الإقطاعيون الجدد

أحمد حسنين الحسنية               Tuesday 03-04 -2007

منذ فترة ليست بالطويلة، يمكن أن نعدها بالأشهر، طلع علينا وزير الأشغال العامة و الموارد المائية، بقرارات نشرتها جريدة الأهرام لسان حال طغمة الفساد الحاكمة، مفادها بأن الحد الأقصى للمستثمر هو عشرة آلاف فدان في أحد مراحل مشروع إستصلاح الأراضي في جنوب الوادي، المعروف إجمالا بمشروع توشكى.

نعم عشرة الاف فدان للمستثمر الواحد، أي الإقطاعي بلغة العصر، و في أحد مراحل المشروع، و من المعلوم من هم أولئك المستثمرين، إنهم نفس الأسماء التي نجدها في مجلس الشعب، و في الصناعات التجميعية، و الإستثمارات في مجال الإتصالات و الحديد و الصلب، و غيرها، من الذين كونوا إقطاعياتهم بالإختباء في كنف أسرة الفساد الحاكم، و حصلوا على كل الأموال اللازمة لمشاريعهم بنهب بنوك القطاع العام، والتي لم يسددوا منها قرشا واحدا، و أصبحت ديونهم ديونا معدومة، إنهم أعمدة الإقطاع الجديد.

و إستمرارا لمسلسل الفساد و الإقطاع، زار مبارك الأب سيناء، هذا الشهر، مارس 2007، ربما ليثبت لنا أنه لم ينس سيناء، و أنه لم يتركها فارغة نهبا للأطماع الأجنبية، خاصة بعد أن عادت للأضواء بفضيحة الأسرى المصريين المغدور بهم و الذين باع دمهم، من وراء الشعب.

هذه الزيارة، و بناء على ما ذكرت جريدة الأهرام الرسمية، و حتى لا نتهم بالتهويل أو لي الحقائق، كانت إعلانا عن عملية البدء في إستصلاح ستة آلاف و خمسمائة فدان، فقط لاغير، نعم الرئيس و معه إعلامه يهللون فقط لستة آلاف و خمسمائة فدان، فقط لا غير، أي أقل مما هو مسموح بتخصيصه لأحد رجال الأقطاع الجدد في مشروع توشكى، أما الفاجعة الأكبر، فهي حصص التوزيع التي ستكون كالتالي:

الشريحة الأولى: خمسون بالمائة من أراضي المشروع الإجمالية ستخصص لكبار الإقطاعيين، أو المستثمرين بلغة العصر، و تكون الملكية في حدود خمسمائة فدان للإقطاعي، أي أن نصف المشروع سيأول في ملكيته إلى ست أو سبع أشخاص فقط.

الشريحة الثانية: و نسبتها عشرين بالمائة من أراضي المشروع، و تخصص للمستثمرين المتوسطين.

الشريحة الثالثة: و تمثل ثلاثين بالمائة من أراضي المشروع، و هي لصغار المزارعين.

التوزيع السابق يكشف خلل كبير في فهم الطغمة الحاكمة، كما يكشف طبيعتها، فإستئثار ست إلى سبع أفراد من كبار الإقطاعيين بنصيب الأسد في المشروع، يدل على إنعدام للرؤيا، و إفتقاد للوعي الوطني، عند الأسرة الحاكمة، فسيناء ليست كأي جزء من مصر، و الأطماع فيها لا تخفى على لبيب، و بدلا من أن يتم توطين أكبر عدد ممكن من الشعب المصري بها، نرى أن الشريحة المخصصة لصغار المزارعين هي ثلاثين بالمائة فقط، بينما المنطق يقول لنا، أن الواجب أن يخصص المشروع بأكمله لصغار المزارعين، و تقسيم الأراضي على أكبر عدد يمكن أن تستوعبه تلك الستة آلاف و خمسمائة فدان، فلو أمكن أن نوطن في كل شبر في سيناء أسرة مصرية، لكان التواني عن ذلك خيانة.

توزيع الأراضي على كبار الملاك، لا يعني الإستقرار، لأن العامل الزراعي غير المالك الزراعي مهما صغرت مساحة أرض المالك، فالأجير غير المالك، الأجير غير مستقر، و سيناء تحتاج المستقرين الذين ينظرون لها على إنهم منها، و إنهم بها باقين مهما حدث.

يكفي ما أتخم به الإقطاعيين خلال الربع قرن الماضي، في النوبارية، و الصالحية، و مريوط، و توشكى، و العوينات، و سهل الطينة، و الساحل الشمالي، و محافظة البحر الأحمر، و أراضي طريق القاهرة الأسكندرية، و طريق القاهرة الإسماعيلية، و في وادي النطرون، و محافظات القناة، و واحة سيوة، و محافظة الوادي الجديد، و ليتحلى النظام الحاكم بالشعور الوطني، في الفترة المتبقية من حكمه، عندما يتعامل مع سيناء، نريد أن نرى خمسة ملايين أسرة مصرية مستقرة هناك، تعمل في أراضيها، لا كأجرية في أراضي الإقطاعيين الجدد.

عندما نقول ان الإقطاع قد عاد، بدلا من الإنذار إنه سيعود أو بدأ في العودة، و أن ما قام به عبد الناصر من تصحيح للأوضاع المختلة في ميدان العمل الزراعي قد إنهار، فإننا لا نجافي الحقيقة.

إصلاح الأمور من بعد مبارك الأب، و ربما الإبن أيضا، لو تم التوريث، يعني إننا سنحتاج لعملية تنظيف ضخمة لكل القاذورات التي خلفها ورائه النظام المباركي الفاسد، و ثورة إجتماعية كبيرة أخرى، لإعادة ميزان العدالة إلى نصابه الصحيح، في كل ميدان تركت عليه أسرة مبارك بصماتها النجسة.

[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=6130