"الأمن" الفلسطيني بين الذاتي والموضوعي

نقولا ناصر               Sunday 22-04 -2007

يجهد عرب فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة ، قيادة وشعبا ، في محاولة محمومة لإنتزاع أمن مفقود بالتوفيق بين المأمول الملحٌ وبين الممكن الذي يكاد يبدو مستحيلا ، حيث تطغى العوامل الموضوعية للإحتلال الساحق والحصار الخانق على الإرادة الذاتية الطامحة إلى الحد الأدنى من الأمان .

وبينما ينشغل الرأي العام الفلسطيني بتفاصيل خطة للأمن الداخلي جهد الحلفاء الجدد في مؤسسات الوحدة الوطنية للحكم الذاتي من منظمة التحرير وحماس لإخراجها إلى حيز الوجود ، تتوالى المؤشرات إلى أن القوة المحتلة الإسرائيلية و"الرباعية" الدولية مصرتان على إرتهان نجاح هذه الخطة او فشلها لإذعان القيادة الفلسطينية للشروط الإسرائيلية التي تبنتها "الرباعية" ، مما يظهر هذه القيادة كمن يضع العربة أمام الحصان لأن الأمن الداخلي المأمول يكاد يستحيل في غياب مقوٌمات التحرر والسيادة للأمن الوطني .

وأحدث هذه المؤشرات "خفي حنين" اللذين خرج بهما وزير مالية حكومة الوحدة الوطنية سلام فياض من زيارته الأخيرة لبروكسل ، إذ خيب الإتحاد الأوروبي الآمال التي كانت القيادة الفلسطينية الموحدة تعلقها على مانح المعونات الرئيسي للسلطة الفلسطينية ، ولم تفلح كل التصريحات الدبلوماسية الفلسطينية الإيجابية المثمنة لتمايز الدور الأوروبي في "دعم الشعب الفلسطيني" في دفع الإتحاد الأوروبي إلى موقف مستقل عن التبعية لشريكه الأميركي في "الرباعية" ، فقد أصرت بروكسل على رفض مناشدة فياض لسد عجز مقداره 1.3 مليار دولار أميركي في ميزانية السلطة متذرعة بحاجتها إلى مزيد من الوقت لتقرر متى ستستأنف المعونات الأوروبية ، وإن عرضت على فياض "مساعدات فنية" بعد المحادثات معه .

ويتلخص الموقف الأوروبي في الإصرار على مواصلة الحصار الإقتصادي والمالي المفروض على الشعب الفلسطيني الرازح تحت الإحتلال منذ أربعين عاما ، وهذا الحصار هو واحد من الأسباب الرئيسية للوضع الأمني التي تحاول القيادة الفلسطينية وقف تدهوره ، بينما لم يفتأ الإحتلال الإسرائيلي في تغذية كل أسباب التدهور التي يستطيعها .

إن توقيع إتفاق مكة المكرمة في الثامن من شباط / فبراير الماضي ، الذي انبثقت عنه حكومة الوحدة الوطنية التي أقرها المجلس التشريعي في السابع عشر من الشهر التالي ، قد نزع فتيل الفتنة الداخلية التي هددت بحرب أهلية وكادت تربك الأمن الداخلي حد نقطة اللاعودة بعد سقوط ما لا يقل عن 400 ضحية . ويثبت استمرار بعض ذيول تلك الفتنة الموؤودة أن الإحتلال الإسرائيلي ما يزال ينفخ في رمادها لإذكاء نارها وما يزال يسعى جاهدا لإستمرار الحصار الدبلوماسي والإقتصلدي كبيئة سياسية مواتية يأمل في أن تنجح بمضي الوقت في إعادة الجدل الفلسطيني بين الداعين إلى الإستجابة ل"الاستحقاقات الدولية" كمخرج وحيد من الحصار وبين المتمسكين بالوحدة الوطنية كطريق يفرض في النهاية على المجتمع الدولي فك الحصار .

غير أن أسبابا رئيسية أخرى غير ذاتية لإنفلات الأمن الداخلي الفلسطيني ما تزال تفعل فعلها . ففي مؤشر آخر إضافة إلى فشل جولة سلام فياض الأوروبية توالت مؤخرا في طولكرم وجنين ونابلس ورام الله وأريحا والخليل الإجتياحات العسكرية الإسرائيلية التي تصاعدت لتذكر مجددا بأن إعادة إحتلال الضفة الغربية في ربيع عام 2002 ما تزال واقعا يحرج السلطة الفلسطينية الساعية إلى فرض القانون والنظام بينما قوات الإحتلال تسرح وتمرح على هواها قاتلة ومدمرة ومعتقلة ومستهترة بكل القوانين والأنظمة ، مما يزعزع الثقة الشعبية في المؤهلات الوطنية للسلطة وهذا هو تحديدا الهدف الذي يسعى الإحتلال إليه . كما أشارت الغارة الجوية الأخيرة على شمال قطاع غزة إلى إنتهاء هدنة توافقت السلطة وإسرائيل عليها مؤخرا في القطاع وكانت السلطة تطالب بتوسيع نطاقها لتشمل الضفة أيضا ، وهذا بالإضافة إلى تشديد الحصار المفروض على القطاع يشير ، كما قال المتحدث باسم الحكومة غازي حمد ، إلى وجود قرار إسرائيلي بتصعيد العمليات العسكرية بهدف إفشال حكومة الوحدة الوطنية وخططها الأمنية واستنزافها لتفقد الاهتمام الدولي الذي بدأت تحوز عليه.

إن هذا التصعيد الإسرائيلي يستهدف هز الثقة الشعبية في الدور "الوطني" لأجهزة السلطة الأمنية غير أن هذه الثقة لها أسباب أخرى لتهتز ، إذ لم يعد يكفي لإثبات وطنية هذه الأجهزة تدمير بناها التحتية وقتل كوادرها واعتقالهم مثل بقية المواطنين تحت الإحتلال . على سبيل المثال بدأ يظهر إلى العلن التساؤل الذي كان دائما عن الفائدة من وجود 80 ألف رجل أمن إذا لم يتصدوا "خارجيا" للدفاع عن شعبهم ضد الإحتلال أو في الأقل جعل إعتداءاته عليهم بثمن ، ناهيك عن التصدي للحط من كرامتهم الذاتية بإملاءات الإحتلال مثل حظر إنتشارهم بزيهم الرسمي وسلاحهم الفردي والتزامهم مقراتهم أثناء الإجتياحات الإسرائيلية بعد إنذار قصير لهم بمواعيد هذه الإجتياحات ، كما حدث في طولكرم مؤخرا . أما "داخليا" فكما تساءل حسن خريشة نائب رئيس المجلس التشريعي: "ما الفائدة من وجود 85 ألف رجل أمن إذا لم يستطيعوا تحرير صحفي أجنبي محتجز في قطاع غزة" منذ 12 الشهر الماضي؟ والمقصود هو مراسل البي بي سي ألان جونستون .

في هذا السياق ، وإذا كان تعاون المجتمع مع السلطة شرطا مسبقا لنجاح أي خطة أمنية ، كيف يقتنع المجتمع بالتعاون مع السلطة لتأمين الأمن الداخلي إذا كانت عاجزة عن الدفاع عن أمنه الوطني بل ملتزمة سياسيا بعدم الدفاع عنه ، بموجب اتفاقيات أوسلو الموقعة التي تطالب السلطة إسرائيل باحترامها ، ضد العدوان الخارجي ، المسؤول الأول عن فقدان الأمن في الداخل ؟ وكيف يمكن للسلطة في وضع كهذا تجريد المواطنين من السلاح الفردي والبدائي في معظمه أو "تنظيم" هذا السلاح كما تطمح الخطة الأمنية قيد النقاش في وقت يختلط السلاح الفردي الشخصي بالسلاح الدفاعي المقاوم بسلاح الإنفلات الأمني إختلاطا يكاد يستحيل فرزه ؟

يقول أحد التقديرات إن هناك رجل أمن لكل 14 مواطن فلسطيني بالمقارنة مع 1400:1 في الولايات المتحدة الأميركية . وإذا كانت هذه البطالة المقنعة مسوغة كوسيلة لتشغيل الفلسطينيين في الضائقة الإقتصادية التي ضيقت عليهم سبل الحياة منذ عام 1967 فإنها لا تسوغ نسيان أن جلهم من مقاتلي منظمة التحرير ومناضلي الإنتفاضات الفلسطينية في الداخل وبالتالي لا تسوغ زجهم في هذا الموقف المهين ولا تركهم بلا مهمات أمن وطني فعلية لأن النار تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله وذلك تماما هو ما حوٌلهم إلى أدوات للمصطرعين على السلطة من قياداتهم والمتحالفين معهم أو المستقوين بهم من ساسة السلطة وهم حسب التقديرات يلتهمون دون أن يسدوا حاجاتهم أكثر من 35 في المئة من ميزانية السلطة بينما تحظى الزراعة على سبيل المثال ، كما سبق لوزير الإعلام الجديد مصطفى البرغوثي القول ، باقل من 2 في المئة . إن كثيرا من جيوش العالم المؤهلة تماما لأدوارها الوطنية تساهم أيضا في البناء والتنمية . وفي غياب الدور الدفاعي الوطني لقوات الأمن الفلسطينية ربما يقود توجيهها نحو البناء والتنمية إلى دور لها في تعزيز الأمن الداخلي يسوغ الحصة المخصصة لها في الميزانية .

وربما يكون المأزق الأمني الراهن مناسبة للبحث عن خبرات أمنية يمكنها توجيه هذه القوة البشرية المعطلة عمليا عن القيام بمهمات دفاعية أو أمنية نحو البناء والتنمية ونحو تأهيل نفسها حتى تتوفر الظروف الموضوعية التي تتحرر فيها إرادتها لأداء الدور الوطني الطبيعي لها ، خبرات تكون بديلة للخبرات الأميركية والبريطانية التي احتكرت منذ توقيع "إعلان المبادئ" الفلسطيني الإسرائيلي في واشنطن عام 1993 تقديم الخبرة للسلطة الفلسطينية لأن إسرائيل لا تقبل بديلا لها كونها خبرات "حليفة" ينصب اهتمامها لا على ضمان تعزيز الأمن والأمان الفلسطيني بل على ضمان تجريد الفلسطينيين من كل ما من شأنه أن يمثل ولو تهديدا "محتملا" لأمن إسرائيل ، والوضع الأمني الفلسطيني الراهن دليل صارخ على فشلها . فعلى سبيل المثال أعلن مستشار الأمن الوطني الفلسطيني محمد دحلان يوم الخميس الماضي أن روسيا أبدت "الاستعداد الكامل للتعاون مع الفلسطينيين في إعادة تأهيل أجهزة الأمن الفلسطينية وإعادة بناء ما دمره الاحتلال الإسرائيلي" ، بعد استقبال الرئيس محمود عباس لسكرتير مجلس الأمن القومي الروسي ايغور ايفانوف في رام الله .

إن إصرار "الديموقراطيات" الغربية الكبرى على رفض الاعتراف بالقيادة الفلسطينية المنبثقة عن إنتخابات حرة ونزيهة مولوها وراقبوها هم أنفسهم وتعاملهم الدبلوماسي الإنتقائي مع الحكومة المنبثقة عنها لا يمكن تفسيره إلا كسياسة مدروسة لشق الصف الفلسطيني الذي بالكاد توحد ، مما يفاقم الإحساس الشعبي بعدم الإستقرار ويساهم في إنعدام الأمن .

وهذا الحصار الدبلوماسي وهذه الإنتقائية في التعامل السياسي ، اللذين ترفضهما علنا منظمة التحرير والرئاسة الفلسطينية لكنهما بالرغم من ذلك ترضخان لهما على مضض ، يساهمان في تآكل الثقة الشعبية في المساءلة المالية للسلطة الفلسطينية لأن المعونات الغربية تقدم باسم الشعب الفلسطيني بطرق انتقائية ملتوية إلى جهات غير تمثيلية وبعضها تمثيلي لكن جميع المتلقٌين لا يخضعون لأي مساءلة لا رسمية ولا شعبية . وتقول بيانات حكومية غربية إن المعونات الغربية التي قدمت إلى "الشعب الفلسطيني" خلال عام الحصار المنصرم زادت على ما قدٌم له في عام 2005 الأسبق . قال فيٌاض: "لم يعد ممكنا تتبع الأموال الواردة ولا يسعنا التأكد من أنه لا تجري إساءة تخصيصها" . وهذا الوضع يغذي الشكاوى المزمنة من "الفساد" في السلطة بإشاعات جديدة عن فساد جديد يوٌلد "أثرياء للحصار" يضافون إلى أثرياء الإحتلال بينما قضايا الفساد القديمة طوتها "المصالحة الوطنية" بعد إتفاق مكة وهي ما تزال قيد الملاحقة القضائية . كيف لا تكون هذه الآليات غير القانونية التي ترعاها ديموقراطيات "القانون" الغربية وإفرازاتها مثالا يحتذى لمن يجد فيها من الفلسطينيين قدوة للخروج على القانون ؟ وكيف تساعد هذه البيئة غير السويٌة السلطة الفلسطينية على فرض القانون والنظام ؟

إضافة إلى الإحتلال يظل الحصار الإقتصادي من أهم العوامل غير الذاتية لتدهور الوضع الأمني ، فهذا الحصار أفقد ثلث فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1967 أمنهم الغذائي طبقا لتقرير مشترك نشره في آذار / مارس الماضي برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة "الفاو" التابعان للأمم المتحدة ، بينما قاد التدمير الإسرائيلي للبنى التحتية إلى "تركيع" الإنتاج المحلي طبقا لتقرير مشترك نشره البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الشهر الماضي أيضا . وفي هجرة للأدمغة والكفاءات نزح حوالي عشرة آلاف فلسطيني وقدٌم خمسون الفا غيرهم طلبات للهجرة طبقا لدائرة الإحصاء الفلسطينية وانتقلت مصانع ومعامل إلى الأردن وهاجر العشرات من رجال الأعمال ويكاد الإستثمار الخارجي ينعدم . "واليوم يعيش ثلثا السكان الفلسطينيين تقريبا في الفقر بينما يبلغ مستوى دخل الفرد 60 في المئة مما كان عليه عام 1999 " كما قال سلام فياض . ويتعرض أعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لمضايقات مؤجريهم لأنهم عاجزون عن دفع بدل إيجار مساكنهم بينما بالكاد يتدبر سفراء منظمة التحرير أمورهم المالية كما يعرف كاتب هذه السطور شخصيا .

لقد فاقمت بيئة الإحتلال والحصار العوامل الذاتية للإنفلات الأمني ، خصوصا في قطاع غزة حيث "أقيمت معسكرات وبنيت مليشيات" وينتشر رجال العصابات مما قد يقود إلى إعلان القطاع "منطقة خطرة" ويدفع المنظمات الدولية إلى الرحيل عنه ، كما حذر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عبد ربه وأيده المفاوض الفلسطيني صائب عريقات بينما اعترف محمد دحلان بأن "لعنة أصابت" القطاع حيث "الوضع كارثي والشباب يفضلون العمل مع العائلات بدل العمل مع قوى الأمن" . وأيد رجال منظمة التحرير هؤلاء وزير العدل الذي رشحته حماس لمنصبه ، علي السرطاوي ، الذي حذر في مقابلة مع الصنداي تلغراف مؤخرا من أن التصدي مثلا لمليشيا عائلة دغمش في القطاع ، التي يقدر تعدادها بألفي رجل ، قد يؤدي إلى مأساة وقد نفت هذه العائلة إتهامات لها باختطاف مراسل بي بي سي وكذلك إختطاف مراسلي فوكس نيوز الأميركية لمدة أسبوعين الصيف الماضي .

لقد أقرت حكومة رئيس الوزراء إسماعيل هنية السبت الماضي خطة من ثلاثة مراحل للأمن الداخلي أعدها بعد استشارات موسعة وزير الداخلية هاني القواسمة وأجٌلت الحكومة البت فيها السبت قبل الماضي وتشمل حل المليشيات العائلية وحظر المظاهر المسلحة وتنظيم حمل السلاح ودمج الأذرع المسلحة لفصائل المقاومة وتوحيد اثني عشرة جهازا أمنيا من أجهزة السلطة وتشكيل مجلس الأمن القومي كسلطة تنسيق عليا ، غير أن كل هذه البنود تقريبا هي اهداف قديمة فشلت السلطة في تحقيقها منذ نشرت خطة المائة يوم الإصلاحية في 26 حزيران / يونيو 2002 ولم تطبق منها إلا الإصلاح المالي ، وقد تحطمت جهود السلطة السابقة لنزع فتيل العوامل الذاتية للتدهور الأمني على صخرتي الإحتلال والحصار اللذين تفاقما الآن ليوفرا حاضنة موضوعية لمزيد من التدهور .

وقال الدكتور مصطفى البرغوثي وزير الاعلام السبت إن الاجهزة الامنية الفلسطينية ستعمل بمركز امني موحد وبقرار جماعي . وقد أصدر الرئيس محمود عباس الأحد مرسوما رئاسيا بتشكيل مجلس الامن القومي الذي صادقت عليه الحكومة الفلسطينية وهذا المجلس سيوحد عمل كافة الاجهزة الامنية الفلسطينية . وقال الوزير إن المرحلة الأولى مدتها 100 يوم لتنظيم المرور ومكافحة الجريمة والمخدرات (ماذا كانت تفعل قوى الأمن قبل ذلك؟) تليها مرحلة التركيز على حل المنازعات العائلية والإقتتال بالسلاح ثم تعقبها المرحلة الثالثة التي ستركز على بناء أمن قوي وشرطة قادرة على فرض القانون والنظام .

إن تطبيق الخطة أو عدم تطبيقها ونجاحها أو فشلها سيظل مرتهنا أولا بتوفير مقومات الأمن الوطني المفقودة، ففي النهاية لا بد للحصان أن يقود العربة !

كاتب عربي من فلسطين .
[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=6518