المسيحيون الشرقيون في العراق يتعرضون للإجتثاث والمساومة بين الجزية أو الدخول في الإسلام

سمير عبيد               Tuesday 05-06 -2007

جميعا نعرف بأن هناك مشروعا أميركيا تقوده مجموعة ما يُسمى بالمحافظين الجُدد في الإدارة الأميركية، والتي هي تحالف من البروتستانت المتشدّد ( الإنجيليون) و مجموعة اليهود المتشددين، والذين يريدون تطبيق هذا المشروع في العراق والمنطقة، وعندما نقول العراق يعني تطبيقه في أرض بابل، وضمن أجندة قديمة من الروحانيات والحسابات الخاصة، والتي تعتمد على الروايات القديمة والتنجيم المتناقل بين أجيال المتشددين من اليهود والمسيحيين، وأن من يظن بأن الهدف الرئيسي لهذا المشروع الأميركي هو النفط فهو مخطىء، لأن الهدف هو تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى في الشرق الأوسط ولن يتحقق هذا ومن وجهة نظر روحانية حاخاميّة قديمة إلا من خلال تحطيم بابل وتهجير أهلها الأصليين ليتم تفتيتها الى كانتونات،لذا هم يريدون تحقيق إسرائيل الكبرى وضمن حيلة ومشروع أطلقوا عليه دبلوماسيا تسمية ( الشرق الأوسط الجديد أو الكبير) وأن إيران تعرف هذا المشروع جيدا وقبل العرب، وتمتلك هي الأخرى أرشيفا روحانيا قديما بهذا الإتجاه، ولهذا تنافس هذا المشروع وتزاحمه، وتعتقد أنها الدولة التي تستحق أن تكون الأخ الأكبر أو الوالي الأعلى في المنطقة وليس إسرائيل، وهذا سر التنافس والتجاذب ونتيجة ذلك فأن المنطقة على موعد مع مسلسل خطير من التداعيات والنزاعات.

وأن من ضمن أجندة هذا المشروع والذي هو بقياسات وأدبيات أميركية وصهيونية متشدّدتين أن يكون للمسيحيين الشرقيين الذين يوالون هذا المشروع دورا ( وهم القلّة) في الحكم الخاص بالدويلات التي سيتم تأسيسها، ويكون لهم إسما في الجغرافيات الكانتونية التي ستُرسم وتُخط على ضوء تحقيق هذا المشروع الذي يؤمن بإستراتيجية التفتيت، وفرض جغرافية وتقسيمات جديدة وضمن إتفاقيات ( سايكس بيكو) الجديد، والتي نكاد أن نسميها بمعاهدة أو إتفاقية( واشنطنبيب) أي معاهدة واشنطن ــ تل أبيب، ولكن بما أن أكثرية المسيحيين الشرقيين يتمتعون بروح قومية وعروبية ، ويتمتعون بإيمان عميق بأن الأرض في العراق وسوريا وفلسطين وغيرها هي أرض أجدادهم فهم متشبثون بها وبتضاريسها ، ولهذا يرفضون هذا المشروع ،وأن حبهم للعروبة آت من كون العروبة كانت ولا زالت سفينة نجاتهم من الغلو الفكري والديني والمذهبي وعلى مر العقود والسنين المنصرمة ،لأن العروبة توأم الإسلام، وكذلك فإن الوطن توأم مع الدين، وبالتالي وضعت سدا منيعا أمام النعرات الطائفية والدينية ،وبقيت جميع الشرائح المسيحية في بلدان الشرق الأوسط وتتمتع بالإحترام والتقدير والأمان.

ولقد قدمت الشرائح المسيحية الشرقية تاريخا وطنيا وعروبيا مشرفا، فلقد قدمت الشهداء في سبيل الأمة العربية ومشروعها القومي والعربي والى جانب التضحيات التي قدمتها الشرائح الإسلامية الواسعة، وكذلك قدمت القادة السياسيين والمفكرين والعلماء والضباط والطيارين والمؤرخين والفنانيين وكبار المثقفين، وأن أجمل ما قدمته الشرائح المسيحية هو الإندماج والإنصهار في المجتمعات الإسلامية فنالت الإعجاب من المسلمين، وخصوصا في العراق وسوريا وفلسطين ومصر وغيرها من البلدان العربية، ولكي لا يقف المسيحيون الشرقيون بوجه المشروع الأميركي والصهيوني تقرر وضمن الإستراتيجية الأميركية أن يكون الهدف الأول إضعاف الإسلام والعروبة معا، ولقد قدمت دراسات عديدة حول هذا الموضوع وبالمقابل تأسست شبكات سرية وعلنية من بعض العرب والمسلمين والمسيحيين الذين تطوعوا في هذا المشروع وهذه الإستراتيجيات، وتحت غطاء المعاهد الإستراتيجية، ومراكز البحوث، ومدارس تعليم اللغات ، ومنظمات المجتمع المدني، وهيئات الإغاثة، ومعاهد التنمية وغيرها من المؤسسات التي تحمل شعار التنمية والشفافية ولكن ما خفي أعظم، بذا فعندما قالوا إضعاف الإسلام فقصدهم المسلمين، وعندما قالوا إضعاف العروبة فقصدهم المسيحيين الشرقيين، ولهذا عملوا وخططوا لعزل العروبة عن الإسلام ليتم الإنفراد بكل واحد منهما ،ثم ينتقلوا لمحاصرة القرآن والعبث في التفاسير وفي المناهج التربوية لمراهنات مستقبلية وعلى طريقة مشروع عزل الكنيسة الذي طُبق في أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن لو جئنا للحقيقة فالمسجد يختلف عن الكنيسة، وأن الزمن الذي عُزلت به الكنيسة ليس كالزمن الحالي الذي يُراد به عزل المسجد، وأن المسجد لم يكن في منطقتنا بتأثير الكنيسة التي كانت تحكم دول وجيوش وتحت يدها إمكانيات هائلة، وهذا يدل أن المشروع الأميركي والذي من أجله تقرر العدوان على العراق وأفغانستان يحمل أجندة (دينية وحضارية وثقافية) وأن ما قاله الرئيس الأميركي جورج بوش في عام 2001 وبعد إسبوع من أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم يكن إعتباطا عندما قالت ( أنها الحرب الصليبية)، علما أن السيد جورج تينت وهو مدير وكالة المخابرات المركزية ( سي أي اي) قال في كتابه الأخير ( أن الحرب على العراق كان مقرر لها قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر).

أي أن حربهم في المنطقة هي حربا دينية وثقافية وحضارية، وأن ما يُطلق عليها بأنها حربا ضد ما يسمى بالإرهاب ما هي إلا حيلة سمجه إنطلت على البعض ولن تنطلي على الأكثرية العربية والإسلامية والمسيحية والغربية، فلو جئنا لتعريف ماهيّة وخطوات الإرهاب فنجده ينطبق على الولايات المتحدة وإدارتها ،ومن ثم ينطبق على إسرائيل وحكومتها ،خصوصا لو راجعنا كذبهم وحملاتهم التي قادوها ولازالوا يقودها ضد الشعب العراقي والفلسطيني وضمن مسلسل من الأكاذيب الفاقعة، فهم مصانع الإرهاب فبالأمس القريب جدا كشف الكاتب الأميركي الشهير سيمون هيرش سرا كبيرا عندما قال ( أن منظمة فتح الإسلام في لبنان أسستها ودعمتها الولايات المتحدة والسعودية والحكومة اللبنانية، وهي تأسست على غرار تأسيسهم لتنظيم القاعدة في أواخر الثمانينات من القرن الماضي وبحجة محاربة إخراج السوفيت من أفغانستان) وهذا يعني أن هناك تنظيمات إرهابية ومتطرفة هي من صنع الولايات المتحدة وبعض الأنظمة في المنطقة وبعلم واشنطن..

لهذا فهناك مشاريع خاصة بالمسيحيين الشرقيين إسوة بالمشاريع الخاصة بالمسلمين، وهي لا تقل خطورة عن المشاريع التي هي ضد المسلمين، أي أن هناك نيّة برسم وتحديد إقليما خاص بالمسيحيين العراقيين ويكون في سهل نينوى أي جنوب ما يسمى بكردستان العراق، ولهذا تكثفت الحملات ضد المسيحيين من أجل إجتثاثهم وأجبارهم على ترك مناطقهم الأصلية وبإتفاق بين الأئتلاف الكردي بزعامة البرزاني والطالباني في الشمال، وبين الأئتلاف الشيعي بزعامة عبد العزيز الحكيم في الجنوب .

وبالمقابل لقد قام السفراء الأكراد العاملين في السفارات العراقية في الخارج من اللقاء بالمجموعات المسيحية التي تعيش في الخارج من أجل ترغيبهم وترهيبهم على قبول الرحيل والسكن والعيش في سهل نينوى مقابل بعض المحفزات المالية واللوجستية والعقارية، وأن هدف الأكراد هو أن تكون الحدود الجنوبية لدويلتهم الكردية الموعودة هو الشريط المسيحي كي يصد الحملات العربية والتركمانية المستقبلية ضدهم، ومن ثم سيستخدمهم الأكراد من أجل إبتزاز الفاتيكان والدول الأوربية مستقبلا .

ونتيجة ذلك تكثفت الحملات ضد المسيحيين في المدن الجنوبية في العراق صعودا نحو الشمال، ففي مدينة البصرة مثلا لم يبق إلا 400 مسيحي فقط ،ولقد تهجّر 250 ألف منهم نتيجة التهديدات والمساومة من قبل المليشيات المذهبية والحزبية، فلقد قال البروفيسور إفرام عيسى وهو أستاذ في الجامعات الفرنسية ( أن مليشيات الصدر وحزب الفضيلة في البصرة هي المسؤولة عن تهجير المسيحيين .. وخير أفراد المليشيات المسيحيين بين الموت أو دفع الجزية إذا لم يتحولوا الى الإسلام) ولا ندري عن أي إسلام يتكلم هؤلاء، فالإسلام لا يرضى بهذا ،ولا يرضى حتى بإقتحام البيوت الآمنة ودور العبادة التي يجب أن تكون مقدسة ويحرّم إقتحامها، فالإسلام لا يقبل بإجبار الإنسان أن يُغير دينه ،و أمر بأحترام الأديان الأخرى، وكفل حقوق أهل الكتاب وأكد على ضرورة المساواة في التمتع بها كما للمسلمين ومن هذه الحقوق:

حرية الإعتقاد: أي لأهل الكتاب حرية الإعتقاد، ولقد قال الله تعالى ( لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي) وقال تعالى أيضا ( إتركوهم وما يدينون ولهم مالنا وعليهم ما علينا) ولقد حُسمت القضية على هذا المنوال الطيب.

أداء العبادات: أباح الإسلام لأصحاب الديانات الأخرى ممارسة الشعائر الدينية وأداء العبادات.

الحقوق المالية: فالجزية التي يتحدث عنها أو يأخذها رجل المليشيات الملثم من المسيحي في البصرة والمدن العراقية الأخرى لا تنطبق عليها نصوص الجزية في الإسلام، والتي تعطى مقابل حمايتهم وحماية أموالهم والكف عنهم، وهي علامة لخضوعهم وأتباعهم للدولة الإسلامية، فأين الدولة الإسلامية في البصرة أو في كركوك أو في أربيل أو في الموصل أو بغداد الآن، فأنها دولة اللادولة في الوقت الحالي وأن العراق دولة محتلة.

العطاء من بيت المال: لقد أتفق جمهور الفقهاء على جواز أعطاء أهل الكتاب من الصدقات، وأن لهم حق في بيت مال المسلمين، لذا فإن كانت هناك دولة إسلامية في البصرة فعليهم أعطاء المسيحيين من بيت مال هذه الدولة وليس إبتزازهم.

وهناك لهم حقوق إدارية، وحقوق إجتماعية .... فهذا هو الإسلام وليس إسلام المليشيات والأحزاب الإسلامية التي تنتهج الإسلام الأميركي.

لذا فالحكومة العراقية وقوات الإحتلال تتحمل المسؤولية الكاملة حول هذه الجريمة الإنسانية والدينية والأخلاقية والوطنية، وعلى الحكومة أن تعلن وعلى الملأ وبصراحة هل هي عاجزة عن أخذ دورها، أم أنها متواطئة مع المليشيات والعصابات ضد المسيحيين، وعليها الرد على رسالة ( البطريارك آدي الثاني) وهو رئيس الكنيسة الشرقية القديمة في العراق والعالم، والذي بعث بها الى الحكومة العراقية ومجلس النواب والتي قال فيها ( إن ما يتعرض له المسيحيون من هجمة إشتدت مؤخرا والمتمثلة بالتهديدات للمسيحيين إما أن يشهروا إسلامهم أو يدفعوا الجزية أو يتعرضوا للقتل والتهجير وما الى ذلك.... تستدعي موقفا من الحكومة ومجلس النواب كي يتم فرض الأمن والقانون)، وأن هذا الكلام يخص جميع العراقيين والعرب والمسلمين لأنه عار علينا جميعا أن يتعرض أهلنا وإخواننا وأصدقائنا المسيحيين الى هذه الحملة الشرسة والمخزية والإجرامية ،فلقد قال قداسة ( مار دنخا الرابع) أن الحكومة لا تحرك ساكنا ومن الصعب الذهاب الى الصلاة في الكنائس، وقال ايضا: لقد بعثنا في 7/ مايو / 2007 برسائل الى رئيس الوزراء العراقي ورؤساء الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة وناشدنا الرئيس جلال الطالباني من أجل التدخل لوقف تهجير المسيحيين وأجبارهم على تغيير دينهم ، ولكن لا جواب.....!!.

فمن هو المسؤول يا سيادة الرئيس بوش والذي تدعي الإيمان وحب الرب، ومن هو المسؤول يا رئيس الحكومة العراقية وأنتم من المختصين في الشؤون الإسلامية كمهنة ودراسه، ومن السياسيين الذين تنتمون الى حزب الدعوة الإسلامي، ومن هو المسؤول يا رئيس البرلمان وأنتم الذين تنتمون للتيارات السلفية الإسلامية وهي الأعرف بالتوجيهات والتعاليم الإٍسلامية والتي تنص وتؤكد على إحترام أهل الكتاب والأديان الأخرى؟.

لهذا فنحن نضم أصواتنا لجميع الأخيار في العراق و العالم من أجل حماية المسيحيين في العراق، وكذلك حماية الشعب العراقي وبجميع أطيافه ودياناته من الإبادة التي يتعرض لها بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، فلا يجوز السكوت عن إبادة شعب كامل وأمام أنظار العالم، أنها جريمة العصر والقرن!!..



كاتب ومحلل سياسي
مركز الشرق للبحوث والمعلومات
[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=7255