فتحُ فاتحة "كهيعص" من سورة مريم.....

عطية زاهدة               Monday 09-04 -2007

فتحُ فاتحة "كهيعص" من سورة مريم.....
اختلف المفسرون كثيراً وطويلاً في الحروف المقطّعةِ التي جاءت في فواتح تسعٍ وعشرينَ سورةً من سُورِ القرآنِ الكريمِ . وهذه الاختلافاتُ مبسوطةٌ في كتب التفسير وعلوم القرآنِ، فمنْ أرادَ للمسألةِ تأصيلاً وتأسيساً فلْيَستَعِنْ بالبرهانِ في علومِ القرآنِ للزركشيِّ، وبالإتقان في علوم القرآنِ للسيوطيِّ، وبتفسيرِ الطبريِّ ، وتفسير القرطبيِّ. وبالنسبةِ لي، فقد ذهبتُ إلى حلِّها باعتبارِ أنَّ كلَّ حرفٍ منها هوَ الحرفُ الأولُ من كلمةٍ قرآنيّةٍ يمكنُ أن نقدّرَها من الآيةِ أوِ الآياتِ التاليةِ للفاتحةِ المشتملةِ على ذلك الحرفِ ، أوْ من السورةِ نفسِها، أو حتى من سورةٍ أخرى ، تقديراً يجعلُ لأحرُفِ الفاتحةِ معنىً معقولاً منسجماً معَ السياقِ والقرائنِ خاصّةً ، ومعَ القرآنِ عامّةً.
وتفصيلُ طريقتي في حلِّ الفواتحِ هوَ في هذه الخطواتِ:

1- لا بدَّ أنْ نحوِّلَ الحروفَ إلى نصٍّ من كلماتٍ.
2- وأنْ نسيرَ على قاعدة ثابتة وهيَ اعتبارُ أنَّ كلَّ حرفٍ منها هوَ الحرفُ الأولُ من الكلمة المُختصرة.
3- وأنْ تكونَ الكلمةُ المختصرةُ من القرآن نفسِهِ.
4- والأولويّةُ في التقدير هيَ أن نقدّرَ الكلمةَ من الآيةِ أوِ الآياتِ التاليةِ للفاتحةِ المشتملةِ على ذلك الحرفِ ، أوْ من السورةِ نفسِها. وإنْ لمْ يتيسّرِ التقديرُ من نفسِ السورةِ فيكونُ من أيِّ آياتٍ في السورِ الأخرى.
5- وأن يكونَ النصُّ المختارُ عندَ ربطهِ معَ الآية التالية للفاتحة موضوعِ التقديرِ متوافقاً معَ اللسانِ العربيِّ.
6- وأنْ ينسجمَ النصُّ المختارُ في معناهُ معَ سياقِ الآيةِ أوِ الآياتِ التي تتلو الفاتحةَ موضوعَ التقدير، أوْ يندمجُ فيهِ.

الفاتحة "كهيعص" في سورة مريم
يقول ربُّ العالمينَ : "كهيعص(1). ذِكْرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريّا (2)" .. ولمّا كانَ الإنسانُ عجولاً فإنّني أُظهرُ حلَّها قبلَ كيفيّةِ الوصولِ إليْهِ ، وإقامةِ الدليلِ عليْهِ .
حلُّ "كهيعص" هوَ : (كبيراً هديْناهُ يحيى عليماً صبيّاً) . فكيفَ نصلُ لهذا الحلِّ ؟
1- اقرأْ معي : "كهيعص . ذِكْرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريّا" .. ثمّ اسألْ نفسَكَ هذا السؤالَ : ما هيَ "كهيعص" ؟
الجوابُ : إنَّ "كهيعص" هيَ : "ذِكْرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريّا" ؛ فالآيةُ الثانيةُ شرحٌ وتفصيلٌ للآيةِ الأولى. "كهيعص" هيَ تعريفٌ بقصةِ زكريّا ، هيَ حديثٌ عمّا ذكرَهُ اللهُ تعالى منْ أمرِ رحمتِهِ لعبدِهِ زكريّا . هيَ ذكرٌ لِوجوهِ الرحمةِ التي رحمَها اللهُ تعالى لعبدِهِ زكريّا .
أجلْ ، "كهيعص" هيَ اختزالٌ لمختصرِ قصةِ زكريّا ، هيَ "زبدةُ" ما قصّتْهُ السورةُ عنْ زكريّا ، هيَ مقدَّمةٌ اختزاليّةٌ تعرِّفُ بموجزِ القصّةِ.
حسناً ، اعتبرْ أنَّ كلمةَ "هيَ" مقدرةٌ بينَ الآيتيْنِ واقرأْهما هكذا : "كهيعص" - هيَ - "ذِكْرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريّا" . والآنَ يمكنُكَ أنْ تسألَ هذا السؤالَ : ماذا حدَّثتنا السورةُ وبقيّةُ القرآنِ الكريمِ وخاصّةً في سورةِ آلِ عمرانَ عنْ قصّةِ زكريّا ؟ أو بعبارةٍ أخرى : ما هي قصة زكريا في خمسِ كلماتٍ؟
1- حدّثنا القرآنُ الكريمُ أنَّ زكريّا قد صارَ كبيراً دونَ أنْ تأتيَهُ ذريّةٌ .
2- وأنَّ اللهَ تعالى وهبَهُ على حالِِ الكِبَرِ غلاماً اسمُهُ "يحيى" .ِ فيحيى هَدْيٌ أوْ هديّةٌ ، هبةٌ منَ اللهِ سبحانهُ لعبدِهِ زكريّا ، أيْ إنَّ اللهَ تعالى هدى لزكريا هَدْياً تمثّلتْ فيهِ رحمتُهُ له . وقدْ سبقَ لإبراهيمَ أنْ هدى إسماعيلَ هَدْياً للكعبةِ المشرّفةِ : "ربّنا إنّي أسكنتُ منْ ذرّيّتي بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ عندَ بيتِكِ المحرّمِ ؛ ربّنا ليقيموا الصلاةَ .."
3- وأنَّ يحيى قدْ أوتِيَ حكماً وعلماً وهوَ صبيٌّ ، أيْ أنَّ يحيى كانَ عليماً صبيّاً ( وكلمةُ "صبيّاً" هيَ هنا حالٌ ، وليستْ نعتاً لعليم ).
ألا تجدُ الآنَ أنَّ "كهيعص" هيَ : (كبيراً هديْناهُ يحيى عليماً صبيّاً) ؟
نعمْ ، صارَ زكريّا كبيراً فهداهُ اللهُ يحيى العليمَ في صباه . وهذا هوَ جوهرُ قصّتِهِ .
ومنْ أجلِ مزيدٍ منَ التبسيط ألفتُ نظرَكَ إلى الآتيةِ :
1- أبرزُ ما في أمرِ زكريا في قصةِ القرآنِ عنهُ هوَ كِبَـرُهُ : "وقدْ بلغتُ منَ الكِـبَرِ عِتِيّاً" ؛ فقدْ وهنَ عظمُهُ ، واشتعلَ رأسُهُ شيْباً .
2- موضوعُ الرحمةِ هوَ "يحيى" الذي كانَ أولَ إنسانٍ حظيَ بهذا الاسمِ : "إنَّا نبشّرُكَ بغلامٍ اسمُهُ يحيى لمْ نجعلْ لهُ منْ قبلُ سَمِيّاً".
3- وأظهرُ ما في "يحيى" أنّهُ كانَ ذا علمٍ وهوَ صبيٌّ : "وآتيْناهُ الحُكمَ صبيّاً" ؛ والحكمُ يؤتى للأنبياءِ مقترناً معَ العلمِ . فقدْ جاءَ في حقِّ يوسُفَ : "ولمّا بلغَ أشُدَّهُ آتيْناهُ حُكْماً وعلماً وكذلكَ نجزي المحسنينَ" ، وقدْ جاءَ في حقِّ موسى : "ولمّا بلغَ أشُدّهُ واستوى آتيْناهُ حُكْماً وعلماً وكذلكَ نجزي المحسنينَ" (القصص: 14) ، ويحيى بلا ريْبٍ قد كانَ منَ المحسنينَ. ولا شكَّ في أنَّ قصةَ زكريّا تذكّرُنا بقصةِ تبشيرِ اللهِ تعالى لإبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ بإسماعيلَ الغلامِ العليم، فهيَ مشابهةٌ لها في ثلاثةِ جوانبَ : "قالوا لا توْجَلْ إنّا نبشّركَ بغلامٍ عليمِ" (الحجر: 53) . وفي سورةِ الصافاتِ يدعو إبراهيمُ ويُستجابُ لهُ : "هَبْ لي منَ الصالحينَ (100) فبشَّرْناهُ بغلامٍ حليمٍ (101).. فالصلاحُ لا بدَّ لهُ من العلمِ والحلمِ : "فنادتْهُ الملائكةُ وهوَ قائمٌ يصلّي في المحرابِ أنَّ اللهَ يبشِّرُكَ بيحيى مصدِّقاً بكلمةٍ منَ اللهِ وسيّداً وحَصوراً ونبيّاً من الصالحين" (آل عمران: 39).

أجلْ :
إنَّ أوْلى كلمةٍ تبدأُ بالكافِ في قصةِ زكريّا هيَ كلمةُ "كبير" :"إنّي وهَنَ العظمُ مِنّي واشتعلَ الرأسُ شيْباً" ، "وقد بلغتُ منَ الكِبَرِ عِتِيّاً" .. "قالَ ربِّ أنّى يكونُ لي غلامٌ وقدْ بلغنيَ الكِبَرُ وامرأتي عاقرٌ؟ قالَ كذلكَ اللهُ يفعلُ ما يشاءُ" (آل عمران: 40).
وإنَّ أوْلى كلمةٍ تبدأُ بالهاء في قصةِ زكريّا هيَ كلمةُ "هدي" ، منَ الهديّةِ والعطاءِ والهبة؛ فقدْ دعا اللهَ تعالى أنْ يهبَهُ، فوهبَهُ ذلكَ الغلامَ العليمَ هبةً منهُ ، جعلَهُ هدْياً لهُ ، أيْ هديّةً عظيمةً . ويجبُ أنْ ننتبهَ إلى أنَّ الفعلَ "هدى" يأتي بمعنى : آتى، وأعطى، وأهدى إلى. ويقالُ في العربيّةِ : هدى و هدّى، وكلاهما بمعنى : أهدى إلى، وهبَ، وآتى. فلا يستغربنَّ أحدٌ هذا التقديرَ: "كبيراً هديْناهُ يحيى عليماً صبيّاً" بسببِ غيابِ "إلى" من بعدِ الفعلِ "هدى". والمعنى هوَ : قدْ هدى اللهُ تعالى إلى زكريّا على حالِ كبرِهِ يحيى العليمَ في صباهُ.
حقّاً، فلا ريْبَ أنَّ اللهَ تعالى قد استجاب له فهداه ما طلبَ في ندائِهِ.
وإنَّ أوْلى كلمةٍ تبدأُ بالياءِ في قصةِ زكريّا نفسِها هيَ كلمةُ "يحيى"؛ فهوَ مدارُ القصةِ، وهوَ أوّلُ مَنْ حملَ هذا الاسمَ من البشرِ.
وإنَّ أوْلى كلمةٍ تبدأُ بالعين في قصةِ زكريّا هيَ كلمةُ "عليم" ؛ فقد طلبَ زكريّا الغلامَ ليرثَ العلمَ في الكتابِ : "يرثُني ويرثُ من آلِ يعقوبَ".
حسناً، لقدْ طلبَ زكريّا أنْ يهبَهُ اللهُ تعالى غلاماً يرثُ العلمَ: "يرثُني ويرثُ منْ آلِ يعقوبَ"؛ فالأنبياء يورِّثونَ العلمَ : "يا يحيى خُذِ الكتابَ بقُوّةٍ وآتيْناهُ الحكمَ صبيّاً".
وإنَّ أوْلى كلمةٍ تبدأُ بالصادِ في قصةِ زكريّا هيَ كلمةُ "صبيّ"؛ فهيَ حالُ يحيى حينما أوتيَ العلمَ .
أجلْ ، على حالٍ منْ كِبَرِ زكريّا هداهُ اللهُ تعالى غلاماً عليماً في صباهُ : ( كبيراً هديْناهُ يحيى عليماً صبيّاً) . فهذا هوَ ملخّصُ قصّتِهِ . وهذا هوَ اختزالُها : "كهيعص" . ونتركُكَ الآنَ معَ نورِ السورةِ تتفكّرُ في اختزالِ وإجمالِ وتفصيلِ قصةِ زكريّا، على رسولِنا وعليه وابنِهِ السلام، وتتدبّرُ آملينَ أنْ تصلَ إلى تأييدِ تقديرِنا :
بسم الله الرحمن الرحيم
"كهيعص (1) – هذا هوَ الاختزالُ أيْ صُفاوةُ الخلاصةِ- (كبيراً هديْناهُ يحيى عليماً صبيّاً).
"ذكرُ رحمةِ ربِّكَ عبْدَهُ زكريّا (2) - وهذا هوَ الإجمالُ -
ويأتيكَ التفصيلُ : "إذْ نادى ربَّهُ نِداءً خفِــيّاً (3) قالَ : ربِّ إنّي وَهَنَ العظمُ منّي واشتعلَ الرأسُ شَيْباً ولمْ أكنْ بدعائِكَ ربِّ شقيّاً (4) وإنّي خفتُ المواليَ منْ ورائي وكانتِ امرأتي عاقراً فَهبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وليّاً (5) يرثُني ويرثُ منْ آلِ يعقوبَ واجعلْهُ ربِّ رَضِيّاً (6) يا زكريّا إنّا نبشِّرُكَ بغلامٍ اسمُهُ يحيى لمْ نجعلْ لهُ منْ قبلُ سمِيّاً (7) قالَ ربِّ أنّى يكونُ لي غلامٌ وكانتِ امرأتي عاقراً وقدْ بلغتُ منَ الكِبَرِ عِتيّاً (8) قالَ كذلكَ قالَ ربُّكَ هوَ عليَّ هيِّنٌ وقدْ خلقتُكَ منْ قَبْلُ ولمْ تكُ شيئاً (9) قالَ : ربِّ اجعلْ لي آيةً قالَ : آيتُكَ ألّا تكلِّمَ الناسَ ثلاثَ ليلٍ سويّاً (10) فخرجَ على قومِهِ منَ المحـرابِ فأوحى إليْهم أنْ سبِّحوا بُكرةً وعشـــــــيّاً (11) يا يحيى : خُذِ الكتابَ بقوّةٍ وآتيْناهُ الحكمَ صبيّاً (12) وحناناً مِنْ لدُنّا وزكاةً وكانَ تقــــيّاً (13) وبَرّاً بوالديْهِ ولمْ يكنْ جبّاراً عصيّاً (14) وسلامٌ عليْهِ يومَ وُلِدَ ويومَ يموتُ ويومَ يُبْعَثُ حيّاً (15) [من سورة مريم] .
وقدْ يسألُ سائلٌ إلى ماذا ترمزُ ثلاثةُ الأيامِ في :"قالَ: ربِّ اجعلْ لي آيةً قالَ: آيتُكَ ألاّ تكلِّمَ الناسَ ثلاثةَ أيّامٍ إلاَ رمزاً واذْكُرْ ربَّكَ كثيراً وسبِّحْ بالعشيِّ والإبكارِ" (آل عمران: 41)؟..
هيَ تذكيرٌ بثلاثةِ أمورٍ خارقةٍ للعادةِ قدْ حصلتْ في قصةِ ميلادِ يحيى، وكانتْ بخلافِ المعهودِ، وهيَ :
1) عودةُ قدرةِ الإنجاب إلى زكريّا بعدَ العُقْمِ بسببِ الشيخوخةِ البالغةِ عِتيّاً.
2) عودةُ قدرةِ الإنجاب إلى امرأةِ زكريّا ، وقد كانتْ عاقراً من الصغرِ، وعقيماً قد دخلتْ سنَّ اليأسِ بسببِ الكِبَرِ.
3) ظهورُ العلمِ في يحيى على حالٍ من الصغرِ.
وقدْ خصّصَ وكرَّسَ زكريّا ثلاثةَ أيّامٍ يشكرُ فيها اللهَ تعالى سلَفاً لتكونَ إشارةً يُشعِرُ بها قومَهُ أنَّهُ في انتظارِ حدَثٍ عجيبٍ ، أيْ إنَّ اللهَ تعالى قدْ بشَّرَهُ بمجيءِ الغُلامِ فورَ انقضاءِ ثلاثِ ليالٍ متتالياتٍ يقومُ فيها نفسُهُ بمواصلةِ التسبيحِ، ولا يكلِّمُ الناسَ خلالَها إلاّ رمزاً، كأنَّهُ يشيرُ بذلكَ إلى وجودِ علمٍ مُسْبَقٍ لديْهِ بقدومِ يحيى نَسْلاً منهُ ومنْ نفسِ زوجتِهِ، ويهيّئُهم للمفاجأةِ؛ إذْ يصبحُ موضعَ حديثِ المجتمعِ ومحطَّ اهتمامِهم ومراقبتِهم، فلا يتهمونهُ أنَّهُ قد جاءَ بالطفلِ شراءً من هنا أوِ التقاطاً من هناكَ، فما هيَ إلاّ ثلاثةُ أيّامٍ حتّى يروْا امرأتَهُ العاقرَ غيرَ الحاملِ في مخاضٍ فتلدُ طفلاً بخلاصِهِ وحبلِهِ السُّرِّيِ، ويدفُقُ اللبنُ من ثديَيْها شراباً سائغاً للرضيعِ. ألمْ تعجبْ امرأةُ إبراهيم منْ مثلِ هذا مِنْ قبلُ؟ "قالتْ: ءَأَلِدُ وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيْخاً؟! إنَّ هذا لَشيْءٌ عجيبٌ" (هود: 72).
والصلاةُ والسلامُ على محمدٍ وإبراهيم وإسماعيلَ وزكريّا ويحيى ومريمَ وسائرِ المرسلين .

[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=6294