الصومال... هل يصبح ساحة لـ'حروب الآخرين'؟

سكوت بالدوف               Saturday 23-12 -2006

يبدو أن أفريقيا باتت جبهة جديدة في الصراع العالمي لسيطرة الإسلاميين على الحكم، فثمة علامات متزايدة تشير إلى أن المعارك المحتدمة بين "اتحاد المحاكم الإسلامية" الصاعد والحكومة الصومالية المدعومة من قبل الغرب، قد تمتد سريعاً إلى خارج الحدود، لتغمر مجمل منطقة القرن الأفريقي، وتشعل فتيل حرب إقليمية. ففي الأسبوع الماضي صوت مجلس الأمن على قرار يقضي بإرسال قوات لحفظ السلام إلى الصومال، وهي الخطوة التي رد عليها الإسلاميون بأنها لو طبقت فإنها ستقابل بـ"حرب مقدسة" لا هوادة فيها.

لكن حتى قبل التفكير في إرسال قوات أممية إلى الصومال، سارعت أثيوبيا الدولة المجاورة، إلى التدخل في الوقت الذي تواصل فيه "المحاكم الإسلامية" إسقاط المدينة تلو الأخرى، زاحفةً ببطء، لكن بإصرار إلى المناطق الحدودية مع إثيوبيا. وبينما تعد أديس أبابا نفسها لحرب شاملة وشيكة على "المحاكم الإسلامية" في الصومال، ترقب دول أخرى مثل جيبوتي وإريتريا والسودان الوضع عن كثب، ولا تتردد في الانحياز إلى أحد الأطراف إذا لازم الأمر.

وفي هذا الإطار، يقول "مات برايدن"، المستشار في "مجموعة دراسة الأزمات"، التي تتخذ من بروكسل مقراً لها: "يعتبر دعم الولايات المتحدة للقرار الأممي بنشر قوات لحفظ السلام في الصومال إدراكاً منها بأن الصراع هو جزء من الحرب العالمية ضد الإرهاب، وبأن الصراع قادر على تعبئة العديد من الدول والجماعات التي كانت إلى غاية اللحظة منفصلة عن الشأن الصومالي". فقد شرعت إثيوبيا في إرسال قواتها إلى الصومال منذ عدة شهور، كما أن برلمانها صادق في الأسبوع الماضي على قرار إعلان الدفاع عن النفس في حال الحرب مع الصومال. ويوضح وجهة النظر الإثيوبية دبلوماسي رفيع المستوى طلب عدم ذكر اسمه قائلاً: "لقد اعترفنا بالمحاكم الإسلامية، وقلنا إنها واقع لا يمكن إنكاره داخل الصومال، وطلباً منهم الجلوس إلى طاولة المفاوضات. غير أن المحاكم أبدت عدم اهتمام بالحوار وبحل الأمور سلمياً، فكلما تفاوضنا معهم على قضية يزحفون على المزيد من المناطق حتى قبل أن يجف حبر الاتفاق"، مضيفاً "نحن لسنا مستعجلين على الانخراط في المعارك داخل الصومال، لكن إذا اضطررنا فإننا سندافع عن أنفسنا".

وقد شهدت الصومال خلال نهاية الأسبوع الجاري أشرس المعارك بين قوات "المحاكم الإسلامية" والقوات التابعة للحكومة المؤقتة التي تدعمها إثيوبيا. وفي الوقت الذي أكد فيه مسؤول في الحكومة المؤقتة وقوع معارك ضارية مع "المحاكم الإسلامية" دون أن يفصح عن أرقام بشأن عدد الضحايا، أكد نائب رئيس "المحاكم الإسلامية"، "الشيخ شريف" بأن "الصومال يتعرض لاعتداء من قبل قوات أجنبية"، وجدد دعوة "المحاكم الإسلامية" لإعلان الجهاد على تلك القوات لطردها من البلاد قائلاً: "لقد كبدنا القوات الإثيوبية خسائر فادحة، فدعونا نمضي في محاربة الإثيوبيين". وكبلد يفتقر إلى حكومة مركزية قوية منذ أكثر من 15 عاماً، تحول الصومال إلى ملعب خطر لخوض حروب الدول الأخرى على أراضيه، حيث تستخدم الدول المجاورة مثل إرتيريا وإثيوبيا الصومال كساحة لتصفية حساباتهما القديمة وخوض حرب بالوكالة من خلال دعم الأطراف المتحاربة وإشعال فتيل الحرب الأهلية. وفي هذا الإطار تستغل الحركات الإثيوبية الانفصالية مثل "جبهة أوجادين للتحرير الوطني" و"جبهة أورومو للتحرير" الصومال لدعم مطالبها بالاستقلال. لكن أكثر ما يثير مخاوف الغرب هو تحول الساحة الصومالية إلى مرتع آخر للجماعات المتطرفة مثل "القاعدة".

وفيما يتعلق بنشر قوات لحفظ السلام في الصومال كما نص على ذلك القرار الأخير لمجلس الأمن، يقول المستشار في مجموعة دراسة الأزمات "مات برايدن": "أعتقد أنه في المرحلة الحالية لن يجدي كثيراً إرسال قوات أممية إلى الصومال لأن ذلك لن يسهم سوى في تأجيج الأزمة"، مؤكداً أن أعداداً صغيرة من القوات الدولية ستجد صعوبة في حماية نفسها من الهجمات التي ستشنها قوات المحاكم الإسلامية، لاسيما وهي البارعة في تنفيذ الهجمات الخاطفة. والأكثر من ذلك أن نشر القوات الأممية في الصومال، سيخدم قضية "المحاكم الإسلامية"، التي ستقوم بحشد الدعم الشعبي ضد القوات الأجنبية. وفي كل الأحوال يعتبر العديد من المسؤولين الإثيوبيين أنه لا خيار لهم عدا خوض الحرب، حيث تبدو المعارك الجارية حالياً في الصومال كجزء من الحرب الحدودية غير المنتهية بين إرتيريا وإثيوبيا التي دامت زهاء العامين.

ويؤكد المسؤولون الإثيوبيون أن صعود "المحاكم الإسلامية" ما كان له أن يحدث، لولا دعم لوجستي، بل أكثر من ذلك، اتهم تقرير أعدته مجموعة المراقبة التابعة للأمم المتحدة، دولاً أخرى في المنطقة، بأنها تقوم بدعم "المحاكم الإسلامية" وتمدها بالمال والسلاح مثل إرتيريا ومصر وجيبوتي وإيران واليمن وليبيا والسودان. وفي هذا الصدد يقول "ميدهان تاديسي"، وهو مؤرخ إثيوبي، إن بلاده اضطرت إلى خوض الحرب بسبب تورط جيرانها في دعم "المحاكم الإسلامية"، والفكرة هي أن تنقلب إرتيريا مجدداً على إثيوبيا من خلال الحرب. والكتلة العربية تقوم بذلك كجزء من قضية إسلامية أشمل. لذا يعتقد "تاديسي" أنه على إثيوبيا أن تحارب، وكلما عجلت بذلك كلما كان أفضل قائلاً:"إن الإسلاميين يعتبرون أنفسهم ثوريين، ولابد من أن يوضع لهم حد".

أما "عبد الكريم فرح"، سفير الحكومة الإثيوبية الانتقالية، فقد رحب بقرار الأمم المتحدة الخاص برفع الحظر عن بيع السلاح للصومال وتسليح حكومته وتوفير قوات لحفظ السلام قائلاً: "لابد من وقف هذه الحرب سواء كانت حرباً بالوكالة، أم لم تكن لأنه إذا نجح الإسلاميون فإن حرباً إقليمية سوف تندلع".


مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في إثيوبيا





تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=4366