اكتشافات مجلجلة من "والنهار إذا جلاّها"

عطية زاهدة               Wednesday 31-01 -2007

اكتشافات مجلجلة من "والنهار إذا جلاّها"
تمهيـــــــد
كلما كشف العلم كشفاً جاء هذا المسلم أو ذاك من المهتمين بالتفسير ليقول لنا: إن القرآن الكريم قد سبق إلى مثل هذا في قول الله تعالى من هذه الآية الكريمة، أو تلك. وقد لا يكون هذا الربطُ خارجاً عن الصواب. ولكن ما دمنا نؤمن بأن آيات الذكر المجيد، ومن خلال الاكتشافات العلميّة، تشتمل على حقائق سبق القرآنُ الكريمُ العلومَ في ذكرها، فلماذا ننتظر العلومَ لتكشفَ، ولنكتشفَ من بعدها، أن القرآنَ الكريمَ كان قد ذكر ذلك من قبلِها؟..

لماذا لا نكشف العلومَ بالقرآن بدلا من أن ننتظر أن نفسر الآياتِ باكتشافات العلوم قائلين بأن القرآنَ هو صاحبُ السبق؟..
لماذا لا نسبق إلى الاكتشافات بفهم ما في الآيات من حقائق ما دمنا نؤمن بأنه حق؟..

لماذا لا نستخرج حقائق علميّة من القرآن الكريم قبل أن تكتشفها العلوم؟.. أيّهما الأفضل والأجمل أن نحاول أن نثبت أن القرآن يحتوي على ما تمَّ كشفه، أو اكتشافه من حقائق، أم أن نكشفَ، أو نكتشفَ، الحقائقَ من القرآن المجيدِ نفسِهِ؟
حسنا، إنني في بحثي هنا أذهب ليس إلى ربط الآية بحقيقةٍ سبق للعلم أن كشفها، بل أذهب إلى كشف حقائقَ علميّةٍ أسبقُ بها العلمَ بالقرآن الكريم.



إعجاز في الآية الكريمة: "والنهارِ إذا جلاها"
يقول الله تعالى في سورة الشمس: "والشمسِ وضُحاها (1) والقمرِ إذا تلاها (2) والنهارِ إذا جلاها (3) والليلِ إذا يغشاها (4)" - والآية موضوع الحديث في الإعجاز العلميِّ هي قوله تعالى: "والنهارِ إذا جلاها".

أرى أن الضمير في: "جلاها" يعود على الشمس التي هي المذكور المؤنث الوحيد المذكور قبل النهار. ولا أرى أن الضمير يعود على الدنيا، أو الظلمة، كما ذهب بعض المفسرين في تقديرهم لمعهودٍ ذهنيٍّ معروفٍ.
حسناً، أذهب ليس إلى ربط الآية بحقيقة سبق للعلم أن كشفها، بل أذهب إلى كشف حقائقَ علميّةٍ أسبقُ بها العلمَ بالقرآن الكريم.

وأهم تلك الحقائق التي أرى أن الآية: "والنهارِ إذا جلاها" تتضمنها وتصحح بها أشهر المسلَّمات العلميّةِ هي:

1) ضوء النهار المنساب في السماء diffuse sky light هو في جُلِّه على حساب أنوار تتولد في الأيونوسفير بنفس طريقة توليد الأفجار القطبيّة auroras.

2) الضوء المستقبل على الأرض مباشرة من قرص الشمس هو في جزء منه غيرُ قادمٍ من الشمس نفسها، بل إن هذا الجزء متولد أصلا في الأيونوسفير، ومتجمع بؤريّاً في الماغنيتوسفير فيبدو كأنه قادم من الشمس نظرا لتواقع البؤرة المجمِّعة في وجه الشمس وذلك بالنسبة للناظرين من سطح الأرض وحتى ارتفاع آلاف الكيلومترات: "ذلك تقدير العزيز العليم".

الفرضيـــــــــات
1- جزء رئيس من الضوء النهاري المنساب في السماء يأتي من نشاطات أوروريّةٍ تجري عالميّاً فوق كل خطوط العرض.

2- من خلال التعاون والتنسيق بين الأيونوسفير وبين الماغنيتوسفير، بما فيه من أحزمة فان ألن، فإن الأيونوسفيرَ نفسَه يقوم بدور مصباح لاصف fluorescent على مستوى الكرة الأرضيّة.
3- الشمس - كما تظهر من الأرض - تشتمل بصريّاً في رؤيتها من الأرضِ نفسِها على نقطة تشعُّعٍ أوروريّةٍ مع إكليلها الأوروريِّ المرافقِ كاملِ التطور.
4- الضوء الابتدائيُّ القادمُ من الشمس نفسها، بأطيافه السينيّة وأطيافه فوق البنفسجيّة، يلعب دوراً رئيساً في توفير الطاقة المشغّلة للنشاطاتِ الأوروريّة فوقَ كل خطوط العرض النهاريّة.

وأسمّي هذه الفرضيّات : "نظريّة شمس عطيّة".

لغة الآية ونحـــْوُها
يقول الله تعالى في سورة الشمس: "والشمسِ وضحاها (1) والقمرِ إذا تلاها (2) والنهارِ إذا جلّاها (3) والليلِ إذا يغشاها (4)".
أقوال في النهار في لسان العرب لابن منظور:

1) انتشار ضوء السماء واجتماعه.
2) ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروبها.
3) وقت الضوء الذي هو الضد، أو المخالف، لوقت الليل.

الاختيار:

النهار هو كل ضوء طبيعيٍّ منتشر في السماء والآفاق على قدر يمكن الإنسان من الإبصــار المتمثل فــي تمييزِ وحـــقِّ الألوان color resolution وتبيُّنِها: "والنهار مبصراً" (يونس: 67)، "وجعلنا آيةِ النهارِ مبصرةً" (الإسراء: 12)؛ فأي ضوء ينتشر في السماء طبيعيّا ويمكن الإنسان من الإبصار، ولو ظهر عابرا في عزِّ الليل، هوَ نهارٌ: "ويولج النهارَ في الليلِ" (لقمان: 29).



التجلية في المعاجم والتفاسير
التجلية هي: الإبانة، أو الإبداء، أو الكشف، أو الإظهار، أو الإبراز، أو التوضيح، أوِ الصقل. وتستعمل التجليةُ في حقِّ العروس؛ إذْ إنَّ تجلِّيَها هو أن تتزين بما يزيدها تألّقاً، بمثل وضع المساحيقِ المُبيِّضةِ، أو بلبس الأكاليل، أوْ بارتداء بذلة العرس البيضاء، أو بوضع تاجٍ من الماسات، أو عقدٍ من اللآلئِ فتصير تشّعُ إشراقاً.

ونلاحظ أن المعاني الواردة للتجلية في المعاجم والتفاسير متقاربة إلى حد الترادف.

الاختيار:
التجلية هي التنوير المتمثل في اكتساب التألق، في ازدياد التألق، في ازدياد الابيضاض في الشيء المبصَر، في ابيضاض مظهر الشيء المرئيّ. ولما كان الأمر يخص مظهر الشيء في العيون، أو يتعلق بالرؤية والإبصار، فالتجلية في المحصلةِ هي اكتساب مظهر ذي ابيضاض، أي أن يصل من الشيء المرئيِّ إلى العيون أطيافٌ ضوئيّةٌ ذاتُ جلاءٍ white visuality تعطيه مسحةً بيضاءَ، صدوراً منه، أو انعكاساً عنه. فالتجلية المقصودة في الآية: "والنهار إذا جلّاها" هي ظهور ابيضاض في الشمس ينكشف فيها بعد اكتمال الطلوعِ ببرهة وجيزة. فهل هذا الابيضاض الذي هوَ أمر مشاهد بوضوح في صدر كل نهار ذي صحْوٍ، هو بسبب ضياء صادر من الشمس نفسِها، أم هو منعكس من أمام وجهها، كأنه في ظاهره قادم منها؟..

دعنا نحدد الإجابة من فهم الآية نحويّاً (إعراباً).

النحو في "والنهار إذا جلاّها"
"والنهار إذا جلّاها"
النحو: الواو واو القسم وهي جارّة.
النهار: اسم مجرور بواو القسم وعلامة الجرِّ هي الكسر. "والنهار" الجار والمجرور متعلقان بفعل القسم وتقديره: أقسم.
إذا: اسم منصوب على الظرفيّة؛ لأنه في الآية متجرد للظرفيّة المحضة الخالية من الشرط ( مفعول فيه في محل نصب. وهو مضاف).
"جلاها"

جلّى: فعل ماضٍ مبنيٌّ على النصب منع تعذُّر اللفظ من ظهور الفتحة على آخره.

والضمير المستتر العائد على النهار وتقديره "هو" في محل رفع فاعل.
الهاء في "ها" ضمير ظاهر متصل في محل نصب مفعول به، والألف للتأنيث. وجملة "جلاها" في محل جرِّ مضاف إليه.

توسعة عن "إذا"
اعتماداً على "البرهان في علوم القرآن" لبدر الدين الزركشي يمكن أن نعتبر أن "إذا" في الآية يمكن أن تحمل وجهاً من هذه:

1- أنها جاءت ظرفَ زمانٍ للماضي. وهذا يعني أنَّه من السائغ أن نفهم الآية هكذا: (والنهار وقد جلاها)، أو: ( والنهار إذْ جلاها). ويدعم هذا الفهمَ أخذُ الضحى بمعنى وقت طلوع الشمس.

2- أنها جاءت للحال؛ فيكون التقدير: (والنهارِ مجلِّياً الشمسَ).

3- أن هناك عاملاً محذوفاً متعلقاً بـِ"إذا" في موضع نصب على الحال: (والنهارِ كائناً إذا جلّاها)، ويدعم هذا التقديرَ، وهوَ أنَّ الضحى قد تأتي بمعنى: الضياءِ أو الحرِّ:

أ- أنها قد تكون في الآية متجردةً ليس فقط عن الشرطيّة، بل وعن الظرفيّة أيضا، أي هي في الآية لمجرد الوقت، فتكون هنا مجرورةً محلاً لكونها بدلاً عن النهارِ، والتقدير: (أقسمُ بالنهار وقتَ تجليته للشمس) أوْ: (أقسم بوقت تجلية النهارِ للشمسِ).
ب- أنها للاستمرار والتكرار.
ج- أنها قد تكون زائدة فيكون فهم الآية هكذا: (والنهارِ الذي جلّاها).
وبأيٍّ من هذه الأوجه أخذنا فإنَّ ما نقصده من الإعجاز العلميِّ لن يتأثّر، بل إن هذه الأوجهَ تعضدُه.

خلاف بلا اكتشــــاف
ثار بين المفسرين هذا السؤال: على ماذا يعود الضمير الذي في "ها" من "جلاها"؟

الأقوى والأَوْلى، وهو ما ذهب إليه الطبريُّ، والزجّاجُ، وأبو حيّان الأندلسيّ، وما آخذ به أيضا، هو أن هذا الضمير عائد إلى الشمس المذكورة، لا إلى معهود ذهنيٍّ مؤنث غير مذكور جاء له أكثر من تقدير منها: الظلمة، والسماء، والآفاق، والأرض، والبسيطة، والمعمورة، والحيوانات، والدنيا. وهذه كلها من مثل ما قال به الفرّاءُ، ومال إليه المرحومُ الإمامُ "سيد قطب".

الخلاصـــة النحويّـــة
النهار مُجَلٍّ (الفاعل)، والشمس مُجَلاّةٌ (المفعول به).
المعنى المستنتج: اكتسابُ الشمسِ تجليةً من النهار. ووفق معنى التجلية السالف يكون النهار معطياً للشمس ضوءاً تتجلى به ينعكس بالنسبة للرائين لها من الأرضِ أمام قرصها مُظهراً فيه ومن حوله المباشر جلاءً، أيِ ابيضاضاً مبصراً.

فلماذا حصل هذا الاختلاف؟

يبدو لي أن الذين قالوا بعودة الضمير - الهاء في جلاها- على معهود ذهنيٍّ مؤنث غير مذكور قد فعلوا ذلك انطلاقاً من المعرفة السائدة عن أنّ الشمس هي مصدر النهار، أي حسب الفهم أنها هي المعطية لهذا الضياء، مما قد عنى لهم أن عودة الضمير إلى الشمس نفسِها سيكون مخالفةً من القرآن لتلك المعرفة المسلَّمِ بها، أي إنهم قد حاولوا أن يبعدوا الآية عن المعنى الذي يجعل النهار يعطي للشمس ضوءاً؛ لإدراكهم أنَّ ذلك مخالف لحقائقَ علميّةٍ مسلَّمٍ بها.

وأما الذين قالوا بعودة الهاء في "جلاها" إلى الشمس بسبب تقدم ذكرها؛ ولأنها موضوع الحديث أصلاً، فقد انقسموا إلى فريقيْن:

فريق أعطوْا للفعل: "جلّى" معاني تسمح بالتأويل: أبان، وأظهر، ووضّح، وأبدى، وكشف، وبيّن. ويبدو لي أن معظم هؤلاء لم يسألوا أنفسهم عن الكيفيّةِ التي يجلّي بها النهارُ الشمسَ، أي إنهم وفق معاني التجلية التي أوردوها لم يجلّوا ما ذهبوا إليه في شروح تعليليّة. وكان الزَّجّاج من القليل الذين حاولوا التعليل مبقياً على الأخذ بأن النهار هو من نور الشمس. وهذا ما ينقله عنه الفخرُ الرازيّ في التفسير الكبير ومفاتح الغيب: "الضمير في "جلّاها" عائد إلى الشمس، وذلك لأنَّ النهار عبارة عن نور الشمس. فكلما كان النهار أجلى ظهوراً كانت الشمس أجلى ظهوراً؛ لأن قوة الأثر وكمالَه تدل على قوة المؤثر، فكان النهار يُبرز الشمس ويظهرها".

وكأني بالزجاجِ يريد أن يقول إن مقدار تجلّي الشمس يظهر في مقدار تجلّي النهار، أي إن تجلّي النهار مؤشر يقيس تجلي الشمس، أوْ هو صورة عنه، أي إن الزجاج قد بقي يعتبر أن نور الشمس هو المؤثر وأن النهار أثر منه، فاتخذ قوة الأثر مقياسا لقوة المؤثر. وباختصار، كأنه يقول: إن تجلّيَ الشمس التي هي المؤثر ينكشف في تجلّي النهار الذي هو الأثر، أو إنَّ تجلّيَ النهار يفضح تجلّيَ الشمس.

وفريق أعطوْا للفعل "جلى" معنى يوافق أن يكون النهار معطيا للنور، وأن تكون الشمس في النظر إليها من الأرض آخذةً منه. فالإمام الطبريُّ يقول في تفسيره: أقسم الله تعالى بالنهار إذا أضاءَ الشمس. ويقول أيضا: النهارُ يجلّي الشمس ويظهرُها بضيائه. ومما أوردَه الإمام القرطبيُّ في جامعه أن "والنهارِ إذا جلّاها" تعني: أن النهار يبيِّنُ بضوئه جرمَ الشمسِ. ونسب الإمام ابن كثير في تفسيره رأياً إلى العالم "مجاهد" يعتبر أن معنى: "جلاها" هو: أضاءها. ومجاهدٌ نفسه يعتبر أن المقصود من ضحى الشمس هو ضوء الشمس. ومن هنا يكون العالم "مجاهد" قد نسب للنهار أنه يضيء الشمس ذات الضوء، أي إنه قد فهم أن النهار هو ضوء ليس بالضرورة قادما من الشمس نفسها.


"جلاّهــــــــــــــا"
إن تفسير "جلاها" بمعنى: أضاءها، هو المعنى الذي ذهبت إليه من قبل أن أقرأه للطبريِّ، أوْ لمجاهد، ومن قبل أن أعلم أنه جاء في التفاسير؛ فقد انطلقت إلى نظريتي ليس من قول الله تعالى: "والنهار إذا جلاها" وإنما من قولِه تعالى في حق الأرض: "وقدَّرَ فيها أقواتَها في أربعةِ أيامٍ...." (فصلت: 12). ورغم هذا فالسبق في إعطاء "جلاها" معنى: أضاءها، هو لمجاهد، وأمّا الفرقُ فهو أن مجاهدا عرف ولم يكتشف، وأما أنا، والفضل لله تعالى وحده، فقد عرفت واكتشفت: "سنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفُسهم حتّى يتبين لهم أنه الحقُّ أوَلمْ يكفِ بربِّكَ أنّه على كل شيءٍ شهيد"(فصلت: 53).

ومما سبق نصل إلى أنَّ الرأي الأجلى والأقوى برجحان أدلته هو أن: "جلاها" تعني: أضاءها. وبذلك فهو المعنى الذي من الأجدر والأوْلى أن نتمسك به، وبالتالي فلا بدَّ أنَّ اكتشافات علوم الفلك في فضاء الأرض، وآفاق الكون، ستجلّي لنا أنَّ هذا المعنى هو الذي يتدثَّرُ بالحقِّ.

حسناً، لماذا لا نريح المسلمين من الاختلافات في تفسير الآية؟.. فهل فعلاً أن النهار يضيء الشمسَ ذاتَ النور بإعطائِها نوراً يجليها بالنسبةِ للناظرين إليها من الأرض وجوِّ السماءِ؟.. كيف يتم ذلك؟.. وما الأدّلةُ؟


الماغنيتــوسفير The Magnetosphere

كوكبُ الأرضِ مغناطيسٌ عظيمٌ ذو قطبيْنِ، وهما غيرُ القطبيْنِ الجغرافيّيْنِ، ولهُ مجالٌ مغناطيسيٌّ عظيمٌ. ومجالُ الأرضِِ المغناطيسيُّ: هوَ الحقلُ ، أوِ الحيّزُ، أوِ النطاقُ المحيطُ بالأرضِ حيثُ تصلُ آثارُها المغناطيسيةُ في فضاءِ الكونِ، أوْ حيثُ تمتدُّ خطوطُ القوةِ المغناطيسيّةِ الصادرةُ منها، وهذهِ الخطوطُ المغناطيسيّةُ توصلُ بينَ القطبيْنِ المغناطيسيّيْنِ عبرَ السماءِ كأنّها أسلاكٌ تبنيها وترفعُها. ومِنْ أجلِ تبسيطِ الأمورِ والتسهيلِ، في إطارِ هذا الكتابِ، يمكنُ أنْ نعتبرَ أنَّ حقـلَ الأرضِ المغناطيسيَّ بجميعِ طبقاتِهِ، بما فيها الأيونوسفيرُ وأحزمةُ "فان ألن"، يُسمّى: "الماغنيتوسفير" magnetosphere (المُكَوّرة المغناطيسيّة). وترتفعُ نهايةُ الماغنيتوسفير في الجهةِ النهاريّةِ نحـوَ سبعينَ ألــفَ كيلومتر، قدْ تزدادُ وقدْ تنقصُ وفقَ ظروفٍ وعواملَ كثيرةٍ وخاصّةً حسبَ قوةِ وسرعةِ "الريح الشمسيّة".

وجميعُ طباقِ الماغنيتوسفير مبنيّةٌ منْ خطوطِ القوةِ المغناطيسيّةِ التي هيَ عندي عَمَـدُ السماءِ، تلكَ العَمَدُ غيرُ المرئيّةِ التي ترفعُ السماءَ بناءً ذا سَمْكٍ مُسَوّىً بإحكامٍ ونظامٍ عجيبٍ، وهيَ عَمَدٌ ذاتُ شدّةٍ وانجدالٍ مريرِ الحَبْكِ كأنَّها حبالٌ لولبيّةٌ قـدْ أُجيدَ فتلُ قُواها، وهيَ عمدٌ مؤهلةٌ أيضاً أنْ تُكَوِّنَ أسباباً حِبالاً كأنَّها "الكوابلُ" cables تنتصبُ في نظامٍ محكمٍ تجري بهِ تيّاراتٌ كهربائيّةٌ عظيمةٌ، وهيَ عمدٌ مؤهلةٌ أيضاً أنْ يتشكلَ منها أنابيبُ tubes كأنَّـها المواسيرُ تنتقلُ عبرَها دُفوقٌ مِنَ البلازما plasma. والبلازما هنا هيَ غازٌ منَ الجسيماتِ والأيوناتِ المشحونةِ كهربائيّاً، فهيَ دُخانٌ مكهربٌ غيرُ مرئيٍّ قدْ يكونُ مخلخلاً، وقدْ يَسْتسْحِبُ كغمامٍ وظُلَلٍ وكِسَفٍ، وكأنَّها لوْ رُئِيّتْ تظهرُ كالسحابِ المركومِ، وهيَ تملأُ الماغنيتوسفيرَ بشكلٍ منتشرٍ منفرشٍ مستطيرٍ diffuse، أوْ في وضعِ انصيادٍ trapped أوانسباكٍ fused في خطوطِ القوةِ المغناطيسيّةِ. ويمكنُ أنْ تجريَ في البلازما التشويظاتُ الناريّةُ والتفريغاتُ الكهربائيّةُ discharges بكلِّ آثارِها، مِنَ الضياءِ وبارقاتِهِ وسَناهُ، ومنَ الحرارةِ ومـارجاتِ النـارِ وشراشيرِها، والتغيّراتِ المغناطيسيّةِ ونبضاتِها. وما من شكٍّ أنَّ الإلمامَ بعلمٍ مفصّلٍ عنِ الماغنيتوسفير يحتاجُ موسوعةً كاملةً ؛ فهوَ السبعُ الطباقُ!

ومنَِ الممكنِ والمفيدِ أنْ نتصوّرَ خطوطَ القوةِ المغناطيسيّةِ كأسلاكٍ، وأنَّها يمكنُ أنْ تنتظمَ أيضاً في صفائحَ وألواحٍ. وأمَّا تصوُّرُها كخطوطٍ وهميّةٍ فهوَ الخطأُ والشططُ.

وأمَّا الجزءُ الليليُّ مِنَ الماغنيتوسفيرِ، وهوَ متصلٌ ومكتملٌ ومتداخلٌ بالجزءِ النهاريِّ، فهوَ ذو طبقاتٍ مماثلةٍ ذاتِ خطوطٍ مغناطيسيّةٍ منغلقةٍ، ما عدا الخارجيّةَ منها ؛ إذْ هيَ ذاتُ ذيلٍ من فصّيْنِ lobes أو جديلتيْنِ منْ خيوطِ "وأسلاكِ" خطوطِ القوةِ المغناطيسيّةِ المفتوحةِ. وهذا الذيلُ يترامى ويمتدُّ في فضاءِ الكونِ إلى ملايينِ الكيلومترات، وبسببٍ منْ وجودهِ خلفَ الأرضِ فكأنَّما هيَ بهِ في الفضاءِ منَ المذنّباتِ. وفي هذا الذيلِ كمياتٌ هائلةٌ منَ البلازما، وخاصةً تلكَ التي في المخروطِ المسمَّى: "الصفيحة البلازمية" plasma sheet، فهوَ مستودعٌ لها هائلُ الضخامــةِ. وكأنَّ المـــخروطَ البلازمـيَّ بوجــودِ صفيـحـــــةٍ متعادلـــةٍ neutral sheet بينَ نصفيْهِ، عبارةٌ عنْ مكثّفٍ علويٍّ هائلِ السعةِ الكهربائيّةِ.

ويتعرَّضُ الماغنيتوسفيرُ منْ فوقِهِ إلى الطرقِ بالصدماتِ منْ فعلِ اصطدامِ "الريح الشمسيّة" بهِ solar wind، وهذهِ الريحُ الشمسيّةُ عبارةٌ عنْ موجٍ مغناطيسيٍّ مكهربٍ يحملُ جسيماتٍ مشحونةً، وهوَ موجٌ متتابعٌ مستمرٌ محمولٌ في المجالِ المغناطيسيِّ الشمسيِّ دائمِ التغيُّرِ والاضطرابِ. ويمكنُكَ أنْ تتصوَّرَ "الريح الشمسيّة" مثلَ نفخٍ، أوْ نفثٍ مستمرٍّ ينطلقُ منَ الشمسِ كأنَّهُ العهنُ المنفوشُ الذي تنشبكُ وتنسبكُ في خيوطِهِ المغناطيسيّةِ جسيماتٌ مشحونةٌ كهربائيّاً، فهوَ ظُللٌ أوْ غمامٌ مغناطيسيٌّ مكهربٌ غيرُ مرئيٍّ مندفقٌ منَ الشمسِ باستمرارٍ كأنَّهُ الريحُ الجاريةُ في فضاءِ الكونِ. وتصدمُ الريحُ الشمسيّةُ ظَهرَ الماغنيتوسفيرِ بسرعةٍ عظيمةٍ تتجاوزُ الستمائةَ كيلومترٍ في الثانيةِ صدماً منْ بعدِ صدمٍ، وقدْ تشتدُّ سرعتُها وتزيدُ على الألفيْنِ من الكليومترات في الثانية. وتحتَ تأثيرِ الريحِ الشمسيّةِ وطرقِها الصادمِ، فإنَّ الماغنيتوسفيرَ يعملُ مثلَ مشكاةِ المخضِ التي تستزبدُ الحليبَ، أيْ مثلَ السقاءِ، فهوَ في مثلِ حركاتِ التنفسِ منْ شهيقٍ وزفيرٍ، فهوَ يتمددُ وينكمشُ على الدوامِ، كأنّما يتنـفَّـسُ، أوْ كأنَّما هوَ مثلُ "الأوكورديون" تحتَ العزفِ.

وبالنسبةِ لطباقِ الماغنيتوسفيرِ فإنَّها بمجموعِها تمثِّلُ نظاماً كهربائيّاً ضــوئيّاً يوجدُ فيـهِ: دينامـــــــــو توليـدٍ كهربــائيٍّ، وأنبــوبٌ لاصــفٌ، ومكثّفٌ مـُوســِعٌ capacitor، ومِحَثٌّ inductor.. و... الخ ؛ فلكلِّ طبقٍ أمرُهُ ودورُهُ. وتعبُرُ الماغنيتوسفيرَ أنظمةٌ معقدةٌ منَ التياراتِ الكهربائيّةِ العظيمةِ، ومنها تيّاراتُ "بركلاند" المحتذيةُ بخطوطِ القوةِ المغناطيسيّةِ، والساريةُ في جميعِ طباقِهِ: Birckeland field-aligned currents) ).

ولغايةِ عجالةِ هذا البحث فيكفي أنْْ نشيرَ إلى أنَّ الأيونوسفيرَ يمثّلُ مصباحاً منْ نوعِ الأنبوبِ اللاصفِ fluorescent على شاكلةِ الذي يسمّيهِ الناسُ "أنبوب النيون"، أو: "مصباح النيون".. وهوَ في العادةِ الغالبةِ أسطوانيُّ الشكلِ، وأنْ نشيرَ أيضاً إلى أنَّ أحزمةَ "فان ألن" يمكنُ أن تقومَ بدورِ المكثِّفِ condenser.

ومنَ الغريبِ أنْ يَجمعَ العلماءُ عنِ الماغنيتوسفيرِ موسوعةَ معلوماتٍ دونَ أنْ يسألوا أنفسَهم هذا السؤالَ: ما هيَ الغايةُ النهائيّةُ أوِ النتيجةُ الكليّةُ لجميعِ النشاطاتِ الهائلةِ والعمليّاتِ العظيمةِ التي تجري في الماغنيتوسفير: النظامِ المتطابقِ الضخم المعقّدِ؟.. أمَّا أنا فلا أرى إلّا أنَّها تكوينُ النهارِ، وما يتبعُ ذلكَ منْ تجليةِ الشمسِ.. فلماذا تستوردُ الأرضُ النهارَ منْ جسمِ الشمسِ ما دامتْ كلُّ ضروراتِ صناعتِهِ بما يكفي لتوليدِ النهارِ متوفرةً في طباقِ الماغنيتوسفير الممثلِ لمجالِها المغناطيسيِّ؟.. ولماذا نتصورُ أنَّ الأرضَ تتطفّلُ على الشمسِ بدلاً منْ أنْ تعولَ نفسَها؟ وإلّا أينَ تذهبُ الطاقةُ العظيمةُ المتولّدةُ على حسابِ الدينامو الذي تشكّلُهُ الأرضُ باعتبارِها مغناطيساً هائلَ الضخامةِ ذا مجالٍ مغناطيسيٍّ دائرٍ باستمرارٍ بحركتِها الدائبةِ حولَ محورِها؟ أينَ تذهبُ الطاقةُ الرهيبةُ المحمولةُ في التياراتِ الكهربائيّةِ الجاريّةِ في الماغنيتوسفيرِ؟ ألا يرى العلماءُ أنْ لوْ كانَ الضوءُ النهاريُّ قادماً منْ جرمِ الشمسِ لَما حصلتِ الفصولُ، ولَما كانَ للموضعِ الواحدِ منَ الأرضِ غيرُ مشرقٍ واحدٍ؟

أحزمـــةُ "فان ألن"
أحزمةُ "فان ألن" في المشهورِ عنها هيَ حزامانِ كانَ العالمُ الأميركيُّ "فان ألن" هوَ أولَ منْ قامَ بالتنبيهِ لوجودِهما فوقَ الأرضِ، وذلكَ سنةَ 1958 م.


وقدْ عُرِِفَتْ أحزمةُ "فان ألن" Van Allen belts أيضاَ بأحزمةِ الإشعاعِ radiation belts، والمقصودُ مِنَ الإشعاعِ هنا هوَ وجودُ الجسيماتِ المتأيِّنةِ المشحونةِ كهربائيّاً، حيثُ يتميَّزُ نطاقُ كلٍّ منَ الحزاميْنِ نسبيّاً بوجودِ كثافةٍ عاليةٍ منَِ الجسيماتِ المشحونةِ التي تَظهرُ بالرغمِ منْ حركتِها وتساقطِها كأنَّها مَصيدَةٌ trapped أو منسبكةٌ fused في خطوطِ القــوةِ المغناطيسيّة. أمّا في الحزامِ السفليِّ فتسودُ البروتوناتُ الموجبةُ، وأمَّا في الحزامِ العلويِّ فتسودُ الإلكتروناتُ السالبةُ.

وكثافةُ الجسيماتِ في الحزاميْنِ متغيّرةٌ باستمرارٍ، فهناكَ جريانٌ مستمرٌّ لعملياتِ الامتلاءِ والتفريغِ. ومِنَ الحزامينِ تنهملُ الجسيماتُ المشحونةُ وتتساقطُ فوقَ الأيونوسفيرِِ بشكلٍ دائبٍ وبمعدّلاتٍ دائمةِ التغيّرِ. فعلاً، تتساقطُ الجسيماتُ المشحونةُ فوقَ الأيونوسفير كأنَّما تَتَحَثْحَثُ عليهِ مِنْ مُنخُلٍ أوْ غُربالٍِ. وبهذا الحثيثِ مِنَ الجسيماتِ المشحونةِ فوقَ الأيونوسفيرِ، يَخرجُ النهارُ منَ الليلِ كغشاءٍ منَ النورِ.

وتوصيفُ الحزاميْنِ أمرٌ شائكٌ معقّدُ بسببٍ منْ ديناميكيّةِ واستمرارِ تغيراتِ الحزاميْنِ حَسَبَ الوقتِ منَ اليومِ، وحسبَ خطَّ العرضِ، وحسبَ الفصولِ، وحسبَ قوّةِ الريحِ الشمسيّة، وحسبَ طورِ التضاغطِ أوِ التمددِ. ولكنْ يمكنُ اختصارَ الأمرِ بنبذةٍ مبسطةٍ. وفي توصيفِ طباقِ الماغنيتوسفير لا بدَّ أنْ تُنشِّطَ وتشغِّلَ التصوًّراتِ والتشبيهاتِ حتّى تستطيعَ أنْ تكوِّنَ عنها في ذهنكِ نموذجاً مجسَّماً مُعيناً للفهمِ، فالحديثُ عنها ليسَ تفرُّجاً ولا مشاهدةً لبنيانٍ ذي طبقاتٍ تنظُرُها العينُ. ونصيحتي لكَ أنْ تجتهدَ للفهمِ والتخيّلِ بعقلٍ هوَ لكَ، فها هيَ المعلوماتُ الضروريّةُ بينَ يديكَ كما هيَ في ذاكرةِ أهلِ الاختصاصِ. وما حكَّ عقلَكَ مثلُ فكرِكَ، فتولَّ أنتَ جميعَ فهمِكَ، ولا تنتظِرْ فهماً مستورَداً، فذلكَ هوَ العجزُ المبينُ، فدَعْكَ منَ الفهمِ المستعارِ.


واعلمْ أنَّ مرورَ المعلوماتِ بكَ لأولِ مرةٍ لا يعني بالضرورةِ أنَّ مَنْ علمَها منْ قبلِكَ هوَ أفهمُ لها، ومنَ العارِ أنْ لا تكونَ للفهمِ المستقلِّ محاولاً.

أمَّا الحزامُ الأولُ وهوَ الداخليُّ الأقربُ إلى الأرضِ، فمنَ الممكنِ القولُ بأنَّهُ يبدأُ منْ فوقِ الأيونوسفيرِ مباشرةً، أيْ يبدأُ مِنَ ارتفاعِ نحوِ ألـفِ كيلومترٍ منْ سطــحِ الأرضِ، ويمتدُّ إلى الأعلى بضعةَ آلافِ الكيلومتراتِ وصولاً إلى طبقةٍ سُمكُها آلافُ الكيلومتراتِ تفصلُهُ عنِ الحزامِ الخارجيِّ، أوْ تدمجُهُ فيهِ اندماجاً تدريجيّاً.

وأمّا الحزامُ الثاني منْ حزاميْ "فانْ ألن"، فإنَّ منَ الممكنِ القولَ بأنَّهُ في الظروفِ المعتدلةِ يبدأُ منَ ارتفاعِ نحوِ ثلاثةَ عشرَ ألفَ كيلومترٍ عنْ سطحِ الأرضِ، وقدْ يزيدُ ارتفاعُهُ الخارجيُّ عنْ خمسينَ ألفَ كيلومترٍ عنِ سطحِ الأرضِ نفسِهِ.

ومنَ المفيدِ أنْ نعلمَ أنَّ التركيزَ للجسيماتِ المشحونةِ ليسَ متساوياً في كلِّ مناطقِ أيٍّ منَ الحزاميْنِ، ومنَ الثابتِ أنَّ سُمْكَ كلٍّ منهما يتناقصُ منْ فوقِ خطِّ الاستواءِ باتجاهِ القطبِ، حتَّى يصلَ الأمرُ إلى انحسارِهما من فوقِ خطوطِ العرضِ العليا، فكأنَّ مقطعَ الحزامِ منهما بينَ القطبينِ مثلُ الهلالِ أوِ الموزةِ. وما يمثّلُهُ الحزامانِ منْ درعٍ وسترٍ وحمايةٍ، ينكشفُ منْ فوقِ تلكَ المناطقِ القطبيّةِ التي قدْ تطلُعُ عليها الشمسُ بدونِ غيابٍ أيّاماً كثيرةَ العددِ، فكأنَّما هنا مطلعُها الذي بلغَهُ ذو القرنينِ. وفي هذا السياقِ يحسُنُ أنْ نتذكَّرَ أنَّ "ثقب الأوزون" يتركَزُ فوقَ المناطقِ القطبيّةِ.

وخطوطُ القوةِ المغناطيسيّةِ في الحزاميْنِ، وهيَ خطوطٌ تربطُ ما بينَ قطبيِ الأرضِ المغناطيسيَّيْنِ، تشكلُ للجسيماتِ المشحونةِ ممراتٍ لولبيةً تتذبذبُ عليها بينَهما إلى أنْ يحينَ تساقطُها وتحثحُُُثُها على الأيونوسفيرِ. وهذا التساقطُ يزيدُ مِنْ موصليّةِ الأيونوسفير للكهرباء فتشتدُّ فيهِ التيّاراتُ الكهربائيةُ وتحدثُ التفريغاتُ الكهربائيّةُ، وتخرجُ وتصدُرُ الآثارُ المغناطيسيّةُ والضياءُ والحرارةُ.

يشبِّهُ العلماءُ شكلَ كلٍّ منَ الحزامينِ حولَ الأرضِ بأنَّهُ مثلُ "الكعكة" doughnut أوْ مثلُ "الحَوِيّة"، أوْ لنقلْ عنهُ إنَّهُ مثلُ عَجِلِ السيّارةٍ. ومنْ هنا فإنَّ أبسطَ طريقةٍ لتصوُّرِ الحزاميْنِ منْ فوقِ وحولِ الأرضِ بموازاةِ خطوطِ العرضِ، هيَ تصوُّرُ الأرضِ كرةً يحيطُ بها بعيداً عنها عَجَلٌ (ولنقلْ: إنَّهُ عجلَ فوكس فاجن متصرصرةٍ) وهذا العجلُ يحيطُ بهِ بعيداً عنهُ عجلٌ آخرُ أكبرُ كثيراً ( ولنقلْ: إنَّهُ عجلٌ خلفيٌّ لِجرّارٍ عملاقٍ ).

وغيرُ ضارٍّ أنْ نذكِّرَكَ بأنَّ علماءَ الجيوفيزياءِ يتصورونَ كلَّ حزامٍ منْ أحزمةِ "فان ألن" بأنَّهٌ متراكبٌ من عددٍ هائلٍ منَ الطُّبَيْقاتِ أوِ الصفائحِ، كأنَّها فوقَ بعضِها البعضِ مثلُ الرقائقِ في "البقلاوةِ". وأرى أنَّهُ منَ الحزاميْنِ والطبقِ الواقعِ بينهما يمكنُ أنْ يتشكّلَ "مكثِّفٌ كهربائيٌّ" هائلُ السعةِ. ولا ننسى أنَّهُ يعبُرُهما نظامٌ معقّدٌ منَ التياراتِ الكهربائيّةِ. وللحزاميْنِ تفاعلاتٌ وعلاقاتٌ معقدةٌ معَ بقيّةِ الماغنيتوسفيرِ. وما تحدّثنا بهِ عنِ الماغنيتوسفيرِ يدخلُ أيضاً في فهمِنا لأحزمةِ "فان ألن" وللأيونوسفيرِ.

الأيونـــوسفير
غيرُ ضارٍّ أنْ تعرفَ أنَّ طبقةَ "الأيونوسفير ionosphere" قدِ اكتسبتْ اسمَها منْ كونِها طبقاً مكوَّراً sphere يحيطُ بالأرضِ، وينتشرُ فيهِ جسيماتٌ مشحونةٌ كهربائيّاً يسمّونَها الأيوناتِ: ions. وهذهِ الدقائقُ منها ما هوَ موجبُ الشحنةِ، ومنها ما هوَ سالبُ الشحنةِ.

وما منْ ريْبٍ أنَّ طبقةَ الأيونوسفيرِ المنتشرةَ في مجال الأرضِ المغناطيسيِّ، تقريباً مِنَ ارتفاعِ 50 كيلومتر عنْ سطحِ الأرضِ حتّى ارتفاعِ 1000 كيلومـتر، هيَ مصدرُ الضياءِ الذي يكتسبُهُ قرصُ الشمسِ عندَ رؤيتِهِ منْ سطحِ الأرضِ زيادةً على ما يظهرُ بهِ منَ الفضاءِ الخارجيِّ، وخاصةً الطباقَ السـفلى منَ الأيونوسفيرِ، ما بينَ ارتفاعِ 70 كيلومتر منْ سطحِ الأرضِ نفسِها، وارتفاعِ 220 كيلومتر. فالأيونوسفير نفسُها بضعَةُ طباقٍ متراكبةٍ، أوْ بضعُ طُبَيْقات: هيَ منَ الأســفلِ إلى الأعلى:

C-layer, D-layer, E-layer, F1-layer, F2-layer, and G-layer.

ومحتوياتُ هذهِ الطُّبيقاتِ منَ الأيوناتِ، ومنَ الذرّاتِ والجزيئاتِ غيرِ المشحونةِ، تختلفُ عنْ بعضِها البعضِ، وتختلفُ كثافاتُها وتراكيزُها وتتغيّرُ باستمرار حسبَ عواملَ عديدةٍ. وفيها أيضاً تجري الظاهـرةُ الضــوئيةُ المسمّاةُ: "وهـــج الجــوِّ" airglow، وفي الجزءِ الأسفلِ منها تنتشرُ أنواعٌ معيّنةٌ مــنَ الغيــوم، أوِ الغَمامِ وظُـــلَـلِهِ.. ولا ريْبَ أنَّكَ مدركٌ أنَّ ما جاءَ عنِ الماغنيتوسفيرِ يساعدُ بقوةٍ في توفيرِ صورةٍ عامةٍ عنِ البناءِ العامِّ للأيونوسفيرِ، باعتبارِهِ الطبقَ الأسفلَ منهُ.

وما أراهُ هوَ أنَّ الأيونوسفيرَ النهاريَّ، بكاملِ انتشارِهِ فوقَ كلِّ خطوطِ العـرضِ، مؤهَّلٌ لتوليدِ ضياءٍ عظيمٍ تماماً بنفسِ الكيفيّةِ التي تتولدُ فيها ظاهرةُ "الفجر القطبي" الذي يظنُّ الكثيرونَ خطأً أنَّهُ منحصرٌ في أيونوسفيرِ المناطقِ القطبيّةِ الليليّةِ. والضياءُ المتولِّدُ عنْ هذهِ الأفجارِ النهاريّةِ على مستوى كلِّ خطوطِ العرضِ منْ خطِّ الاستواءِ حتّى القطبِ، هوَ مصدرُ تجليةِ الشمسِ، أيْ هوَ مصدرُ المظاهرِ الضيائيةِ الإضافيّةِ التي يزدادُها منظرُ الشمسِ المرئيُّ منْ سطــحِ الأرضِ – يزدادُها – على مظهرِها المرئيِّ منَ الفضاءِ الخارجيِّ كما من على سطح القمر.

وبالنسبةِ لِطُبَيْقاتِ الأيونوسفيرِ، فالرصدُ يظهرُ أنَّها في النهارِ كثـيفةٌ عظيمـةُ النشاطِ، وأمَّا في الليلِ فتكادُ تنعدمُ ويتناقَصُ نشاطُها كثيراً، حيثُ تنسلخُ منها انسلاخاً شبـــهَ كامــلٍ طُبيقــةُ D-layer، وطبيْقــةُ E-layer. وتتضـاءلُ كثافــةُ طُبَيْقَتَــيْ:

F1-layer, F2-layer تضاؤلاً كبيراً جداً.

ومنَ المفيدِ أنْ نعرفَ مجدداً أنَّ الأيونوسفيرَ يُـؤوي أنظمةً منَ التياراتِ الكهربائيّةِ الدائمةِ والمتغيّرةِ الشدةِ باستمرارٍ، وهيَ في النصفِ النهاريِّ منهُ أعظمُ شدّةً ونشاطاً منها في النصفِ الليليِّ. ومنَ الممكنِ أنْ نتصوَّرَ أنَّ تلكَ التياراتِ تسري في نظامٍ منْ شبكةٍ معقّدَةٍ منْ "كوابلَ مغناطيسيّة"، كأنَّها عَمَـدٌ مُمَـدّدةٌ، ولكنْ لا نراها.

ما هوَ الفجرُ القطبيُّ؟ Aurora
الفجرُ القطبيُّ وَفْقَ ظهورِهِ وانكشافِهِ للرصدِ بالعيونِ، هو ضياءٌ يحدثُ في المشهور في ليلِ المناطقِ القطبيّةِ، وقدْ يمتدُّ في نادرِ الأحيانِ حتَّى يراهُ سكّانُ المناطقِ المداريّةِ، فما هوَ حِكْرٌ على شقراواتِ الدنماركِ وشُقرِ النرويجِ والسِّويد، والإسكيمو.. ولقدْ أصبحَ منَ الثابتِ أنَّهُ دائمُ الحدوثِ امتداداً حتّى سماءِ خطِّ الاستواءِ، ولكنْ تتعذَرُ رؤيتُهُ بالعيونِ لأسبابٍ منْ علُوِّهِ وضعفِهِ.

وقدْ يحدثُ الفجرُ القطبيُّ على تقطعٍ أو اتصالٍ، وذلكَ بالنسبةِ للرؤيةِ بالعينِ، وقدْ يصلُ أحياناً مِنَ الشدةِ بحيثُ تبدو الآفاقُ كأنَّها في نهارٍ ممتدٍ آلافَ الكيلومترات.

ومنَ الثابتِ الآنَ أنَّ الفجرَ القطبيَّ يتولدُ في طبقةِ الأيونوسفيرِ كأنوارٍ لاصفةٍ ملونةٍ بفعلِ تساقطِ جسيماتٍ مشحونةٍ مصدرُها ماغنيتوسفيرُ الأرضِ وخاصةً ما يُسمّى أحزمة "فان الن"، وكآثارٍ ضوئيّةٍ لتفريغاتٍ كهربائيةٍ ترافقُ سريانَ تياراتٍ كهربائيّةٍ تجري في هذهِ الطبقةِ أيضاً. وعندما تكونُ الأفجارُِ شديدةً وقويّةً ومتصلةً، يظهرُ لها تجمُّعٌ يُسمّى "نقطة التشعُّع" radiant point، وهيَ ظاهرةٌ تجميعيّةٌ للضوءِ الفجريِّ القطبيِّ أعزوها إلى قدرةِ مجال الأرض المغناطيسيّ للعملِ كمرآةٍ مقعرة، والنظرُ إلى "نقطةِ التشععِ" يُبدي مظهراً لقرصٍ متأكللٍ ذي وميضٍ يذكِّرُ بالشمسِ، واتجاهُ حركةِ "نقطةِ التشعع" هوَ منَ الشرقِ إلى الغربِ، وسرعتُها في هذهِ الحركةِ درجةٌ زاويّةٌ في كلِّ أربعِ دقائق، وهيَ نفسُ سرعةِ قرصِ الشمسِ المألوفِ الذي يتحرّكُ 360 درجةً في كلِّ 24 ساعةً، ولذلكَ فإنَّهُ يمكنُ معرفةَ الوقتِ منْ "نقطة التشعع" تماماً مثلما تمكنُ معرفتهُ منْ قرصِ الشمسِ في النهارِ المألوفِ.

وعُروضُ الأفجارِ القطبيّة ذاتُ جمالٍ مشهودٍ، فهيَ تُظهرُ ضياءً لاصفاً fluorescent بهيَّ الألوانِ، فقدْ تحتشدُ في السماءِ معارضُ الستائرِ والجلائلِ curtains وتَنْبَثُّ البسُطُ الزرابيُّ والشراشفُ draperies في الآفاقِ منْ كلِّ لونٍ بهيجٍ، وما هيَ منسوجةٌ إلّا منْ ضياءٍ متراقصٍ متماوجٍ كأنَّما انتصبتْ لهُ في السماءِ أراجيحُ عيدٍ تؤرجحُ الفساتينَ بكلِّ صبغٍ جديدٍ. وأمَّا الألعابُ النورانيّةُ التي في شكلِ أقواسٍ وقضبانٍ وخيوطٍ مختلفٍ ألوانُها، فقدْ تمتلئُ السماءُ منها بما يسرُّ الناظرينَ ويأسِرُ الألبابَ. وقدْ يظهرُ في نفسِ الوقتِ بضعُ أقواسٍ تملأُ الآفاقَ نوراً وبهاءً، وقدْ تزرَقُّ السماءُ وكأنَّ الليلَ قدِ انقلبَ نهاراً.

وتتحرّكُ أضواءُ الأفجارِ القطبيّةِ محتذيةً بخطوطِ القوةِ المغناطيسيّةِ كأنَّما هيَ بهلواناتٌ كهرومغناطيسيّةٌ مزخرفاتٌ مزركشاتٌ تسيرُ على حبالٍ لا نراها مرفوعةٍ بموازاةِ اتجاهِ المجالِ المغناطيسيِّ الأرضيِّ. وهذا الاحتذاءُ بخطوطِ القوةِ المغناطيسيّةِ، هوَ مثلُ ما تُظهرُهُ أيضاً ضياءاتُ أيونوسفيرِ النهارِ بالمشاهدةِ منْ فوقهِ.. ألا ترى إلى السماءِ وأنتَ تحتَها كيفَ تظهرُ كالقبّةِ؟

وما أروعَ ارتجافَ الأضواءِ وترجرجَ الأنوارِ كأنَّما الآفاقُ ليلاً قدْ تزيَّنتْ بكلِّ غمّازٍ جميلٍ!

وما أجملَ أنْ تكونَ في مناطقِ الدائرةِ القطبيّةِ ليلاً فتجدَ النهارَ يلجُ عليهِ دارَهُ ويولجُ فيها ضياءَهُ في خاطفٍ منَ الزيارةِ سُويعةً مِنْ زمنٍ، كأنَّما هوَ عاشقٌ يصطادُ الحبيبَ على حينِ غفوةٍ منْ أهلِهِ.. أهوَ الليلُ يحلمُ بالنهارِ فيرِدُ عليهِ في منامِهِ؟! أمْ هوَ يأتيهِ بينَ الفينةِ والفينةِ ليؤنَسَهُ والجاً عليهِ في ظلامِهِ؟ ويمكنُ للمرءِ أحياناً أنْ يقرأَ كتاباً بغيرِ ما حاجةٍ إلى ضياءٍ آخرَ بجانبِ أنوارِ الفجرِ القطبيِّ عندَما تمتلئُ بها آفاقُ السماءِ على اتصالٍ.

ولوْ سألتَ أهلَ العلمِ عنْ سببِ تسميةِ تلكَ الأنوارِ بالفجرِ aurora، لقالوا لكَ فوراً: لأنَّها تبدو تماماً مثلَ أنوارِ الفجرِ. ولكنَّ حدوثَها في الليلِ، في "عزِّ الليلِ"، والدنيا ليلٌ ليلٌ، أبعدَ تفكيرَهم عنِ اعتبارِ أنْ يكونَ الفجرُ المألوفُ يتولَّدُ كما تتولَّدُ، ولوْ أنَّهم فطنوا إلى أنَّ اعتبارَها كالفجرِ المألوفِ مظهراً، يستلزمُ أنْ يكونَ هوَ مثلَها ميلاداً – لوْ أنَّهم فطنوا - لانتبهوا إلى أنَّ جُلَّ أضواءِ النهارِ يتولّدُ كما يتولّدُ الفجرُ القطبيُّ، لأنَّ الفجرَ المألوفَ، كفجرِ المدينةِ المنوّرةِ مثلاً، معتبرٌ منْ ضياءِ الشمسِ، أيْ هوَ مقدِّمةُ النهارِ وطليعتُهُ.

وليكنْ في علمِكَ أنَّ منَ الفجرِ القطبيِّ ما هوَ فجرٌ صادقٌ، ومنهُ ما هوَ فجرٌ كاذبٌ false، وهذا تماماً هوَ حالُ الفجرِ المألوفِ: فمنهُ صادقٌ ومنهُ كاذبٌ، وهذا ما يعرفُهُ المؤذّنونَ.

حقّاً، إنَّ الأفجارَ القطبيّةَ تشرحُ لنا كيفَ أنَّ النهارَ يُولَجُ في الليلِ، وكيفَ أنَّ الليلَ يولَجُ في النهارِ، فسبحانَ اللهِ العزيزِ العليمِ.

أيونوسفيرُ النهارِ والأفجارُ القطبيّةُ
إنَّ للأفجارِ القطبيّةِ - الأورورات - عواملَ تكوينٍ، وظروفاً أيونوسفيريّةً مرتبطةً بها، وآثاراً مصاحبةً مرافقةً لتولُّدِها – فهلْ عواملُ تكوينِ الفجـرِ القطبيِّ، وظروفــُهُ الأيونوسفيريّةُ، وآثارُهُ موجودَةٌ فوقَ كلِّ خطوطِ العرضِ في النهار، منْ خطِّ الاستواءِ حتّــَى القطبِ؟.. نعم، فالأمرُ هوَ كذلكَ.

أولاً – عواملُ تكوينِ الفجرِ القطبيِّ.
إنَّ أهمَّ عاملٍ في تكوينِ الفجرِ القطبيِّ هوَ تساقطُ الجسيماتِ المشحونةِ كهربائياً فوقَ الأيونوسفير، وهيَ جسيماتٌ متشكّلةٌ منَ بروتوناتٍ وإلكتروناتٍ وغيرِ ذلكَ منَ الأيوناتِ الموجبة أو السالبةِ. ومنَ المؤكدِ عبرَ الرصدِ أنَّ تساقطَ وهملانَ precipitation الجسيماتِ المشحونةِ فوقَ أيونوسفيرِ كلِّ خطوطِ العرضِ أثناءَ النهارِ، هوَ فعلٌ مستمرٌ دائبٌ، وهوَ أقوى بشكلٍ عظيمٍ منْ تساقطِ وهملانِ الجسيماتِ المرتبطةِ بتوليدِ الأفجارِ القطبيةِ فائقةِ الشدةِ والتي يصاحبُها ظهورُ "نقطة التشـعُّع". ومصدرُ تلكَ الجسيماتِ قبلَ التساقطِ هوَ ماغنيتوسفير الأرضِ وخاصةً أحزمةَ "فان ألن". ونحنُ هنا لا نناقشُ مصدَرَها قبلَ التساقطِ، وما هيَ علاقتُها بالريحِ الشمسيةِ، وما ظّنَهُ البعضُ منَ الصلةِ بما يوصفُ بالأشعةِ الكونيــةِ، ولا بارتباطاتِها معَ ظاهرةِ التفويرِ الأيونيِّ الخارجِ منَ الأرضِ والعارجِ في الماغنيتوسفير، ولا معَ الريحِ القطبيّةِ polar wind، وهيَ عبارةٌ عنْ ريحٍ منْ دخانٍ متأيّنٍ مكهربٍ تخرجُ منَ الأرضِ عندَ القطبيْنِ المغناطيسيّيْنِ أيضاً وتعرجُ في الماغنيتوسفيرِ، ولها تشابهٌ معَ الريحِ الشمسيّةِ. ومنَ العواملِ المرتبطةِ بتوليدِ الأفجارِ القطبيةِ: سريانُ تياراتٍ كهربائيّةٍ في الأيونوسفير، وحدوثُ تفريغاتٍ كهربائيّةٍ. وقدْ تبيَّنَ للراصدينَ أنَّ تلكَ التياراتِ وتلكَ التفريغاتِ هيَ في أيونوسفيرِ النهارِ أقوى بكثيرٍ منها في أيونوسفيرِ المناطقِ القطبيّةِ في وقتِ حدوثِ الأفجارِ القطبيةِ الشديدةِ جداً. ويظهرُ أنَّ تشكيلةَ الماغنيتوسفيرِ – بالفوارقِ بينَ النصفِ المقابلِ لجرمِ الشمسِ وبينَ النصفِ الليليِّ المخالفِ لهُ – مصنوعةٌ في بناءٍ بحيثُ تحافظُ على أنْ يكونَ ويدومَ في النصفِ النهاريِّ تيّاراتٌ كهربائيّةٌ شديدةٌ، وفي النصفِ الليليِّ تيّاراتٌ كهربائيّةٌ ضعيفةٌ، وبسريانِ هذهِ التيّاراتِ يكونُ التأيّنُ في الأيونوسفيرِ قويّاً علــى الدوامِ، وبوجودِ كثافةٍ عاليةٍ في الأيونوسفيرِ النهاريِّ يكونُ تأثيرُ تساقطِ الجسيماتِ أعظمَ وأفعلَ في تنشيطِ الأوروراتِ. والأرضُ دوّارةٌ داخلَ الماغنيتوسفيرِ: ففي النهارِ نقعُ تحتَ نظامِ التيّاراتِ الشديدةِ والكثافةِ العاليةِ منْ أيوناتِ الأيونوسفيرِ، وفي الليلِ يُظِلُّنا نظامُ التيّاراتِ الضعيفةِ وكثافةٌ قليلةٌ منْ أيوناتِ الأيونوسفيرِ. ومعنى ما سبقَ أنَّ النصفَ النهاريَّ منَ الأرضِ يكونُ بطبيعتِهِ تحتَ عواملِ ظروفٍ منشئةٍ لأوروراتٍ ساطعةٍ متصلةٍ. وكلُّ منطقةٍ تستقبلُ الضوءَ المتولِّدَ في سمائها، أيْ ممّا فوقَها منَ الأيونوسفيرِ وبقيّةِ الماغنيتوسفيرِ.


ثانياً- الظروفُ الأيونوسفيريةُ المرتبطةُ بالأفجارِ القطبيّة.

وفيما يتعلّقُ بالظروفِ الأيونوسفيريّةِ المرتبطةِ بظهور الفجرِ القطبيِّ، فلا ريبَ أنَّ أهمَّها هوَ كثافةُ الجزءِ السفليِّ منَ الأيونوسفيرِ - تقريباً مـا دونَ ارتفــاعِ 220 كيلومتر - وخاصّةً كثافةَ المحتوياتِ الغازيّةِ في كلٍّ منَ الطبــــقِ المسمّى: D-layer، والطبـــقِ المسمّى: E-layer. ومنَ الثابتِ في أيونوسفيرِ المناطقِ القطبيّةِ الليليّةِ أنَّهُ كلَّما قويتِ الأفجارُ القطبيّةُ كلَّما ازدادتْ كثافةُ محتوياتِ هذيْن الطبقيْنِ.

وفي معرضِ الحديثِ عنْ كثافةِ الأيونوسفيرِ، لا بدَّ منَ التعرُّضِ إلى إيصاليّةِ الأيونوسفيرِ للكهرباءِ. وهذهِ الإيصاليّةُ للكهرباءِ تُقاسُ بوحدةٍ تُسمّى: "سيمِنز" siemens.

أمَّا إيصاليّةُ أيونوسفيرِ النهارِ فوقَ خطوطِ العرضِ الدنيا والمتوسّطةِ فتحومُ حولَ عشرةِ سيمنزات. وأمَا إيصاليّةُ أيونوسفيرِ المنطقةِ الأوروريّةِ عندَما تجري فيهِ الأوروراتُ فائقةُ التألُّقِ فهيَ تحومُ أيضاً حولَ عشرةِ سيمنزات.

حسناً، ما دامَ يوجدُ في أيونوسفيرِ النهارِ نفسُ درجةِ الإيصاليّةِ لأيونو


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=5105