كيف يدفن الموتى العرب بالمقابر الألمانية ؟

محمد نبيل               Saturday 21-04 -2007

هناك ميل ملحوظ لدى الجالية العربية المسلمة إلى دفن موتاهم بالمقابر الألمانية . هذه الظاهرة تثير بعضا من الاستغراب، وتخلف الكثير من التساؤلات و الردود المتضاربة. وبين قلق الدفن ببلاد الغربة ونقل الموتى لدفنهم في أوطانهم، تكمن معاناة الجالية العربية المقيمة بألمانيا. ترى كيف و لماذا يفضِّل العرب دفن موتاهم في المقابر الألمانية ؟

إجراءات دفن الموتى بيروقراطية ومعقدة

و لفهم المشاكل والأسباب التي تخفيها عملية دفن الموتى العرب سواء بألمانيا أو خارجها ،حاولنا معرفة رأي مؤسسات عربية و ألمانية تقوم بإجراءات الدفن القانونية كما كما تسهر على تشييع الجنازة على الطريقة الإسلامية.

ففي لقاءنا مع أحمد دحويش ،مدير مؤسسة الشهباء الإسلامية لنقل ودفن الموتى ببرلين، صرح لنا أن عملية دفن الموتى العرب بالديار الألمانية جد معقدة . فمسلسل إجراءات الدفن بيروقراطي ومتشابك الخيوط. وتبدأ فصول المعاناة الإدارية بالسعي وراء تسلم ورقة الطبيب الذي يقوم يفحص الميت بمكان وفاته، بعدها، يتم الالتجاء إلى الجهات المختصة قصد الحصول على شهادة الوفاة ثم التصريح بالدفن قبل التقدم بطلب لأخذ موعد لحفر القبر. وفي حالة ما إذا كانت عائلة الفقيد تريد دفن الجثمان بألمانيا يتم تغسيل الميت و تكفينه وتشجيع الجنازة وفق الطريقة الإسلامية. أما في حالة إبداء الرغبة في نقل الجثمان إلى وطنه الأم ، فهناك إجراءات أخرى يجب القيام بها . وحول مشاكل الدفن الكبرى ، يلخصها مدير مؤسسة الشهباء ،في غياب المداومة بمكتب الأحوال الشخصية خلال يوم الأربعاء و نهاية الأسبوع ، فهذا الأمر يسبب في تأجيل عملية الدفن أحيانا لأكثر من أسبوع. أما عند وقوع مشكل قانوني في إجراءات الدفن بالمقابر الألمانية يصبح الوضع أصعب و نتائجه جد سلبية . وعلى سبيل المثال ، يحكي أحمد دحويش عن حالات عديدة لا يصل فيها الطبيب إلى تشخيص سبب الوفاة مما يدفع السلطات الألمانية إلى الاحتفاظ بالجثمان أو تسليمه لمؤسسة الدفن شريطة عدم زيارته إلى حين إصدار تصريح بدفنه . هذا الوضع، يستدعي تحقيقا يقوم به المدعي العام قبل إصدار قرار بالدفن أو تشريح الجثة. في هذه الحالة، يشكل تشريح الجثة صدمة نفسية للكثير من العائلات التي لا تقبل هذا القرار. فالكثير من حالات التشريح تترك مضاعفاتها النفسية لدى عائلة الفقيد لشهور و لأعوام عل حد قول أحمد دحويش. وعن شكليات الدفن بالعاصمة ، قال دحويش متأسفا : « هناك اختلافات بين الولايات الألمانية ، فمثلا إذا كان بمدينة لا يبزيغ يُسمح بدفن جثامين المسلمين بدون تابوت ،فإن ولاية برلين تفرض العكس».

ونشير إلى أن عادات وإجراءات الدفن بالمقابر الألمانية تختلف عن عادات وطقوس البلدان العربية .فأثمان القبور و إطارها القانوني يختلف من ولاية إلى ولاية . و حسب المعطيات التي توصلنا إليها عن طريق المؤسسات المعنية بدفن الموتى ببرلين، هناك نوعان من القبور، ولكل قبر ثمنه. قبور قابلة للتجديد مرة واحدة بعد مرور 20 عاما و ثمنها يصل إلى 865 يورو ،وتطالب السلطات من عائلة الفقيد أداء مبلغ 500 يورو تقريبا لتغطية الفترة الثانية . أما القبور غير القابلة للتجديد فثمنها يصل إلى 788 يورو . هذا ،في الوقت الذي قد تصل فيه أتعاب عملية الدفن إلى 1950 يورو . وعن سؤال حول دواعي ميول العديد من العائلات العربية إلى دفن موتاهم في المقابر الألمانية و مدى قدرة المهاجرين العرب على تسديد مصاريف الدفن ؟ يفسر مدير مؤسسة الشهباء هذا النزوع بكون 75 في المئة من العرب المقيمين بولاية برلين يضطرون إلى دفن موتاهم بالمقابر الألمانية ،لأنهم بكل ببساطة ،يعيشون على المساعدات الاجتماعية للدولة التي تدفع أغلب مصاريف عملية الدفن .

ومن أجل إيجاد حل لهذه المحنة المادية، بدأت بعض المؤسسات والمنظمات الإسلامية تشجع العرب المسلمين على الانخراط في صندوق للتأمين يساعدهم على دفن أمواتهم مجانا . فمحمد هيرسوك ، رئيس الجالية الإسلامية الناطقة باللغة الألمانية ببرلين ، يلحُّ على الدور الإيجابي لهذا النوع من التأمين الذي تضمن بموجبه المؤسسات الخاصة بالدفن كل الإجراءات القانونية بما فيها مراسيم الجنازة على الطريقة الإسلامية إضافة إلى نقل الجثامين داخل ألمانيا وخارجها . ومقابل هذا الخدمات ، يدفع المشترك انخراطا سنويا يقدر ب 25 يورو وما أكثر حسب الحالات ،كما يحصل المشترك على بطاقة مسجل عليها رقم خاص يمكن الاتصال به عند الضرورة على مدار الساعة. التأمين الخاص بدفن الموتى يثير الكثير من التحفظات الشرعية من قبل العديد من المسلمين، لكن رئيس مؤسسة الشهباء، يدعو الجالية العربية والإسلامية، في هذا السياق، إلى الانشغال بتأمين عملية دفنهم عوضا عن إشكالات التشريع.

في أفق إنشاء مقبرة خاصة بالمسلمين

ويتوفر المسلمون بولاية برلين على مقبرتين لدفن الموتى، الأولى تدعى كولومبيادام التي تعد أقدم مقبرة للمسلمين في ألمانيا ،و يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1866. أما المقبرة الثانية فاسمها كاتو ،وقد بدأت عمليات الدفن فيها عام 1982 ،إلا أنها لم يتم دفن الموتى المسلمين فيها إلا في عام 1988 .

والقول بمقبرة إسلامية ببرلين غير صحيح في نظر أحمد دحويش لاعتبارات مذهبية و فقهية مختلفة .هناك فقط مقابر ألمانية يوجد فيها شطر مخصص لدفن المسلمين . وغياب مقبرة إسلامية مستقلة بولاية برلين، هو الذي دفع مؤسسة الشهباء و العديد من الأطراف إلى تقديم مشروع لإنشاء مقبرة خاصة بالمسلمين، وهناك أمل في تحقيق هذا المشروع بالعاصمة الألمانية.

مؤسسات ألمانية لدفن الموتى المسلمين

وفي خضم انتشار ظاهرة دفن الموتى العرب بالمقابر الألمانية، بدأت العديد من المؤسسات الألمانية تسعى لعرض خدماتها في هذا المجال. التقينا في هذا الإطار، بمدير شركة ايكينسي باهار ،فولكان كوسكون الذي أسس نواة شركته عام 1994 ببرلين من داخل شركة باهورن كغينايزن ،وهي أكبر مؤسسة ألمانية لدفن الموتى ،إذ تدفن 38 ألف ميت كل عام . وتعد مؤسسة ايكينسي باهار شريكا أساسيا للجالية الإسلامية الناطقة باللغة الألمانية بالعاصمة برلين ، كما أنه من بين أهدافها ،حسب قول مديرها ، خدمة المسلمين بكافة مذاهبهم و توجهاتهم. وعلى حد رأي فولكان كوسكون، يعتبر دفن الموتى بالمقابر الألمانية أمرا مقبولا ،لأن ذلك يتطابق مع تعاليم الدين الإسلامي . وعن العوائق التي تقف في وجه عمل مؤسسته، أكد أنه لا توجد مشاكل كبرى تعيق وظيفته، فهناك تزايدا في الطلب على عملية الدفن بالمقابر الألمانية، حيث يسكن بولاية برلين لوحدها 9 آلاف ألماني مسلم. فالمؤسسة تتوفر على شركاء يسهِّلون عمليات نقل و دفن الموتى في ألمانيا و في كل أرجاء العالم، لكنه أشار إلى مشكلة عدم توفر العديد من المسلمين على تأمينات تسمح بتفادي عدة متاعب أثناء القيام بإجراءات الدفن.


•صحافي و كاتب مقيم بألمانيا
[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=6525