البحر المسجور هو البحر الميت

عطية زاهدة               Friday 02-03 -2007

يقولُ علّامٌ الغيوبِ سبحانَهُ وتعالى: " والطورِ (1) وكتابٍ مسطورٍ(2) في رَقٍّ منشورٍ (3) والسَّقفِ المرفوعِ (4) والبيتِ المعمورِ (5) والبحرِ المسجورِ (6)…..".
حسناً، قبلَ التوسعِ في معاني المسجورِ، والذهاب إلى مقارنتِها بواقع البحر الميت من أجل الوصول إلى المطابقة، يجبُ ملاحظةُ الآتيةِ:
أولاً – إنَّ البحرَ الميَّتَ هوَ أوْلى الاحتمالاتِ القويّةِ المرشحةِ ليكونَ هوَ المقصودَ بالبحرِ المسجورِ.
ثانياً – البحرُ الميتُ مرتبطٌ بأرضِ فلسطينَ. وفلسطينُ هيَ أرضُ الصراعاتِ الدينيّةِ والمقدَّساتِ.
ثالثاً – البحرُ الميتُ معروفٌ، ومعهودٌ للعربِ منْ قديمِ العهودِ؛ فهوَ على طريقِ الرحلةِ الصيفيّةِ.
رابعاً – القَسَمُ بالبحرِ المسجورِ، يدلُّ على أنَّهُ بحرٌ متميِّزٌ متفرِّدٌ بصفاتٍ خاصةٍ وفارقةٍ. فما هيَ المعاني الممكنةِ لهذا الوصفِ؟..
"المسجورُ" في معانيها العربيّةِ
لا رَيْبَ أنَّ القرائنَ تؤكدُ أنَّ البحر المسجورَ، هوَ بحرٌ واحدٌ بحدِّ ذاتِهِ، فالطورُ المقسمُ بهِ، هوَ طورٌ معيّنٌ، وليسَ كلَّ ما يقالُ لهُ: "طور"، والبيتِ المعمورِ، هوَ بيتٌ معيَّنٌ مسمّىً، وليسَ كلَّ بيتٍ معمورٍ.. وهكذا هو حقُّ البحر المسجور.
اسمُ الجنسُ إذا ذكرَ مطلقاً فقد يكون شاملاً لكلِّ الأفرادِ، وأمِّا إذا وُصفَ فالغالبُ أنَّهُ قد خُصِّصَ؛ فالوصفُ للبحرِ بالمسجورِ هوَ في الغالبِ تخصيصٌ، وبالتخصيصِ صرفٌ عنِ الإطلاقِ.

ونتوسَّعُ في معاني المسجورِ وفقَ استعمالِ العرب، ونقارنُ بينَها وبينَ واقعِ البحرِ الميِّتِ؛ أملاً في الوصولِ إلى التطابُقِ.
[1] المسجورُ هوَ: المفجورُ.
ومنَ الناحيةِ الجيولوجيّةِ، يُعتبرُ البحرُ الميِّتُ حوضاً منَ الحفرةِ الانهداميّةِ الصدعيّةِ الكبيرةِ:
GREAT RIFT VALLEY، والممتدةِ إلى الوادي الكبيرِ في أفريقيا. وهذا الصدعُ يدُلُّ على حدوثِ انفجارٍ عظيمٍ.
[2] المسجورُ: الممتلئُ منْ مياهِ الأمطارِ والسيولِ والينابيعِ، وما إلى ذلكَ.
ونظراً لعدمِ اتصالِ البحرِ الميِّتِ ببقيّةِ البحارِ، فإنَّ امتلاءَهُ بالمياهِ يتمُّ على حسابِ انصبابِ مياهِ نهرِ الأردنِّ فيهِ؛ فهوَ مجمعُهُ ومصبُّهُ، وعلى حسابِ مياهِ عددٍ منَ الينابيعِ والوديانِ، وسيولِ الشتاءِ.
[3] المسجورُ: المرتفعُ في درجةِ الحرارةِ؛ ذو المياهِ الحارةِ الساخنةِ.
وبالنسبةِ للبحرِ الميِّتِ فإنَّهُ يعتبرُ ذا مياهٍ ساخنةٍ، فدرجةُ حرارةِ الجوِّ في موضعهِ في الصيفِ تبلغُ في المعدّلِ: 40 درجةً مئويّةً؛ وفي الشتاءِ: 15 درجةً مئويّةً. وبسببِ ارتفاعِ الضغطِ الجويِّ فوقَهُ، وبسببِ ملوحتِهِ العاليةِ، فإنَّ هذا ممّا يزيدُ في سخونةِ مياهِهِ، ويحافظُ على ارتفاعِ درجةِ حرارتِهِ طويلاً بعدَ الغروبِ. وبسببِ ملوحتِهِ الكبيرةِ، هيهاتَ هيهاتَ أنْ تتجمّدَ مياهُهُ.
وكذلكَ فإنَّ الينابيعَ المعدنيّةَ الحارةَ، وهيَ: "الحِمَّاتُ"، تكثرُ في محيطِ شواطئِهِ، وفي قاعِهِ كثيرٌ منها.
[4] المسجورُ: هوَ الساكنُ الهادئُ.
وبالنسبةِ للبحرِ الميِّتِ، فإنَّ مياهَهُ ساكنةٌ في معظمِ أيَّامِ السنةِ، ولا تهيجُ فيهِ الأمواجُ بعلُوِّ ما في البحارِ المفتوحةِ.
[5] المسجورُ: غير المنفتحِ على غيرِهِ منَ البحارِ الأخرى.
وهكذا هوَ حالُ البحرِ الميِّتِ، فهوَ بحرٌ مغلقٌ.
[6] المسجورُ: ذو الماءِ الغائضِ الغائرِ.
والبحرُ الميِّتُ، بالنسبةِ لمستوى مياهِ البحارِ المتصلةِ، يقعُ في غورٍ، تحتَ مستوى سطحِ مائِها بما يقاربُ: 400 متراً.
[7] المسجورُ: هوَ وصفٌ لِما هوَ منظومٌ. والمقصودُ بالمنظومِ هوَ ما نقولُ عنهُ: المتبلورُ crystalized. والجسمُ المتبلورُ ذو وجوهٍ وسطوحٍ هندسيّةٍ منتظمةٍ؛ ومثالُ ذلكَ اللؤلؤُ، وحبّاتُ الملحِ، وحبّاتُ السكرِ.
وبالنسبةِ للبحرِ الميِّتِ، فإنَّ الترسباتِ المتبلورةَ تمتدُّ في شواطئِهِ، وتُضفي عليها - منْ خلالِ انكساراتِ، وانعكاساتِ ضوءِ الشمسِ - منظراً جميلاً، يغلُبُ عليهِ اللونُ الأبيضُ.
[8] المسجورُ: الظاهرُ بزرقةٍ تخالِطُها حمرةٌ؛ أوِ الظاهرُ بسوادٍ فيهِ حمرةٌ.
وبالنسبةِ للبحرِ الميِّتِ، فإنَّ ماءهُ عندَ الغروبِ، يبدو بزرقةٍ تخالطُها حمرةٌ شديدةٌ قانيةٌ، كأشرطةٍ منَ اللهبِ. ويبدو بعدَ الغروبِ – في ضوءِ الشفقِ - أسودَ مشوباً بحمرةٍ بيِّنةٍ.
[9] المسجورُ: إشارةٌ إلى أنَّ طينَهُ حرٌّ خالصٌ.
وبالنسبةِ لطينِ البحرِ الميَّتِ، فإنَّهُ في الوضعِ الطبيعيِّ ذو طينٍ حرٍّ خالصٍ؛ لأنَّهُ يخلو منْ الموادِ العضويّةِ، وإخراجاتِ وبقايا الكائناتِ الحيّةِ.
[10] المسجورُ المملوءُ وقوداً. ومنَ المعروفِ أنَّ منطقةَ البحرِ الميّت غنيّةٌ بموادَّ بتروليّةٍ، ومنْ أسمائهِ: بحرُ الأسفلت، أو بحر الزفت. والأسفلتُ asphalt هوَ منَ موادِّ الوقودِ والنار. وقِطَعُ الأسفلتِ كانتْ، ولا زالتْ، تظهرُ طافيةً على وجهِهِ.
[11] وأهمُّ معنىً للمسجورِ، هوَ الخلُوُّ منَ الحياةِ، هوَ انعدامُ السمكِ فيهِ. هوَ عدمُ امتلائِهِ بالسمكِ، وغيرهِ منَ الكائناتِ الحيَّةِ.
وبالنسبةِ للبحرِ الميِّتِ فما سمَّوْهُ هكذا إلَّا لانعدامِ الحياةِ فيهِ. ويقوِّي هذا المعنى قولُ اللهِ تعالى في وصفِ حالِ البحارِ حينما تقتربُ الساعةُ: "وإذا البحارُ سُجِرَتْ"، أيْ توقفتْ فيها الحياةُ، وانعدمتِ الأسماكُ، والكائناتُ الحيَّةُ. والقرينةُ المؤيدةُ لهذا المعنى، هيَ:"وإذا العِشارُ عُطِّلَتْ". وتعطيلُ العِشارِ هوَ موتُها، أوْ توقفُّها عنِ التوالدِ. فيكونُ سجرُ البحارِ هوَ: موتَ كائناتِها الحيّةِ. فالبحرُ المسجورُ، هوَ الفارغُ منَ الكائناتِ الحيّةِ.
وهنا أضيفُ أقوالاً لبعضِ المفسرينَ، تقوِّي أنَّ البحرَ المسجورَ، هوَ البحرُ الميّتُ.
قال العلاء بن بدر‏:‏ إنما سمي البحرَ المسجورَ لأنه لا يُشرب منه ماءٌ‏،‏ ولا يُسقى به زرع‏، وكذلك البحارُ يومَ القيامة‏.
فالعلاءُ مدركٌ أنَهُ بحرٌ معيّنٌ، وأنَّ السجرَ المقصودَ فيهِ ليسَ منْ سجرِ يومِ القيامةِ. ولا ريْبَ أنَّ البحرَ الميتَ لا يُستقى منهُ، ولا يُروى بمائِهِ.
وعنِ ابنِ عباسٍ والسدّيِّ وغيرِهما: المراد بالمسجورِ هو: الممنوعُ المكفوفُ.
وغيرُ خافٍ أنَّ البحرَ الميّتَ مكفوفٌ عنِ الحياةِ بملوحتِهِ العاليةِ جداً ، ومكفوفٌ عنِ الاتصالِ ببقيّةِ البحارِ المفتوحةِ، فهوَ بحرٌ مغلقٌ عنِ الاتصالِ بغيرِهِ، ومغلقٌ أمامَ معيشةِ الكائناتِ الحيّةِ فيهِ، ومكفوفٌ، مقارنةً بسائر البحار المفتوحة، عن جريان كثيرٍ من الرياح بسبب انخفاضِهِ. وهوَ لا ريْبَ بحرٌ مكفوءٌ معَ المؤتفكاتِ، وهي قرى قومِ لوطٍ، عليه السلام.


[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=5592