كائن

سعيد الشيخ               Tuesday 20-03 -2007

"يا زمان الفساد، أيها الملعون، يا قاتل أحبتنا"
سعيد الشيخ

بمقدوره ان يبدو كائنا محترما ووقورا، يقوم بالواجب على أحسن وجه بالبدلة السوداء ومسحة الحزن مع الجهامة التي يتصنعها على وجهه. أما العينان فقد خبأهما تحت نظارة سوداء، ليبدو كل شيً في تناسق تام يتناسب ومشهد الجنازة. وهو يستطيع ان يميّز نفسه عن بقية الجمع كي يبدو انه صاحب المصاب الاليم وهو يتقدم المشيّعين في جنازة امه.

انه حسن، طراز آدمي من الصعوبة بمكان أن يظهر خللا في آدميته. او يبعث شكا في سلوك مشين قد يفقده الاحترام ويؤدي به الى قلة القيمة..ها هو بعد الدفن يقف عند باب المقبرة والى جانبه يقف بعض الاقرباء البعيدين يتلقون التعازي كما هي العادة بهذه المناسبات غير السارة. سيستطيع المعزون ان يميّزوا مدى النفاق الذي يبدر من الاقرباء بينما هو سيبقى عاليا عن الشبهة لأنه من لدن من ووريت التراب، ولا يحنّ على العود الا قشره. أعانه الله ومنحه الصبر والسلوان.

ولكن.. كان يمكن لأم حسن ان تعيش!

صحيح أن للموت أوانا من القدر لا يمكن لأي ارادة أو قوة على الارض ان توقفه. الا أنه كان يمكن للمرحومة ان تعيش أطول من ساعة الموت التي أزفّت عند أصيل البارحة. كان يمكن لحسن أن يؤجل ساعة الموت لو انه تصرف كما يتصرف هؤلاء الابناء الذين يبقون أوفياء لحليب امهاتهم.

*****
هو سمع الصوت، وسمع صوت انكسار الزجاج على الارض. سمع ولم يسمع.

كيف سيسمع الصوت من الغرفة المجاورة؟ وفي أعماق جسده تستيقظ كائنات غريبة، ليست غريبة تماما ، فهي موجودة في جسد كل انسان . لكن لبعض الاجساد رخاوة تجعل لهذه الكائنات قوة فتاكة تستطيع قتل بقية الحواس، وتؤثر في اضعاف الوظائف الآدمية. انها كائنات من عناصر ناعمة لكنها غامضة وبهيمية تحفر في الجسد تلاوينها حتى تستبيحه تحت طغيان لذيذ وآسر... يصبح الجسد برية. فلوات شاسعة لنشاط هذه الكائنات التي لا تهتف الا بالشبق والشهوة.

كان حسن في ذلك التناقض الغريب الذي يفصله بين ان يكون انسانا لديه الصفات الآدمية أو حيوانا تحركه الرغبات الغريزية. حينما كانت والدته العجوز تناديه من الغرفة الاخرى، او تنادي أي أحد آخر يمكن ان يساعدها في تناول الدواء الذي تعيش عليه منذ سنوات عدة كانت خلالها بمقدورها ان تعتني بنفسها وان تتناول الدواء بمفردها بتثاقل وهمة واهنة. لكن اليوم لا تسعفها قواها ، يداها ترتجفان وهي تحاول تناول الدواء وكوب الماء عن الطاولة بجانب السرير.

حسن كان بقربها، لا يبعد عنها سوى خطوات قليلة في غرفة أخرى مسكونة بفحيح الشهوة. بحيث ان الكون كله يختصر نفسه متمطيا على سرير...وبين سريروسرير أزمان ضوئية تحكي حكايا الانبعاث والعدم.

*****
عند الظهيرة كان في غاية الآدمية وهو يستأذن رئيسه في العمل لأن يمنحه اجازة بقية النهار، لأن من غير اللائق ان يكون بعيدا عن البيت ووالدته وحيدة طريحة الفراش.وهو حين يقول هذا تتملك رئيسه مشاعر المساواة كيفما يكون أي انسان وهب مقدرة التعاطف مع الآخرين.

عند مفترق من شارع معلوم يلتقطها، امرأة تجيئه مرتين أو ثلاثا كل شهر بالرائحة ذاتها التي تهيّج كائناته وتحك معدنه. واذ يصل بها البيت تكون كائناته ناضجة لأن تطلق هتافها الوحشي في براري جسده.

أنه حسن مع امرأتين تحت سقف واحد. امرأة غريبة يفرّغ فيها خزائن رجولته. وامرأة أنجبته وأرضعته حتى صارت لديه هذه الخزائن.. تنادي عليه الآن ليمنحها الحياة، وحياتها لا تكلفه أكثر من عدة خطوات. تنادي حسن ليساعدها في تناول الدواء الذي تأخذه بمواعيد. اذا فاتت تفوت الروح في غيبوبتها الأبدية.
الآن موعد الدواء. وهي تنادي بتضرع.
حسن يسمع الصوت ولا يسمع.
مضى وقت وهي تنادي.
حتى تيبّس لسانها على اسم حسن.

[email protected]
كاتب وشاعر فلسطيني


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=5925