حل السلطة الفلسطينية لإلقاء المسؤولية على الاحتلال؟

ماجد عزام               Sunday 15-07 -2007

فكرة حل السلطة الفلسطينية وإلقاء المسؤولية كاملة على الاحتلال الإسرائيلي طرحتها أطراف عدة على الساحة الفلسطينية، والفكرة أو اقتراح الحل، جاء في سياق المناكفة والاستفزاز وتسجيل المواقف، غير ان الأمر اختلف نسبياً في الشهور الماضية، وتحديداً بعد التوقيع على اتفاق مكة وتشكيل حكومة «الوحدة الوطنية»، وتطرق الى ذلك رئيس حكومة الوحدة - تسيير الأعمال - إسماعيل هنية الذي تحدث عن ضرورة مناقشة الفكرة بجدية ووضعها على جدول الأعمال الفلسطيني، بينما كان وزير الإعلام مصطفى البرغوثي أكثر تحديداً ووضوحاً باعتبار أن انهيار السلطة وليس حلها يبدو حتمياً في حال فشل حكومة الوحدة الوطنية.
فكرة حل السلطة ستنال حتماً المزيد من الزخم بعد التطورات الدامية التي هزت قطاع غزة في النصف الأول من شهر حزيران (يونيو) والتي أدت الى انقسام بنيوي حاد في الساحة السياسية وتهديد بفصل جغرافي وحتى سياسي وتنظيمي بين قطاع غزة والضفة الغربية. على رغم أن اتفاق أوسلو نص بوضوح على الوحدة الجغرافية الكاملة بين الضفة والقطاع.
فكرة حل السلطة بنيت غالباً على مصالح وأسس فئوية حزبية ضيقة، فقد طرحتها منذ تأسيس السلطة الى بداية العام 2006 الذي شهد زلزال الانتخابات التشريعية الفلسطينية من أطراف قريبة من المعارضة في شكل عام وحركة المقاومة الإسلامية حماس في شكل خاص، ومع تفهم الاعتبارات السياسية المتعلقة برفض اتفاق أوسلو وحتى خيار التسوية في شكل عام، إلا أن النظر إلى السلطة هنا ليس في إطارها الوطني ولكن باعتبارها سلطة «فتح» أو الرئيس الراحل ياسر عرفات، واختلف الأمر بعد الانتخابات التشريعية التي فازت فيها «حماس» وبدا معاكساً، إذ انتقلت فكرة حل السلطة إلى مربع «فتح» والحركات والفصائل القريبة منها، والمنطلق الفئوي نفسه كان حاضراً بقوة.
المنطق الفئوي حضر أيضاً بعد فشل تجربة الحكومة الفلسطينية العاشرة التي شكلتها «حماس» منفردة بعد فوزها بالانتخابات، وفشل الحكومة في تطبيق برنامجها الانتخابي والحصار القاسي الذي منعها من تحقيق معظم اهدافها، وهذا ما دفع «حماس» والقريبين منها إلى إعادة طرح فكرة حل السلطة وفق الزاوية الفئوية ولكن بمنظور شمشوني هذه المرة يلحظ هدم المعبد على رؤوس الجميع، وأن إفشال «حماس» في السلطة ووضع العصي في دواليبها يعني أن هذه الأخيرة لن تسمح لأحد بالنجاح مرة أخرى وإن كان الثمن التخلص من السلطة نفسها.
وعلى رغم التحفظ النسبي إلا أن المنطق الوطني ربما كان حاضراً في الدعوات لنقاش مستقبل السلطة والنظر في فكرة حلها.
الواقع الفلسطيني انقلب بالكامل بعد أحداث غزة الدموية وبقينا أمام مشهد سوريالي لمجموعات لم تحترم السلطة في أحسن الأحوال وأساءت استخدامها الى درجة السفه، أو انها نظرت الى السلطة بوصفها أداة من أدوات المشروع الإسرائيلي - الأميركي لا بد من التخلص منها اذا ما أريد للمشروع الوطني أن يستقيم. واكتمل المشهد السوريالي بوجود غالبية فلسطينية صامتة لا تفهم هذا التناحر على سلطة بلا سيادة فترى انه لا ضرورة لهذه السلطة إذا ما تحولت وسيلة للاقتتال والحرب الأهلية بدل السهر على راحة المواطنين وتوفير احتياجاتهم وتحقيق آمالهم. وهذا المزاج عبر عن نفسه في الاستطلاع الأخير للمركز الفلسطيني للبحوث المسحية في منتصف حزيران الماضي أي في ذروة الاقتتال، فقبل 41 في المئة من الفلسطينيين حل السلطة و42 في المئة قبلوا فكرة الكونفيديرالية مع الأردن.
وبعيداً من الانفعال والمنطق الفئوي والاستفزازي فإن فكرة حل السلطة لم تطرح في شكل جدي الى الآن على جدول الأعمال الفلسطيني، هذا الأمر يقتضي النظر للأمر ضمن سلة متكاملة تلحظ المصلحة الوطنية الفلسطينية، فالسلطة تشرف على مناحي الحياة المختلفة لحوالى ثلاثة ملايين ونصف المليون مواطن في قطاع غزة وتتولى مسؤولية حياتهم في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، أما في الضفة الغربية حيث يعيش قرابة المليونين ونصف المليون مواطن فتشرف السلطة على كل مناحي الحياة باستثناء الأمن الخاضع عملياً للاحتلال الإسرائيلي، فيما الأمور الأخرى من صحة وتعليم وخلافه بيد السلطة، وحتى الآن لم يقل أحد من دعاة حل السلطة ماذا سيحل بالمواطن الفلسطيني إذا ما تم الحل فعلاً، وتحديداً ماذا سيجري في قطاع غزة الخاضع كلياً الى سيطرة السلطة، هل سنناشد الاحتلال بالعودة أم تستجدي استجداء الوصاية او الانتداب، في خطوة تكرس اعتراف النخبة السياسية والحزبية بفشلها وعجزها عن تولي مسؤولياتها تجاه شعب تدعي قيادته.
يجب أن يكون النقاش حول حل السلطة متمحوراً حول حقيقة هل بذلت الساحة السياسية الفلسطينية الجهد المطلوب من اجل إنجاح السلطة الوطنية في مهمتها الأساسية كنواة للدولة العتيدة. لا بد من العمل الجاد لقيام السلطة الفلسطينية بكل مهماتها ومسؤولياتها، وبعد ذلك فقط يمكن التقويم والمراجعة والنقاش حول مدى نجاحها أو فشلها واستخلاص العلاج الناجع المستند أولاً وأخيراً الى المصلحة الوطنية العليا، وهذا يقتضي حتماً إزالة آثار الاقتتال الداخلي المدمّر الذي عصف بغزة ومعها المشروع الوطني عبر حوار حر مفتوح يفضي إلى حكومة تكنوقراط من الوجوه والشخصيات الوطنية المستقلة، على أن يتم الاحتكام إلى الشعب بعد ذلك في انتخابات رئاسية وتشريعية.

مدير مركز شرق المتوسط للصحافة والإعلام- بيروت
[email protected]


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=7893