لبنان كافة معسكر التسوية ورأس المال بالهلع . وعليه ، أصبح من المحتم تحطيم أية بؤرة للمانعة والمقاومة .

يعتقد البعض أن قوس الممانعة يتكون من إيران وسوريا وحزب الله فقط . ولكن علينا التذكر أن المقاومة في العراق هي جزء من هذا القوس ، بل هي محفزه المعنوي الرئيسي . وهذا بغض النظر إذا ما كانت هذه المقاومة في تنسيق مع قوس الممانعة أم لا . ومن هنا خشية أن تتحول الأراضي المحتلة إلى أحد مكونات هذا القوس . وبالطبع لا بد من وضع هذا الصراع الواسع في الوطن العربي والشرق الأوسط في سياق تطورات الصراع على الصعيد العالمي ، بمعنى أن الإمبراطورية الأمريكية متورطة في جبهة حرب ساخنة في الوطن العربي وتواجه جبهة تطورات سياسية اجتماعية راديكالية في أميركا اللاتينية ، ناهيك عن بؤر أخرى في العالم عامة .

لذلك تجندت ضد حماس حكومة الولايات المتحدة والرئاسة الفلسطينية ومنظمات الانجزة ، والتنوقراط ، وأنظمة عربية ناهيك عن الاحتلال . وحيث تدرك حماس هذه المسألة ، والثمن المطلوب منها ، فإن ذلك يؤكد بأن تشكيل حكومة وحدة وطنية بالصيغة التي تريدها اميركا ليست من السهولة بمكان .

وبكلمة ، فكل الجهود والضغوط المبذولة ، ليست لحل أي من مشاكل الفلسطينيين ، بل هي جوهريا تحرك تيارات متلاطمة بشدة للفرز ، إما مع المقاومة أو مع التسوية .


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=3944