نحن وموضوع المرأة وعلاقتها بالرجل

أ-د/إبراهيم أبراش               Wednesday 21-02 -2007

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالعولمة وثورة المعلوماتية ننشغل نحن بموضوع المرأة وعلاقتها بالرجل


حتى لا يتحول الحديث عن حقوق المرأة إلى خطاب أيديولوجي وسياسي يصب في مصلحة الرجال ولخدمة حسابات سياسية مرحلية ،وحتى لا يتحول الجدل حول المساواة أو عدم المساواة بين الرجل والمرأة الى كلام حق يراد به باطل، وهل من مصلحة المرأة أن تتساوى مع الرجل ؟ و أية مساواة تريدها المرأة مع الرجل ؟.وهل المساواة ممكنة ؟ وما الفرق بين شرعية وعقلانية مطلب حقوق المرأة وعدم عقلانية مطلب مساواة المرأة بالرجل؟ .
لكل ذلك لا بأس أن ندلي بدلونا في هذا الشأن ،ولماذا لا أدلي بدلوي ما دام هذا الموضوع أصبح حديث الساعة والكل يدلي بدلوه ،المختص وغير المختص المسلم والمتأسلم ،العلماني ومدعي العلمانية ، العالم والجاهل ،الرجل أولا والمرأة أخيرا… ،لمَ لا ما دام الموضوع أصبح يناقش داخل مجالس الشعب والبرلمانات ،ويصبح الشغل الشاغل للصحافة والأعلام ، بل أصبح موضوع إعادة النظر بوضعية المرأة مؤشرا ،في نظر الليبراليين والحداثيين والديمقراطيين، على مدى نضج المجتمعات ورغبتها في الخروج من التخلف ،لان تهميش دور المرأة في المجتمع معناه تهميش نصف المجتمع كما يقول الداعون للمساواة .
عدة أحداث ذات شأن بالموضوع تفجرت متزامنة ،أحداث تعد مؤشرا على ما أصبح للموضوع من أهمية ،مشاركة المرأة في الانتخابات الكويتية والبحرانية والقطرية الأخيرة، وتعديل قانون الأحوال الشخصية في أكثر من بلد عربي إسلامي ،والجدل الذي عرفه المغرب حول (مشروع إدماج المرأة في التنمية ) ، والتظاهر في الأردن ضد ما يسمى (جرائم الشرف)،وإثارة قضية الحجاب سواء في أوروبا أو في بعض الدول العربية
ما لفت انتباهي في الموضوع مسألتان : -
الأولى :هي أن أكثر المشتغلين والمهتمين بالموضوع والدافعين باتجاه إثارته هم من الرجال ،سواء مَن يكتب في الصحافة أو من يتكلم في المحاضرات والندوات أو من يجادل داخل قبة البرلمان ، وسواء منهم من كان يدافع عن إعادة النظر في وضعية المرأة أو من يدافع عن إبقاء دار لقمان على حالها ،بمعنى أن الطرف المعني بالموضوع أساسا ،(صاحب الحق المهضوم ) - المرأة -شبه غائب ،إما لأن المرأة غير مهتمة بالأمر أو عاجزة عن التعبير عن قضيتها والدفاع عنها.الأمر الذي يدفع للتساؤل حول الأهداف الحقيقية وراء إثارة الرجال للموضوع ،وهل حقوق المرأة ومساواتها بالرجل هما الهدف الرئيس والحقيقي للرجال في إثارتهم للموضوع ؟ أم لهم أهداف أخرى وما المرأة إلا أداة لتحقيق هذه الأهداف ؟.وهل يعقل أن يتصدى الجلاد -الرجل في نظر المرأة هو المسؤول عن تردي وضعيتها- لقيادة حملة للدفاع عن ضحيته ؟ وهل عقلية الرجل الشرقي عموما والعربي خصوصا تحولت بالقدر الذي يسمح لها قبول المرأة كند وطرف مساو؟.
والثانية :هو عدم الوضوح والحذر في التعامل مع الموضوع ،وذلك لما للموضوع من علاقة بالشأن الديني .بحيث يحرج المتجادلون -خصوصا دعاة المساواة - من طرق لب القضية وهو موقف الدين الإسلامي من المرأة ،هل تتساوى مع الرجل أم لا ؟ وهل القوانين الوضعية حول مساواة المرأة بالرجل تتفق مع الإسلام أم لا ؟ .
لا بد من الإشارة في البداية أن القياس على وضعية المرأة في الغرب لا يصلح بصورة مطلقة كأساس للتعامل والنظر في الموضوع إلا إذا امتلك دعاة التسوية الجرأة وقالوا بصراحة إن كل ما يتعلق بعلاقة المرأة بالرجل وبمحيطها الاجتماعي هو أمر وضعي تنظمه إرادة الأمة ولا علاقة للدين في الموضوع بشكل مباشر،أو بشكل أوضح إذا حيدوا الدين عن قضايا تنظيم وإدارة المجتمع في السياسة والاجتماع والاقتصاد .وهو الأمر الذي لا يبدو أن المعنيين بالموضوع مستعدون لتحمل تبعاته والسير في الموضوع حتى نهايته كما جرى في الغرب المسيحي ،ونقصد بذلك الأخذ بالعلمانية بوضوح ودون مواربة .
وعليه فأن وضع المرأة في المجتمعات الإسلامية له خصوصية مما يجعل إثارته يتعدى المعالجة العادية لحقوق المواطن ويتعدى المفاهيم الوضعية حول الحرية والمساواة والتي تأخذ بها وتتعامل معها المجتمعات الأخرى ،إن الموضوع مرتبط بقضية أشمل وهي العلاقة ما بين الديني والدنيوي في المجتمعات الإسلامية ،العلاقة ما بين النص المقدس والواقع ،ما بين النص المقدس والتأويل والاجتهاد ، ومن يحق له التأويل والاجتهاد ؟.إن موضوع المرأة كان -وما زال بشكل ما -يعد من المحرمات أو من الأمور المحرجة ،فالمرأة في المجتمعات الشرقية والعربية الإسلامية خصوصا لا تتساوى مع الرجل ،قانونا وممارسة ،تصورا وواقعا ،وبالتالي ليس من المستساغ أن يكون لها من الحقوق ما للرجل . هذا حكم الإسلام أو الفهم السائد عن تصور الإسلام لمكانة المرأة في المجتمع وهذا عُرف وقيمة اجتماعية نلمسه في المجتمعات الشرقية حتى عند غير المسلمين . وأن يأتي من يطالب بمساواة المرأة بالرجل أو بإعادة النظر بمدونة الأحوال الشخصية التي تنظم هذه العلاقة ،فإنما هو في نظر المناوئين يمس مبادئ الدين الإسلامي ويجتهد في أمر ليس من اختصاصه .
ولكن في مقابل ذلك هل أن المعارضين من إسلاميين ومحافظين قابلون على وضعية المرأة المسلمة ؟ وهل دوافعهم دينية خالصة أم هي سياسية توظف الموضوع وما يثيره من حساسية دينية ،كسلاح يشهرونه في وجه خصومهم السياسيين وذلك في إطار الصراع على السلطة وحولها ؟ومن جهة أخرى هل أن الموضوعات التي يثيرها دعاة إعادة النظر في وضعية المرأة ،سواء ما تعلق بمدونة الأحوال الشخصية والطلاق والولاية وسفر المرأة وحق الانتخاب وجرائم الشرف الخ ،هل هي أمور تتعارض مع النص المقدس ؟أم هي تتعلق بإعادة النظر في أحكام اجتهادية وفقهية ؟وفي هذه الحالة يجوز للأمة التي اجتهدت في ظروف زمانية ومكانية مغايرة للحاضر أن تجتهد مرة أخرى بما فيه خدمة الأمة وبما لا يتناقض مع روح الإسلام الذي هو صالح لكل زمان ومكان ؟
ومن هنا فليس غريبا أن كل الأصوات المرتفعة المطالبة بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل تأت من طرف العلمانيين أو دعاة الحداثة أو اليساريين أو دعاة الانفتاح أو الديمقراطيين وكل من يلف لفهم ،وأن المعارضين هم من المحافظين ومن الجماعات الإسلامية وخصوصا الإسلام السياسي .
لن نناقش هنا الجانب الديني من الموضوع ،بل نتساءل حول أمور دنيوية -مع إقرارنا بتداخل الديني بالدنيوي في مجتمعاتنا بشكل قوي وخصوصا في الموضوع محل النقاش - حول أمور عملية وعقلانية ،ونتساءل ماذا تريد المرأة بالضبط ؟هل تريد أن تتساوى مع الرجل ؟وأي مساواة تريدها ؟ وما هي الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها المواطن العربي الذكر والتي تغري المرأة للنضال للمساواة معه ؟ أم تريد حقوقها ،حقوقها الإنسانية وعلى رأسها الكرامة والاحترام ؟. ونعتقد أن ما ينقص المرأة في مجتمعاتنا هو الكرامة والاحترام وليس المساواة بالرجل ،وحصولها على كرامتها واحترامها لا يتأتى بمدونات قانونية ولا بمهرجانات خطابية بل بتغيير العقليات ونمط الثقافة السائدة ونظرة الرجل الى المرأة ونظرة المرأة إلى نفسها .
بالخلق الإلهي وبخلق الطبيعة ،وبواقع عاشته البشرية لمئات آلاف السنين إن لم يكن ملايين السنيين ،لا ولم تتساوى المرأة مع الرجل إلا في بعض المجالات ، وبالعقل والمنطق لا يمكن للمرأة أن تتساوى مع الرجل في كل شئ .لو كانت مساواة المرأة بالرجل أمرا معقولا ومنطقيا لما خلق الله المرأة مختلفة عن الرجل ،حيث منحها الرقة والنعومة ورهافة الشعور ومنح الرجل الخشونة والقوة ،لو كانت المساواة ممكنة ومعقولة لما كانت المرأة تطالب اليوم بحقوقها المهضومة وتطالب بالمساواة بالرجل بعد مئات آلاف السنيين من العلاقة بين الطرفين ، وحتى في الغرب المتقدم عن مجتمعاتنا في رفع شعارات حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل ما زالت المرأة ابعد ما يكون عن المساواة بالرجل واقعيا .نعم هناك مساواة منصوص عليها في القوانين والدساتير ولكن كل راصد لوقع المرأة في المجتمعات الغربية يجد كثيرا من المجالات مغيبة عنها المرأة ،ليس لان هناك من يمنعها منها -القوانين لا تميز بين الرجل والمرأة -بل لان الطبيعة لم تخلقها بالشكل الذي يجعلها قادرة على منافسة الرجل في هذه المجالات .ومن جهة أخرى نعتقد أن انتزاع المرأة لحقوق تتساوى فيها مع الرجل لا يعود إلى إيمان المجتمعات الغربية بمبدأ المساواة بل لان المجتمع وبعد أن وظف كل الرجال وكل الأطفال والعبيد في ثورته الصناعية أحتاج إلى مزيد من اليد العاملة ،فتوجه نحو المرأة ،وحيث انه لا يمكنه أن يُشغل المرأة دون حقوق ،فظهرت حقوق المرأة ،بمعنى أن فرض المرأة لوجودها كعاملة ومنتجة كان سابقا على حصولها على حقوقها القانونية والسياسية .
لقد خلق الله وكرست الطبيعة مبدأ التخصص ،فإذا كانت المرأة غير قادرة على المساواة مع الرجل في بعض المجالات ،فكذا الرجل لا يمكنه أن يتساوى مع المرأة في بعض المجالات ، وعندما يطالب البعض بمساواة المرأة بالرجل ،لماذا لا تتم المطالبة بمساواة الرجل مع المرأة ببعض الأمور الخاصة بالمرأة كالحمل والولادة والرضاعة والأنوثة والأمومة ...أن تطالب المرأة بالمساواة بالرجل معناه أن تفقد أهم سلاح منحتها إياه الطبيعة وهو الأنوثة والأمومة ،ويبدو أن العاقلات من النساء يفضلن عدم المشاركة في هذا المهرجان الرجالي الذي يؤكد من خلاله الرجال أنهم قوامون على النساء ،لأنهم هم الذين يثيرون الموضوع وهم الذين يتجادلون فيه وهم الذين يمنحون حقوقا للمرأة وهم الذين يحددون نوع وحجم هذه الحقوق …،أما المرأة فهي تشارك في الكواليس وغالبية كلامها أقرب الى (كلام النسوان )مما هو الى الفعل المؤثر والضاغط ،إنها تنتظر ما يجود به عليها ولي أمرها من هبات وحقوق تمُارس تحت الوصاية .
ومع ذلك لا نستبعد عنصر حسن النية عند المطالبين بإصلاح وضعية المرأة في مجتمعاتنا ،ذلك أن وضعيتها في بعض الدول أمر مشين يتناقض مع إنسانية الإنسان وكرامته ،ولا يمكن القول إن هذه الوضعية للمرأة تتناسب مع ما يقول به الإسلام أو إنها تتماشى مع الشرع ،بل هي تسئ إلى الإسلام والمسلمين ،ولا نعتقد أن تحسين وضعية المرأة المسلمة ومنحها ما يحفظ لها كرامتها واحترامها وإدماجها بالمجتمع وما يحول دون أن تتحول إلى عبدة عند الرجل أو متاع يفعل به ما يريد ،لا نعتقد أن ذلك مما يتناقض مع الإسلام .إن خطورة الموضوع تكمن في نقطتين ،الأولى : أن يتحول الموضوع إلى ورقة سياسية وصراع بين الرجال ليس بما يخدم المرأة بل بما يصب في النهاية في مصلحة الرجال المتنافسين على السلطة .والثانية : أن يخُتزل الإسلام بالمرأة ،ما تلبس وكيف تتصرف وعلاقتها بالرجل وما يرتبط بالموضوع من زواج وطلاق الخ، الأمر الذي يُقصي قضايا أساسية عن ساحة السجال السياسي والاهتمام الشعبي ، وكأننا أنجزنا حل كل مشاكلنا الاقتصادية والسياسية والعلمية ولم يبق لنا إلا المرأة وقضاياها ،وهو الأمر الذي يعزز القول المغرض لأعداء العرب والمسلمين الذين يزعمون أن المرأة -الأنثى-تعشش في عقل العربي والمسلم .
وأنه من المؤسف أن يثور الجدل حول الموضوع ويسيطر على اهتمامات الجمهور وأولي الأمر في وقت تمر به مجتمعاتنا في أوضاع عصيبة نحن فيها أشد ما نكون إلى التضامن والوحدة ،يثور الموضوع والعدو الصهيوني ما زال يحتل أرضنا ويدنس مقدساتنا في القدس ،يثور الموضوع والمديونية تتفاقم والتبعية تتعاظم ،يثور الموضوع واقتصادياتنا تترنح ومخططاتنا التنموية تتعثر ،يثور الموضوع وتحديات العولمة تطرق بابنا ،ويا للعجب أن يتزامن الحديث في مجتمعاتنا عن العولمة والانترنيت والمعلوماتية مع الحديث عن حقوق المرأة وموقف الدين من المرأة والطلاق والزواج …
ما كان للموضوع أن يأخذ هذه الأبعاد لو تحرر من الأغراض السياسية الآنية من جهة ومن تدخلات الذين ينصبون أنفسهم حماة الدين من جهة أخرى .ورحم الله ابن عقيل الحنبلي الذي ظهر في القرن السادس الهجري -12 ميلادي-ووضع قاعدة حكيمة للعلاقة بين النص المقدس -القرآن والسنة- وتنظيم أمر المجتمع ،قاعدة لو أخذ بها المسلمون ما كانوا إلى اليوم يعيدون التساؤلات التي طرحوها منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام وما كانوا يجادلون إلى اليوم حول علاقة الديني بالدنيوي ،حيث قال (السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس اقرب الى الصلاح وابعد عن الفساد،وان لم يضعه رسول ولا نزل به وحي (… وذلك ( أن الله أرسل وانزل كتبه ليقوم الناس بالقسط -العدل -الذي قامت به الأرض والسماوات فإذا ظهرت إمارة العدل وأسفر وجهه بأي طريق فتم شرع الله ودينه ).

[email protected]
أستاذ العلوم السياسية وعميد كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة
Dr. Ibrahem Ibrash
Al-Azhar University-Gaza
P.O.Box 1277
Gaza-Palestinian Authority
Telfax: 972-8-2863107
Mobile: 972-0599603786



تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=5453