المفكر المسلم مالك بن نبي/4

د. نورة خالد السعد               Monday 09-01 -2006

مالك بن نبي المفكر الجزائري المسلم الذي توفي في يوم الاربعاء 4 شوال 1393ه الموافق 31 اكتوبر 1973م أجد من حقه عليّ بصفتي تلميذة لفكره وبحثت في آرائه وكرست جهدي للحصول على شهادة الدكتوراه في استخلاص (نظريته في التغيير الاجتماعي) والتي يفترض أن يهتم بها أساتذة علم الاجتماع كما يهتمون بنظريات علم الاجتماع في التغيير في التراث الاكاديمي الغربي والروسي..
من حقه عليّ أن أستعرض نبذة عنه في تاريخ ذكرى وفاته الثالثة والثلاثين..
لقد ولد مالك بن نبي في عام 1323ه الموافق 1905م في تلك الفترة التي شهدت أحداثاً كبيرة في تاريخ الجزائر وتاريخ الدول العربية، فقد سقطت الخلافة العثمانية واحتلت فرنسا الجزائر وبسطت هيمنتها على تونس والمغرب وكانت معظم الدول العربية تحت الاستعمار وما ترتب على ذلك من ردود الأفعال سواء في شكل حركات جهادية للتحرر أو دعوات إصلاحية..
حفظ القرآن في الكتّاب في المرحلة الابتدائية وواصل تعليمه إلى المرحلة الثانوية حيث اشتد شغفه بالاطلاع والثقافة .. وإلى جانب تعلمه في المرحلة الثانوية كان يتلقى دروساً في اللغة العربية على يد الشيخ عبدالمجيد الذي أثر في تكوينه الفكري وغرس فيه حاسة النقد الاجتماعي كما تأثر أيضاً - كما يذكر في مؤلفاته - في المدرسة الثانوية بالسيد مارتن الذي أسهم في إثراء حصيلة تلامذته ومنهم مالك بالمفردات اللغوية وغرس فيهم ملكة التعبير وتذوقه وحبب إليهم المطالعة، وفي هذه المرحلة أيضاً بدأت تتبلور أفكاره وتتحدد رؤيته السياسية والاجتماعية فقد تأثر بالمناخ الثقافي الذي كان يسود منطقة الشرق الجزائري في القسنطينة حيث شاعت فيها روح الإصلاح والثقافة العربية والاتصال بالمشرق العربي، وحيث كان الشيخ عبدالحميد بن باديس يقوم بمهمته الإصلاحية بالاضافة إلى ما اكتسبه من قراءته للصحف بمختلف اتجاهاتها كالشهاب والإقدام والإنسانية.
وفي عام 1350ه - 1930م وكانت فرنسا تحتفل بعيدها المئوي لاحتلال الجزائر اضطر مالك بن نبي للسفر إلى فرنسا وحاول الالتحاق (بمعهد الدراسات الشرقية) ولم يوفق بسبب الموقف السائد في المعهد الذي لا يخضع لمقياس علمي ولكن لمقياس سياسي - كما يقول مالك - وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه نتيجة امتحان الدخول لهذا المعهد، زار متحفاً للفنون والصناعات كان سبباً في تفكيره لأول مرة في مشكلة الحضارة عندما شاهد عينات التقنية من القاطرة البخارية الأولى والطائرة، وكما كان للوقائع المفاجئة أثرها في تأكيد مسار مالك الفكري، فإنها أيضاً قادته وهو طالب يتلقى مساعدة مالية من والده تعينه على الدراسة في باريس إلى أن يبحث عن مطعم يقدم وجبات غذائية بسعر مناسب يتفق ومقدرته المالية، وكان ذلك سبباً في انتسابه (للوحدة المسيحية للشباب الباريسيين) الذي أتاح له التعرف من قرب على الجانب الروحي للحضارة الغربية، كما أسهمت هذه الوحدة في تعرف مالك على الحياة الأوروبية بشكل تفصيلي عن طريق صديقه الأوروبي الذي كان يأخذه معه إلى منزله ويكتشف مالك من خلال تلك الزيارات واقع الحياة الأسرية العائلية الأوروبية.
وبما أنه لم يتمكن من الالتحاق بمعهد الدراسات الشرقية فقد تحول للدراسة في (مدرسة اللاسلكي) وهناك كان مطلوباً منه أن يكون مُلماً بالرياضيات ليتمكن من الالتحاق بهذه المدرسة ودخل مالك عالم الرياضيات الذي أحدث له تغييراً عميقاً في النظر وفي التفكير لديه فكانت فترة دراسته للرياضيات نقطة تغيير جذري في اتجاهه الفكري - كما يقول ذلك في مذكراته - ودخل من خلالها إلى مناخ الكم والكيف حيث يخضع كل شيء إلى المقياس الدقيق ويتسم فيه الفرد أول ما يتسم بميزات الضبط والملاحظة..
ورغم جده واجتهاده إلا أنه لم يتمكن من اجراء الامتحان التطبيقي الضروري لتخرجه مهندساً بعد أن أنهى دراسته في الكهرباء والميكانيك بسبب اعتذار المؤسسات والمصانع التي يمكن التطبيق فيها لنشاطه في مقاومة الاستعمار.
وفي عام 1351ه - 1931م تزوج مالك اثناء دراسته في فرنسا من شابة فرنسية أسلمت وسمت نفسها (خديجة) حيث هيأت له أسباب الراحة وساعدته على مواصلة دراسته ومواصلة تكوينه الفكري وقد أفرد لها صفحات مهمة في مذكراته لدورها القوي في حياته وكيف كانت جانباً مضيئاً له في غربته في فرنسا.. كما انه في تلك الفترة التقى بصديقه (حمودة بن الساعي) الذي كان للقائه به تأثير كبير عليه..
حاول مالك في الفترة التي تلت عام 1355ه - 1935م السفر إلى عدد من الدول بحثاً عن عمل ومنها المملكة العربية السعودية ومصر وأفغانستان وإيطاليا ولكن لم يوفق في أي منها..
حاول ايضاً مزاولة بعض الأعمال في فرنسا خلال إقامته فيها ولم يوفق لمحاربة الاستعمار في تلك الفترة ابناء المستعمرات بشكل عام ومالك بشكل خاص..
٭٭ بعد الحرب العالمية الثانية هاجر مرة أخرى إلى فرنسا وبقي فيها إلى عام 1376ه - 1956م حيث سافر منها إلى مصر..
٭٭ ومن مصر كانت مرحلة أخرى له مع التأليف وإتقان اللغة العربية وعقد الحلقات العلمية المفتوحة لجميع الطلبة في منزله بالقاهرة، حيث تتم مناقشة مؤلفاته وشرح أفكاره حيث تأثر بها عدد كبير من الطلبة العرب والمسلمين الذين كانوا يتلقون تعليمهم في القاهرة، إذ ان المناقشات والتحليلات الدقيقة لمشكلات العالم الإسلامي كانت توقظ أذهان العديد من الطلبة وتوضح لهم الحقائق وكانت معظم الموضوعات التي تناقش حول مشكلات الحضارة.
وتعتبر فترة وجود مالك بن نبي في مصر من أغنى مراحل عطائه الفكري الذي ألف فيها العديد من الكتب بالاضافة إلى ترجمة البعض الآخر من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية..
كما أن محاضراته ومناقشاته مع العديد من المفكرين والمثقفين المصريين والعرب ساعدت على ظهوره في الحياة الفكرية ليس فقط في مصر بل في العالم العربي واثناء اقامته في مصر قام بزيارة سوريا ولبنان وألقى فيهما عدداً من المحاضرات وفي جولة أخرى زار المملكة العربية السعودية والكويت وليبيا.. وبقي في مصر يحاضر ويناقش ويؤلف إلى عام 1383ه - 1963م حيث عاد إلى الجزائر وقد تم تعيينه مديراً عاماً للتعليم العالي..
وكان مالك قد تزوج اثناء إقامته في القاهرة بسيدة جزائرية.. أنجبت له ثلاث بنات هن: نعمة وإيمان ورحمة..


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=617